تقديرات إتجاهات أمنية

ميناء المخا في معادلة التصعيد الحوثي: الدوافع وحسابات الفاعلين والسيناريوهات

علاء أبو بكر PDF متاح

تشهد البيئة الأمنية والسياسية في اليمن تحولات متسارعة منذ إعلان جماعة الحوثي إنهاء حالة «اللا سلم واللا حرب» التي استمرت لأكثر من عامين. واتخذ هذا التحول مسارًا تصعيديًا مع تصاعد التهديدات التي أطلقتها الجماعة ضد حركة الملاحة والسفن التجارية في البحر الأحمر، وما رافق ذلك من استهداف مناطق ومصالح مرتبطة بالحكومة اليمنية وشركائها الإقليميين، وصولًا إلى الهجوم على ميناء المخا في الساحل الغربي. ولا يمكن النظر إلى هذا الهجوم باعتباره حادثًا عسكريًا منفردًا، بل بوصفه مؤشرًا على انتقال الجماعة إلى استخدام الموانئ والممرات البحرية والبنية التحتية الاقتصادية كأدوات للضغط السياسي والعسكري، بما قد يؤدي إلى إعادة صياغة معادلات الصراع وموازين القوى على المستويين اليمني والإقليمي.

ويأتي استهداف ميناء المخا في سياق إقليمي ودولي يشهد تغيرات مهمة، من أبرزها توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية، إلى جانب توسيع جماعة الحوثي نطاق أهدافها العسكرية ليشمل مناطق قريبة داخل الحدود السعودية. وتكتسب المخا أهمية خاصة لوقوعها على الساحل الغربي لليمن وقربها من باب المندب، بما يجعل أي تهديد للميناء مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الملاحة وحركة التجارة في جنوب البحر الأحمر. ولذلك، فإن استهدافه لا يهدد منشأة يمنية فحسب، بل قد يفرض تكاليف إضافية على حركة التجارة والطاقة والإمدادات، ويؤثر في جهود الحكومة اليمنية لإعادة تشغيل الموانئ وتنشيط الاقتصاد في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول قدرة الحكومة اليمنية والقوات المشتركة، بدعم من شركائها الإقليميين، على حماية الموانئ والمنشآت الحيوية في الساحل الغربي، ومدى قدرة الترتيبات الأمنية القائمة على ردع الهجمات ومنع توسعها. كما تثير تساؤلًا أوسع حول كيفية تعامل القوى الإقليمية والدولية مع تصاعد التهديدات التي تربط بين الصراع اليمني وأمن البحر الأحمر، وما إذا كان هذا التصعيد سيبقى ضمن حدود المواجهة اليمنية أم سيتحول إلى عامل يدفع نحو مزيد من التدخل الإقليمي والدولي في الصراع. الأمر الذي يطرح تساؤلًا مركزيًا حاكمًا لتقدير الموقف هذا: إلى أي مدى يمثل يمكن أن يؤدي استهداف ميناء المخا إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الساحل الغربي وجنوب البحر الأحمر، وكيف ستتفاعل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية مع هذا التحول المهدد لأمن الملاحة العالمية؟

أولَا: دوافع التصعيد وحسابات الميدان

يمكن القول إن الهجوم المنسق على ميناء المخا بنحو عشرين طائرة مسيّرة وصاروخ باليستي لا يندرج ضمن العمليات العسكرية التقليدية، بل يحكمه شبكة معقدة من الدوافع الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية. وتتضح هذه العوامل عبر النقاط الآتية:

  • الدافع الجيوسياسي والعسكري والسيطرة على باب المندب: يقع ميناء المخا على بعد خمسة وسبعين كيلومتراً فقط من مضيق باب المندب، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية فائقة بوصفه نقطة ارتكاز تشرف على أحد أهم الممرات المائية الحاكمة للتجارة العالمية. تسعى جماعة الحوثي من خلال تدمير البنى التحتية للميناء إلى شل القدرات الرقابية واللوجستية للقوات المشتركة (المقاومة الوطنية، ألوية العمالقة، والقوات التهامية)، وقطع خطوط إمدادها الرئيسية[1]، فضلاً عن تطبيق عقيدة "الاستنزاف الموزع" لتخفيف الضغط عن الجبهات الحيوية الأخرى كمأرب وتعز.
  • الدافع الاقتصادي واستراتيجية "سلاح الحصار": يعكس الهجوم الممنهج على الميناء بعد إعادة تأهيله استخدام "سلاح الحصار" وأداة المقايضة القسرية، عبر تقويض جهود التعافي الاقتصادي للحكومة الشرعية، وحرمانها من العوائد السيادية، ومحاولة ربط تشغيل الموانئ المحررة بفتح ميناء الحديدة لتعزيز مكاسبها الاقتصادية والسياسية في مناطق سيطرتها.
  • الارتباط بالتوازنات الإقليمية الجديدة: يندرج التوقيت الميداني للهجوم ضمن استراتيجية استباقية لبعث رسائل ردع سياسية وعسكرية بالتزامن مع توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، مما يشير إلى رغبة حوثية في اختبار فاعلية الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة واستباق أي اندماج استراتيجي قد يقلص من حرية الحركة العسكرية للجماعة في الساحل الغربي والحدود الجنوبية للسعودية.

ثانيًا: حسابات الفاعلين

تتحكم حسابات دقيقة ومدروسة في سلوك الأطراف الفاعلة في المشهد اليمني والإقليمي، حيث لا يمكن تفسير التحركات العسكرية بمعزل عن المصالح والقيود الحاكمة لكل طرف:

  • جماعة الحوثي: تتمثل مصلحتها الاستراتيجية في تكريس وضعية التفوق الميداني وفرض معادلات أمر واقع سياسية واقتصادية وعسكرية تضمن لها مكاسب تفاوضية كبرى. وتتمثل مخاوفها الأساسية في نجاح الحكومة الشرعية والتحالفات الإقليمية المستجدة (مثل اتفاقية مكة) في تثبيت استقرار اقتصادي وعسكري في الساحل الغربي يهدد طموحاتها في الهيمنة على الممرات البحرية. وتتحدد حدود تصعيدها عند الخطوط الحمراء التي قد تستدعي رداً دولياً واسع النطاق يطال بنيتها التحتية الحساسة، بينما تتمثل السيناريوهات التي تريد تجنبها في قيام تحالف بحري إقليمي-دولي فاعل يغلق منافذها البحرية بالكامل.
  • الحكومة الشرعية والقوات المشتركة (طارق صالح): تتمثل مصلحتها في حماية المكتسبات الاقتصادية القليلة المتبقية وتأمين شريان الحياة التجاري والإنساني عبر ميناء المخا، مع الحفاظ على جاهزية ردع عالية. وتتمثل قيودها في هشاشة البنية التحتية، والضغوط الإنسانية، وتحديات الإمكانات اللوجستية والدفاعية المتطورة لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. وتريد هذه الأطراف تجنب سيناريو تحول الساحل الغربي إلى مسرح حرب مفتوح يعطل حركة المدنيين ويدمر مقدرات التعافي.
  • الإقليم والدول الكبرى: تتمثل مصلحة التحالف الإقليمي والمجتمع الدولي في تأمين حرية الملاحة الدولية في باب المندب وجنوب البحر الأحمر ومنع أي تهديد لسلاسل الإمداد العالمية للطاقة. وتكمن قيود القوى الكبرى في الرغبة في تجنب الانزلاق إلى مستنقع مواجهة عسكرية برية واسعة النطاق في اليمن، بينما تتمثل السيناريوهات المكروهة في خروج أمن البحر الأحمر عن السيطرة وتحوله إلى بؤرة استنزاف اقتصادية عالمية دائمة.

ثالثًا: المتغيرات الحاسمة

يتحدد المسار القادم للتطورات الميدانية والسياسية في اليمن عموماً، وفي الساحل الغربي خصوصاً، بناءً على تفاعل عدد من المتغيرات الحرجة التي تملك القدرة على توجيه دفة الصراع:

  1. مدى فاعلية وتفعيل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك": يمثل هذا المتغير عامل ضغط استراتيجي حاسم؛ فترجمة بنود الاتفاقية إلى آليات تعاون عسكري واستخباراتي عملي لتأمين الساحل الغربي وجنوب البحر الأحمر قد يفرض ردعاً نوعياً يحد من حرية الهجمات الحوثية، بينما يؤدي تعثرها إلى إعطاء ضوء أخضر ضمني لمزيد من التصعيد[2].
  2. مستوى الدعم اللوجستي والدفاعي للقوات المشتركة: يعتمد بقاء ميناء المخا كمنفذ آمن على قدرة الحكومة والشركاء الإقليميين على تزويد القوات المرابطة بمنظومات دفاع جوي متطورة قادرة على اعتراض المسيّرات والصواريخ الباليستية بدقة، مما يغير معادلة الكلفة لصالح قوات الشرعية.
  3. المسار التفاوضي الإقليمي والدولي (لا سيما الحوارات الخلفية): يرتبط التصعيد الميداني ارتباطاً وثيقاً بمسار التفاهمات الإقليمية الأوسع؛ فأي اختراق أو جمود في مسار التهدئة الإقليمية ينعكس فوراً على الجبهات اليمنية باعتبارها ورقة الضغط الرئيسية لجماعة الحوثي في تفاوضها مع الإقليم والمجتمع الدولي.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة

على ضوء المعطيات الراهنة وتقاطع المتغيرات المذكورة، يتحرك المشهد المستقبلي بين مسارين رئيسيين تتباين احتمالات تحققهما:

السيناريو الأول: التصعيد العسكري الشامل (الأكثر ترجيحاً)

ينطلق هذا السيناريو من إصرار جماعة الحوثي على إنهاء حالة «اللا سلم واللا حرب» وتثبيت معادلة عسكرية وسياسية جديدة، مستفيدة من نجاح هجماتها الأخيرة. وقد يتخذ ذلك شكل موجات هجومية أوسع تستهدف الموانئ والمطارات والبنى التحتية في المناطق المحررة، بالتوازي مع توسيع الضربات الحدودية لتشمل نجران وجيزان وعسير بهدف رفع كلفة الضغط الاقتصادي والسياسي على السعودية. وفي المقابل، قد يدفع تصاعد التهديد القوات المشتركة والتحالف إلى تنفيذ عملية عسكرية برية أوسع لتأمين الشريط الساحلي، مع إعادة تفعيل جبهات تعز ومأرب، بالتزامن مع تفعيل البعد الأمني لـ«اتفاقية مكة الدفاعية». ويرتبط تحقق هذا السيناريو بغياب ردع إقليمي ودولي حازم وفشل مسارات الوساطة في احتواء التصعيد. وفي حال تحققه، يُرجح أن يقود إلى عسكرة واسعة لغرب وجنوب البحر الأحمر، واضطراب شديد في حركة الملاحة وسلاسل التوريد عبر باب المندب، وتقويض فرص التسوية السياسية، بما يجعل الحكومة اليمنية وشركات الشحن والاقتصاد اليمني والمواطنين من أبرز المتضررين من تداعياته.

السيناريو الثاني: التهدئة القسرية والمفاوضات الاقتصادية (الأقل ترجيحاً)

يفترض هذا السيناريو نجاح وساطات إقليمية ودولية، عبر القنوات الخلفية، في احتواء التصعيد قبل بلوغه خطوطًا حمراء تهدد أمن الملاحة وخطوط الطاقة الدولية، مقابل التزام جماعة الحوثي بخفض هجماتها على الموانئ والحدود السعودية. وقد يفتح ذلك المجال أمام صفقة اقتصادية تفاوضية تتضمن رفع القيود عن ميناء الحديدة، وإعادة فتح مطار صنعاء بصورة أوسع، والتوافق على آلية موحدة لصرف رواتب الموظفين من العائدات السيادية، بما يتيح تهدئة مؤقتة وإعادة تأهيل المنشآت الاقتصادية المتضررة، ومنها ميناء المخا. ويرتبط تحقق هذا المسار كذلك بمآلات المفاوضات الإيرانية–الأمريكية، ولا سيما مدى نجاحها في إنتاج تهدئة إقليمية واستئناف التفاوض حول اتفاق المبادئ وفتح مضيق هرمز، بما قد ينعكس على مستوى الدعم والضغط المرتبط بالملف اليمني. وفي حال تحقق هذه الشروط، سيستفيد الاقتصاد اليمني وحركة التجارة الدولية من تراجع مخاطر التصعيد، إلا أن استدامة التهدئة ستظل رهينة بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى ترتيبات اقتصادية وأمنية أكثر استقرارًا.

الخلاصة

يمثل استهداف ميناء المخا تحولاً نوعياً يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر، ناقلاً الأزمة من إطارها المحلي الضيق إلى فضاء أوسع يهدد عصب التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. وتكشف هذه التطورات عن رغبة جماعة الحوثي في استخدام الجغرافيا اليمنية كأداة ضغط استراتيجية لتحقيق مكاسب في ملفات إقليمية، مما يجعل سيناريو التصعيد العسكري الشامل هو الاحتمال الأرجح في المدى المنظور. وفي مواجهة هذا الواقع، بات لزاماً على الحكومة اليمنية والقوات المشتركة تبني استراتيجية استباقية ترتكز على تعزيز القدرات الدفاعية، وتطوير شبكات الإنذار المبكر وأنظمة التشويش، وتأمين مسارات إمداد برية بديلة تحصن الموانئ الحيوية ضد محاولات الاستنزاف والاختناق الاقتصادي.

ولا يمكن فصل مسار هذه المواجهة عن مدى فاعلية التحركات الإقليمية والدولية في تحويل الأطر الأمنية، مثل اتفاقية مكة الدفاعية، إلى أدوات ردع ميدانية تغير الحسابات العسكرية للحوثيين. يتطلب الأمر تجاوز مرحلة التنديد الدبلوماسي نحو خطوات عملية تشمل فرض عقوبات صارمة، وتوسيع نطاق العمليات البحرية المشتركة لتوفير مظلة حماية فعالة للموانئ المدنية، وملاحقة المسؤولين عن استهداف المنشآت الحيوية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني. وتبقى مراقبة مؤشرات الساحل الغربي المتعلقة بتطور الدفاعات الجوية، ومستوى التنسيق الاستخباراتي والعسكري، وحجم الاستجابة الدولية للأعيان المدنية، هي المعيار الحاسم لمدى القدرة على إعادة صياغة قواعد الاشتباك واحتواء المخاطر المحدقة بأمن الملاحة العالمية.

 

[1] هجوم حوثي بالصواريخ والمسيّرات على ميناء المخا اليمني، موقع صحيفة الشرق الأوسط، 9 أغسطس 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2cqg5x5b

[2] محمد فضل، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك: دراسة تحليلية للدوافع والمآلات من منظور الإستراتيجية السعودية»، مركز اليمن والخليج للدراسات، 8 أغسطس 2026، https://ygcs.center/ar/cat/studies/article214.html

قراءة تنزيل
الوسوم:
#ميناء المخا #التصعيد الحوثي #اتفاقية مكة للدفاع المشترك #الساحل الغربي #الحكومة الشرعية #
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.