تقديرات برنامج دراسات الأزمة الانسانية

التصعيد العسكري وتفاقم الأزمة الإنسانية في مخيمات النزوح بمحافظة مأرب

أمة الخالق السقاف PDF متاح

مقدمة:

يمثل تصعيد الصراع المسلح في اليمن عاملًا رئيسيًا في تفاقم الأزمة الإنسانية، إذ لا تقتصر تداعياته على الخسائر البشرية المباشرة، وإنما تمتد إلى تعميق الهشاشة الإنسانية وإضعاف قدرة الفئات والمجتمعات المتضررة على مواجهة تداعيات النزاع، بما يجعل مسارات التعافي والاستقرار أكثر صعوبة.

 وتبرز محافظة مأرب بصورة خاصة في هذا السياق، باعتبارها إحدى أهم مناطق استضافة النازحين، حيث تتقاطع آثار العمليات العسكرية مع الاحتياجات الإنسانية المتراكمة والضغوط المتزايدة على الموارد والخدمات. ويكتسب التصعيد في محيط مواقع النزوح أهمية إضافية، لأنه يهدد البيئة التي يفترض أن توفر للنازحين قدرًا من الأمان، بما قد يقوض استقرارهم ويضعف قدرة المحافظة على الاستمرار في استيعاب موجات نزوح جديدة.

 وانطلاقًا من ذلك، تبحث هذه الورقة في تداعيات التصعيد العسكري الأخير في مأرب على الأزمة الإنسانية، ولا سيما أوضاع النازحين في المحافظة، وتحلل انعكاساته على بيئة النزوح وقدرة الاستجابة الإنسانية على مواجهة الاحتياجات المتزايدة، وصولًا إلى تحديد أبرز التدخلات اللازمة للحد من تفاقم هذه التداعيات.

أولًا: التصعيد العسكري الأخير وسياق الحدث:

شهدت محافظة مأرب في 7 أغسطس/آب 2026 تصعيدًا عسكريًا جديدًا، تمثل في هجوم شنته جماعة الحوثي باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدف مدينة مأرب ومحيطها، بما في ذلك مخيمات تؤوي نازحين في ضواحي المدينة. وأسفر القصف، وفقًا لمصادر طبية ووزارة الصحة في الحكومة اليمنية، عن مقتل نازحين اثنين وإصابة 14 آخرين، فيما أشارت السلطات إلى أن الحصيلة أولية وقابلة للارتفاع مع استمرار عمليات الحصر والإسعاف[1].

وجاء هذا الهجوم بعد يوم واحد فقط من هجوم واسع نفذته الجماعة على معسكرات للقوات الحكومية في محافظتي مأرب وحضرموت، مستخدمة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات الحكومية. ويشير هذا التسلسل الزمني إلى تصعيد عسكري متسارع تجاوز استهداف المواقع العسكرية ليطال مناطق مدنية تضم أعدادًا كبيرة من النازحين، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة بشأن اتساع التداعيات الإنسانية للنزاع.

ولا تقتصر أهمية هذا التصعيد على عدد الضحايا الذين خلفهم فقط، بل تكمن في طبيعة الموقع الذي طاله القصف؛ إذ تُعد مخيمات النزوح من أكثر المواقع هشاشة في اليمن، نظرًا لكونها تؤوي أسرًا اضطرت إلى مغادرة منازلها هربًا من العمليات العسكرية. ومن ثم، فإن تعرضها للقصف يعكس تصاعد المخاطر التي تواجه المدنيين، ويؤكد أن النزوح لم يعد يوفر الحماية التي يفترض أن يحققها للمتضررين من النزاع.

كما يأتي هذا التصعيد في مرحلة تتسم بتراجع زخم الجهود السياسية الرامية إلى تثبيت التهدئة، وباستمرار التحديات التي تواجه الاستجابة الإنسانية نتيجة اتساع فجوة التمويل وتزايد الاحتياجات الإنسانية. وفي هذا السياق، لا يمثل استهداف مخيمات النازحين حادثًا معزولًا، بل يعكس التداخل المتزايد بين التطورات العسكرية والأزمة الإنسانية، ويبرز الحاجة إلى تحليل آثار التصعيد على أوضاع النازحين، وعلى جهود الإغاثة، وعلى فرص الحد من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.

ثانيًا: مأرب مركز النزوح الأكبر في اليمن:

تمثل محافظة مأرب اليوم الركيزة الأساسية للاستجابة الإنسانية في اليمن، إذ تحولت منذ تصاعد النزاع المسلح إلى أكبر مركز لاستضافة النازحين داخليًا. فقد استقبلت المحافظة على مدى السنوات الماضية موجات متتالية من الأسر الفارة من مناطق القتال، ما أدى إلى تضاعف عدد سكانها عدة مرات، وأوجد ضغطًا غير مسبوق على الخدمات العامة والبنية التحتية والموارد المحلية.

ووفقًا لأحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة (IOM) لفترة من أبريل إلى مايو 2026، تستضيف مأرب نحو 1.88 مليون نازح داخلي.[2] موزعين على مئات مواقع ومخيمات النزوح، يعيش معظمهم في مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. ويعتمد جزء كبير من هؤلاء النازحين على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، في ظل محدودية فرص العمل وتراجع مصادر الدخل واستمرار حالة النزوح لفترات طويلة.

وتواجه مخيمات النزوح في مأرب تحديات إنسانية متراكمة، تشمل نقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب،[3] وضعف خدمات الرعاية الصحية والتعليم، ورداءة خدمات الإصحاح البيئي، فضلًا عن تعرضها بشكل متكرر للسيول والعواصف الموسمية التي تتسبب في تدمير المأوى وتشريد آلاف الأسر.[4] كما أدى تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال عام 2026 إلى تقليص العديد من برامج الإغاثة،[5] الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرة المنظمات الإنسانية على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر ضعفًا.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى استهداف مخيمات النزوح في مأرب بوصفه حادثًا أمنيًا معزولًا، بل باعتباره استهدافًا لبيئة إنسانية تعاني أصلًا من هشاشة مركبة، حيث تتقاطع آثار النزاع المسلح مع الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وتراجع التمويل الإنساني. ومن ثم، فإن أي تصعيد عسكري جديد لا يقتصر أثره على زيادة أعداد الضحايا، وإنما يفاقم الضغوط على منظومة الاستجابة الإنسانية، ويقوض قدرة المحافظة على الاستمرار في استيعاب موجات نزوح جديدة، بما يجعل مأرب إحدى أكثر المناطق عرضة لتدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن.

ثالثًا: كيف يعمّق التصعيد العسكري الأزمة الإنسانية؟

يفاقم التصعيد العسكري في محافظة مأرب هشاشة الأوضاع الإنسانية للنازحين، ويمتد أثره إلى مختلف جوانب حياتهم اليومية. فمخيمات النزوح، التي يفترض أن توفر ملاذًا آمنًا للأسر الفارة من مناطق الصراع، قد تتحول إلى فضاءات جديدة للمخاطر عندما تتعرض للاستهداف أو تقع في نطاق العمليات العسكرية. ويؤدي ذلك إلى تقويض مستويات الحماية المتاحة للمدنيين، ويفرض على الأسر النازحة مواجهة احتمالات متجددة للفرار والنزوح مرة أخرى، بما يضاعف معاناتها ويزيد من هشاشتها الإنسانية، خصوصًا في ظل محدودية البدائل الآمنة وتراجع القدرة على الوصول المنتظم إلى الخدمات الأساسية.

  1.  النزوح الثانوي وتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة:

يسهم استمرار النزاع والضغوط المرتبطة به في استمرار حركة النزوح الداخلي وتعدد دوافعها. ووفقًا لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة (IOM DTM)، سجلت مناطق سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا 465 أسرة نازحة حديثًا، بما يقارب 2,790 فردًا، خلال الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2026. وكانت محافظة مأرب الوجهة الرئيسية لحالات النزوح المسجلة، إذ استقبلت 286 أسرة، أي نحو 62% من إجمالي الحالات المرصودة خلال الفترة نفسها.[6] وتوضح هذه البيانات أن مأرب كانت تواجه ضغطًا مستمرًا من تدفقات النزوح قبل التصعيد محل الدراسة، بما يزيد من هشاشة البيئة الإنسانية التي تعمل فيها الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة.

وتشير بيانات الرصد كذلك إلى تنوع دوافع النزوح، بما في ذلك انعدام الأمن المرتبط بالنزاع والضغوط الاقتصادية والمخاطر الطبيعية، كما سجلت تحديثات الرصد الأسبوعية انتقال أسر إلى مأرب من محافظات ومناطق مختلفة. ويعكس ذلك استمرار دور المحافظة بوصفها وجهة رئيسية للنازحين في مناطق الحكومة، ويعني أن أي تصعيد جديد يضاف إلى وضع إنساني قائم أصلًا تحت ضغط متراكم.

ويؤدي استمرار تدفقات النزوح إلى زيادة الضغوط على الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، ولا سيما في ظل محدودية الموارد والخدمات الأساسية. ويمكن أن يترتب على النزوح المتكرر عدد من التداعيات، من أبرزها:

  • تآكل آليات الصمود: تضطر الأسر النازحة إلى استنزاف مواردها المحدودة للتكيف مع تكاليف الانتقال المتكرر وإعادة بناء سبل المعيشة، بما يزيد من هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية.
  • تزايد الضغط على الخدمات الأساسية: يؤدي وصول أسر جديدة إلى زيادة الطلب على المأوى والمياه وخدمات الإصحاح والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، في بيئة تعاني أصلًا من محدودية الموارد.
  • حرمان الأطفال من التعليم: يمثل النزوح المتكرر وعدم استقرار أماكن الإقامة أحد العوامل التي تعرقل استمرار الأطفال في التعليم. وقد وثقت اليونيسف في محافظة مأرب حالات لأطفال نازحين انقطعوا عن الدراسة بسبب ظروف النزوح وضعف البيئة التعليمية، كما أشارت إلى أن الفقر والنزوح من العوامل التي تسهم في خروج الأطفال من المدرسة على مستوى اليمن.[7]
  1. قيود الوصول الميداني وتحديات العمليات الإغاثية:

تلقي المخاطر الأمنية واستمرار الأعمال العدائية بظلالها على قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى النازحين وتقديم المساعدات، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاع أو التي تشهد قيودًا على الحركة والوصول. وقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن البيئة التشغيلية في اليمن أصبحت أكثر تعقيدًا، مع استمرار القيود على الوصول والحركة، الأمر الذي يحد من قدرة الجهات الإنسانية على تنفيذ برامجها والوصول إلى السكان الأكثر احتياجًا.[8]

  • عراقيل لوجستية: تؤدي المخاطر الأمنية إلى تقييد حركة الفرق الإغاثية وتأخير الأنشطة الإنسانية أو تعليقها في المناطق التي يتعذر الوصول إليها بأمان.
  • صعوبة استمرار العمليات: تفرض البيئة التشغيلية المقيدة على المنظمات الإنسانية تعديل طرق وأساليب تنفيذ برامجها، مع إعطاء الأولوية للأنشطة المنقذة للحياة في المناطق التي تتراجع فيها إمكانية الوصول الآمن. وقد أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن القيود الأمنية والحركة في بعض مناطق اليمن أدت إلى الحد من العمليات الإنسانية، وإلى تعليق مؤقت لبعض الأنشطة عندما لم تعد ظروف تنفيذها آمنة.[9]
  • صعوبة التتبع وتحديد الاحتياجات: يؤدي استمرار حركة الأسر النازحة وتغير أماكن إقامتها إلى تعقيد عمليات رصد النزوح وتحديث البيانات وتقدير الاحتياجات، الأمر الذي يتطلب متابعة دورية لحركات الأسر ومواقعها واحتياجاتها من جانب الجهات الإنسانية وشركائها.[10]
  1. اتساع الفجوة التمويلية وتراجع قدرة الاستجابة الإنسانية:

يأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية في اليمن فجوة تمويلية كبيرة، تحد من قدرة الجهات الإنسانية على الحفاظ على مستوى الاستجابة المطلوب. فقد طلبت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 نحو 2.16 مليار دولار أمريكي لتقديم المساعدة إلى 12 مليون شخص، من أصل أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية والحماية في مختلف أنحاء البلاد.

  • الاحتياجات مقابل الموارد: يعكس حجم التمويل المطلوب اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة، في وقت أشارت فيه الأمم المتحدة إلى أن التخفيضات الكبيرة في التمويل أدت بالفعل إلى تقليص بعض البرامج المنقذة للحياة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحفاظ على مستوى الاستجابة المطلوبة. [11]
  • محدودية التمويل: حتى مايو/أيار 2026، لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 إلا على نحو 14 في المائة من التمويل المطلوب، البالغ 2.16 مليار دولار، ما أبقى الجزء الأكبر من الاحتياجات المالية غير ممول وقيّد قدرة الجهات الإنسانية على الحفاظ على مستوى الاستجابة المطلوبة.[12]

وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة في مأرب؛ لأن المحافظة تستقبل تدفقات نزوح مستمرة، بينما تعمل المنظمات الإنسانية في ظل موارد محدودة. وبالتالي، فإن التصعيد لا يحدث في بيئة تتمتع بقدرة فائضة على الاستجابة، وإنما داخل منظومة تعاني أصلًا من نقص الموارد.
ومن ثم، فإن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الاحتياجات والموارد، بحيث تصبح الاستجابة أكثر اعتمادًا على التدخلات الطارئة وأقل قدرة على معالجة العوامل التي تجعل الأسر والمجتمعات عرضة للأزمة على المدى الطويل.

  1.  التبعات النفسية والاجتماعية الممتدة:

لا تقتصر آثار النزوح والتصعيد العسكري على الخسائر المادية والجسدية، بل تمتد إلى الأوضاع النفسية والاجتماعية للنازحين، ولا سيما الأطفال الذين تعرضوا بصورة متكررة للعنف والنزوح وعدم الاستقرار. وتؤكد برامج الحماية والدعم النفسي والاجتماعي التي تنفذها الأمم المتحدة في اليمن استمرار الحاجة إلى هذه الخدمات بين الأطفال والمجتمعات المتأثرة بالنزاع والنزوح، في ظل ما يتركه الصراع الممتد من ضغوط نفسية واجتماعية.[13]

  • تفاقم الضغوط النفسية: يمكن أن يؤدي التعرض المتكرر للعنف والنزوح وعدم الشعور بالأمان إلى زيادة مخاطر الضيق النفسي لدى الأطفال والأسر النازحة، وهو ما يفسر استمرار الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والحماية في مواقع النزوح.
  • تآكل آليات التكيف: يؤدي استمرار النزوح وتكرار الصدمات إلى إضعاف قدرة الأسر والمجتمعات على التكيف مع الأزمة، ولا سيما في ظل محدودية سبل العيش وتراجع الموارد واستمرار الاحتياجات الإنسانية. وقد وثقت المنظمة الدولية للهجرة في مأرب أوضاعًا تتسم بطول أمد النزوح وهشاشة المأوى ومحدودية فرص كسب العيش، وهي عوامل تزيد من صعوبة استعادة الأسر لاستقرارها.[14]

وبذلك، يضيف التصعيد العسكري في محيط مواقع النزوح بُعدًا جديدًا إلى أزمة إنسانية ممتدة؛ فهو لا يفاقم المخاطر المباشرة التي يتعرض لها المدنيون فحسب، بل يزيد أيضًا الضغوط الواقعة على الأسر النازحة وعلى منظومة الاستجابة الإنسانية، ويحد من قدرتها على التعافي والاستقرار في ظل استمرار النزوح وتراجع الموارد المتاحة.

رابعًا: التداعيات السياسية والقانونية للتصعيد:

يفتح التصعيد العسكري الذي نفذته جماعة الحوثي الباب أمام تداعيات سياسية وقانونية تتجاوز الأضرار المباشرة التي لحقت بالمدنيين والممتلكات، وتنعكس بصورة أوسع على أوضاع النازحين والبيئة الإنسانية في محافظة مأرب. كما يسهم هذا التصعيد في زيادة هشاشة الوضع القائم، ويعقّد جهود الاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين، فضلًا عن تأثيره في مسار الترتيبات السياسية والقانونية المرتبطة بالنزاع، وما يترتب عليها من مسؤوليات تجاه السكان المتضررين والنازحين.

  1. التداعيات السياسية وتآكل فرص التهدئة:
    لا تقتصر آثار التصعيد العسكري على تداعياته الإنسانية والميدانية، بل تمتد إلى البيئة السياسية المحيطة بالنزاع، إذ يؤدي استمرار الأعمال العدائية إلى زيادة التوتر بين أطراف الصراع وإضعاف فرص بناء الثقة اللازمة للتهدئة. كما أن انتقال آثار التصعيد إلى المناطق المدنية ومواقع النزوح يضيف أبعادًا جديدة إلى الصراع، ويجعل احتواء التوتر والانتقال نحو التهدئة والتفاوض أكثر صعوبة.
  • تآكل الثقة: يؤدي استمرار الأعمال العسكرية التي تطال المناطق المدنية ومواقع النزوح إلى تعميق انعدام الثقة بين أطراف النزاع، ويجعل ترتيبات خفض التصعيد أكثر هشاشة. كما أن تكرار استهداف المناطق التي يفترض أن توفر قدرًا من الأمان للنازحين يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويزيد من صعوبة تهيئة بيئة مواتية للانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه السياسية.
  • تعقيد مسار التسوية: يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى إعادة إنتاج أجواء عدم الاستقرار، ويجعل معالجة الملفات السياسية والاقتصادية المرتبطة بالنزاع أكثر صعوبة. كما أن استمرار العمليات العسكرية يرفع كلفة الصراع على السكان والمجتمعات المحلية، ويحد من قدرة الأطراف على توفير بيئة مواتية للتفاوض والتوصل إلى ترتيبات أكثر استدامة.
  • حماية مخيمات النازحين: لا تقتصر حماية مخيمات النازحين في مأرب على كونها التزامًا بموجب القانون الدولي الإنساني، وإنما تمثل أيضًا عنصرًا أساسيًا في الحد من تداعيات الصراع على الاستقرار المحلي؛ إذ إن استمرار تعرض المدنيين ومواقع النزوح للخطر يعزز بيئة عدم الاستقرار، ويقوض الحد الأدنى من الأمان والثقة اللازمين لتهيئة ظروف مواتية لخفض التصعيد واستئناف مسار سياسي أكثر استدامة.

2- القيود العملية على الاستجابة الإنسانية:

يفرض تدهور الوضع الأمني قيودًا إضافية على قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان المتضررين والاستمرار في تنفيذ برامجها، في وقت تعمل فيه الاستجابة الإنسانية في اليمن أصلًا ضمن بيئة تشغيلية تتسم بانعدام الاستقرار والقيود الأمنية والإدارية وتراجع مساحة العمل الإنساني.

  • تقليص مساحة العمل الميداني: يؤدي تدهور الوضع الأمني والقيود المفروضة على الوصول إلى زيادة صعوبة حركة العاملين والمنظمات الإنسانية، وقد يضطرها إلى إعادة تقييم وجودها وبرامجها في المناطق الأكثر خطورة، بما يحد من قدرتها على الوصول المنتظم إلى الفئات الأشد احتياجًا. وقد وثقت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 استمرار القيود على المجال العملياتي، بما في ذلك القيود الأمنية والإدارية والبيروقراطية، وأشارت إلى أن تدهور البيئة التشغيلية أدى إلى تقليص بعض البرامج الإنسانية المنقذة للحياة.[15]
  • زيادة أولوية الاستجابة الطارئة: يؤدي تكرار الصدمات والنزوح وتفاقم الاحتياجات إلى توجيه قدر أكبر من الجهود والموارد نحو الاستجابة للاحتياجات العاجلة، على حساب معالجة العوامل طويلة الأجل التي تعمق الأزمة. وتؤكد خطة الاستجابة لعام 2026 أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تكفي لعكس العوامل المسببة للأزمة، وأن الحد من الاحتياجات طويلة الأجل يتطلب استعادة الخدمات الأساسية، وإحياء سبل العيش، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.[16]

3- التداعيات القانونية وحماية المدنيين:

يفرض التصعيد العسكري تداعيات تتجاوز الخسائر الإنسانية المباشرة إلى مستوى الحماية القانونية للسكان المدنيين والنازحين، ولا سيما في المناطق التي أصبحت عرضة للعمليات العسكرية أو تقع في محيطها. فتعرض مواقع النزوح للخطر يزيد هشاشة الحماية المتاحة للمدنيين، ويجعل تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني أكثر أهمية في الحد من آثار العمليات العسكرية. كما أن استمرار الأعمال العدائية والقيود المرتبطة بها يفرض تحديات إضافية أمام الوصول إلى المناطق المتضررة ورصد آثار الهجمات، بما ينعكس على القدرة على تقييم الأضرار والانتهاكات المحتملة بصورة مستقلة.

  • تقييد الوصول والتوثيق: لا تقتصر آثار التصعيد والقيود الأمنية والإدارية المرتبطة بالنزاع على عرقلة إيصال المساعدات، بل تؤثر أيضًا في قدرة الجهات الإنسانية على الوصول المنتظم إلى السكان المتضررين ورصد احتياجاتهم. وقد واجهت العمليات الإنسانية في اليمن خلال عام 2026 قيودًا على الوصول؛ إذ أفادت الأمم المتحدة في يناير/كانون الثاني بأن خدمة الأمم المتحدة للنقل الجوي الإنساني (UNHAS) مُنعت من تسيير رحلات إلى مأرب لأكثر من أربعة أشهر، وهو ما يوضح كيف يمكن للقيود المرتبطة بالنزاع أن تعرقل الحركة الإنسانية والوصول الميداني حتى في المحافظات الواقعة خارج مناطق سيطرة جماعة الحوثي.[17]
  • حماية المدنيين: يثير تعرض المناطق التي تؤوي النازحين لأعمال عسكرية تساؤلات بشأن مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين. وتكتسب هذه القواعد أهمية خاصة في مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في المحافظات الخاضعة للحكومة، إذ إن أي تصعيد جديد في محيط مواقع النزوح يضاعف المخاطر التي يتعرض لها سكان نزحوا أصلًا بحثًا عن الأمان.[18]

لا تقتصر حماية مخيمات النازحين في مأرب على كونها التزامًا بموجب القانون الدولي الإنساني، بل تمثل أيضًا عنصرًا أساسيًا في الحد من تداعيات الصراع على الاستقرار المحلي. فاستمرار تعرض المدنيين ومواقع النزوح للخطر يعزز بيئة عدم الاستقرار، ويقوض الحد الأدنى من الأمان والثقة اللازمين لتهيئة ظروف مواتية لخفض التصعيد واستئناف مسار سياسي أكثر استدامة في اليمن.

خامسًا: الاستنتاجات والتوصيات:

تكشف التطورات التي شهدتها محافظة مأرب أن التصعيد العسكري لا يقتصر أثره على الخسائر البشرية المباشرة، بل يفاقم هشاشة البيئة الإنسانية المحيطة بمخيمات النزوح، ويزيد الضغوط الواقعة على النازحين والمجتمعات المضيفة والمنظمات الإنسانية. وتأتي هذه التداعيات في سياق تتسم فيه مأرب أصلًا باستمرار تدفقات النزوح، وتراكم الاحتياجات، وتراجع الموارد، وتزايد الضغوط على الخدمات. وتؤكد بيانات النزوح أن المحافظة استقبلت 62% من حالات النزوح الجديدة المرصودة في مناطق الحكومة خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، بما يعكس استمرار دورها بوصفها وجهة رئيسية للنازحين.

وتشير المعطيات التي تناولتها الورقة إلى أن تعرض مناطق النزوح للخطر يهدد الوظيفة الأساسية لهذه المواقع بوصفها ملاذًا للسكان الذين فروا أصلًا من النزاع، كما يمكن أن يؤدي استمرار الأعمال العدائية إلى زيادة النزوح الثانوي، وتعميق الضغوط على الخدمات الأساسية، وتوسيع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة للاستجابة.

ومن ثم، فإن حماية المدنيين في مخيمات النزوح لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قضية إنسانية منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من معالجة أوسع لتداعيات التصعيد على الاستقرار المحلي.

توصيات للحد من تدهور الأوضاع الإنسانية والسياسية:

  • تعزيز حماية المدنيين ومواقع النزوح: الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات أثناء العمليات العسكرية، وتجنب تعريض المناطق المدنية ومواقع النزوح لمخاطر إضافية.
  • تطوير نظام إنذار مبكر للمخاطر الإنسانية: ربط بيانات النزوح بالمخاطر الأمنية والمناخية وتحديثها بصورة دورية، بما يسمح بتحديد المناطق والأسر الأكثر تعرضًا للمخاطر، والاستعداد المبكر لموجات النزوح المحتملة.
  • تيسير الوصول الإنساني: إزالة القيود والعراقيل التي تعيق وصول المنظمات الإنسانية إلى السكان المتضررين، وضمان وصول آمن ومستدام وغير معرقل إلى مخيمات النزوح والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يسمح باستمرار تقديم الغذاء والمياه والخدمات الصحية ومواد الإيواء.
  • معالجة فجوة التمويل: حث المانحين على زيادة التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية في اليمن، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الأكثر ارتباطًا بحماية النازحين واحتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك المأوى والمياه والصرف الصحي والصحة والأمن الغذائي.
  • تعزيز التوثيق والمساءلة: دعم آليات الرصد والتوثيق المستقلة للحوادث التي تطال المدنيين ومواقع النزوح، بما يساعد على حفظ المعلومات المتعلقة بالضحايا والأضرار والظروف المحيطة بالهجمات، ويدعم إجراءات المساءلة عندما تتوافر الأدلة اللازمة.
  • دعم التعافي المبكر والصمود: عدم الاكتفاء بالاستجابة الطارئة للاحتياجات المتزايدة، بل دعم استعادة الخدمات الأساسية وسبل العيش وتعزيز قدرة النازحين والمجتمعات المضيفة على الصمود، بما يقلل من الاعتماد طويل الأمد على المساعدات.
  • تعزيز قدرة مأرب على الاستيعاب: توجيه جزء من الدعم الإنساني والتنموي إلى الخدمات والبنية التحتية في المجتمعات المضيفة، بما يقلل الضغط الناتج عن استمرار تدفقات النزوح، ويحد من التوتر المرتبط بالمنافسة على الموارد والخدمات المحدودة.
  • خفض التصعيد وإحياء العملية السياسية: التعامل مع خفض التصعيد باعتباره شرطًا أساسيًا للحد من تفاقم الأزمة الإنسانية، إذ يصعب تحقيق تحسن مستدام في أوضاع النازحين في ظل استمرار الأعمال العدائية وتكرار موجات النزوح، مع العمل بالتوازي على تهيئة الظروف الملائمة لإعادة إحياء العملية السياسية واستئناف مسار تفاوضي جاد يفضي إلى معالجة جذور الصراع، ويضع إطارًا أكثر استدامة للحد من تداعياته الإنسانية والأمنية.

 

[1] وزارة الصحة العامة والسكان، بيان صحفي بشأن ضحايا القصف الذي استهدف مخيمات النازحين في محافظة مأرب، منشور في الصفحة الرسمية لوزير الصحة العامة والسكان دكتور قاسم بحيبح، 7 أغسطس، 2026، متاح على: https://www.facebook.com/p/د-قاسم-محمد-بحيبح-100063762818175

[2] International Organization for Migration (IOM), Yemen: Baseline Assessment- Round 41, April- May 2026, Displacement Tracking Matrix (DTM), 2026. https://dtm.iom.int/yemen

[3] International Organization for Migration (IOM), “IOM Yemen: KSrelief and IOM Boost Sanitation and Waste Management Services for Over 185,000 People in Ma’rib,” September 4, 2025. https://yemen.un.org/en/301034-iom-yemen-ksrelief-and-iom-boost-sanitation-and-waste-management-services-over-185000-people

[4] United Nations Population Fund (UNFPA), “Rapid Response Mechanism: Yemen’s Emergency Lifeline under Threat,” November 6, 2025. https://yemen.unfpa.org/en/news/rapid-response-mechanism-yemens-emergency-lifeline-under-threat

[5] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Yemen Humanitarian Needs and Response Plan 2026, March 2026. https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-march-2026

[6]  International Organization for Migration (IOM), Yemen Rapid Displacement Tracking: Quarterly Report, April–June 2026 (Geneva: International Organization for Migration, 2026).  https://dtm.iom.int/reports/yemen-rapid-displacement-tracking-quarterly-report-april-june-2026

[7] UNICEF Yemen, “Restoring Hope for Internally Displaced Children in Yemen,” November 30, 2025; UNICEF Yemen, “Building Educators’ Communication Skills,” February 10, 2026. https://www.unicef.org/yemen/stories/restoring-hope-internally-displaced-children-yemen

[8] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Yemen Humanitarian Needs and Response Plan 2026 (March 29, 2026). https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-march-2026

[10] International Organization for Migration (IOM), Yemen—Rapid Displacement Tracking—Quarterly Report (April–June 2026), Displacement Tracking Matrix (DTM), 2026. https://dtm.iom.int/reports/yemen-rapid-displacement-tracking-quarterly-report-april-june-2026

[11] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Yemen Humanitarian Needs and Response Plan 2026 (March 2026). https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-march-2026

[12] Security Council Report, “Yemen, June 2026 Monthly Forecast,” June 2026, reporting on the April 14, 2026, briefing to the Security Council by Edem Wosornu, Director of Operations and Advocacy, Office for the Coordination of Humanitarian Affairs.

[13] United Nations Children’s Fund (UNICEF) Yemen, “Child Protection,” accessed August 8, 2026. https://www.unicef.org/appeals/yemen

[14] International Organization for Migration (IOM), “IOM Yemen: Weathering the Storm: Displaced Families Reclaim Stability with Cash Support,” United Nations in Yemen, February 10, 2026. https://yemen.iom.int/stories/weathering-storm-displaced-families-reclaim-stability-cash-support

[15] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Yemen Humanitarian Needs and Response Plan 2026 (March 29, 2026), 2026. https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-march-2026

[16] Ibid.

[17] United Nations in Yemen, “Statement by the Resident and Humanitarian Coordinator for Yemen on the Removal of UN Equipment and Assets to an Unknown Location by the Sana’a Authorities,” January 30, 2026. https://yemen.un.org/en/309200-statement-resident-and-humanitarian-coordinator-yemen-removal-un-equipment-and-assets

[18] International Committee of the Red Cross, “Customary IHL, Rule 7: The Principle of Distinction between Civilian Objects and Military Objectives,” IHL Databases, accessed August 8, 2026; International Committee of the Red Cross, “Customary IHL, Rule 14: Proportionality in Attack,” IHL Databases, accessed August 8, 2026. https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v2/rule7?country=ch#sectionb Rule 14  Rule 15

قراءة تنزيل
الوسوم:
#التصعيد العسكري #الأزمة الإنسانية #مخيمات النزوح #محافظة مأرب #النازحون #
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.