دراسات إتجاهات إقليمية ودولية

اتفاقية مكة للدفاع المشترك: دراسة تحليلية للدوافع والمآلات من منظور الإستراتيجية السعودية

د. محمد فضل PDF متاح

المقدمة

تفرض التطورات المتسارعة للحرب الأمريكية- الإيرانية معطيات جديدة على دول المنطقة، دافعة إياها لإعادة تشكيل أنماط تحالفاتها الأمنية والطريقة التي تتعامل بها مع التطورات المتسارعة. وفي هذا السياق، يأتي التوقيع على اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026م بين كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، ليشكل محطة بارزة في مسار إعادة ترتيبات التحالفات الأمنية في المنطقة.

ومن هنا، تسعى هذه الدراسة لفهم هذا التحالف الثلاثي من منظور الإستراتيجية السعودية، وذلك عبر تحليل الدوافع الأمنية والإستراتيجية، التي جعلت من السعودية تقدم على تشكيل هذا التحالف الدفاعي المشترك. كما تسعى الدراسة إلى تقييم الأبعاد المحتملة لهذا التحالف وانعكاساته على بنية الأمن الإقليمي، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

ولتحقيق معالجة تحليلية منهجية، تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام رئيسة؛ يتناول القسم الأول المقاربة النظرية والمفاهيمية التي تستند إليها الدراسة، أما القسم الثاني فيركز على العوامل التي دفعت المملكة العربية السعودية إلى تأسيس هذا الإطار الدفاعي المشترك، بينما يختص القسم الثالث بدراسة المآلات المستقبلية وتحليل الفرص والتحديات التي قد تواجه الاتفاقية.

أولاً: الإطار التحليلي للدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الافتراض بإن البنية الدولية هي بنية فوضوية غير هرمية ""Anarchy"، لا يوجد فيها سلطة عليا قادرة على فرض القانون الدولي على باقي الدول[1]؛ وبالتالي يصبح الشك والترقب سيدَي الموقف، خصوصًا مع عدم قدرة الدول على معرفة نوايا بعضها. ومن هنا، تسعى كل دولة إلى زيادة قوتها من أجل ضمان أمنها واستقرارها، ففي ظل نظام المساعدة الذاتية "Self-help" يصبح الهدف الأساسي لأي دولة هو الحفاظ على نفسها في ظل هذا العالم الخطير. ومن هنا فإن الدول تفكر وتتصرف بطريقة إستراتيجية تحوطية وتسعى إلى زيادة قوتها ومقدراتها العسكرية[2].

وإزاء حالة القلق والترقب التي تطغى على النظام الدولي، تلجأ الدول إلى تبني سياسة توازن القوى[3]، سعياً إلى منع اختلال ميزان القوة لمصلحة دولة أو مجموعة من الدول، بما يحول دون فرض هيمنة أي طرف على النظام الإقليمي المشترك، وذلك عبر استخدام عدة إستراتيجيات أبرزها تشكيل التحالفات[4].

وتجدر الإشارة إلى أن الدول لا تسعى إلى موازنة القوة في حد ذاتها، بل إلى موازنة التهديد؛ إذ إن سلوكها يتحدد بمدى إدراكها للتهديد الذي تمثله دولة معينة لميزان القوى، وليس بمجرد امتلاك تلك الدولة قدراً أكبر من القوة.  فالتوازن هو رد فعل طبيعي لشعور الدول بالخوف، ومن وهنا قام العالم Stephen Walt بوضع أربع محددات أساسية لشعور الدول بالتهديد من بعضها بعضاً[5]:

  • القوة الإجمالية التي تتمتع بها الدولة من سكان واقتصاد وقدرات صناعية.
  • القرب الجغرافي، فكلما زاد قرب الدولة من حدود دولة أخرى قوية زاد خوفها منها؛ مما يدفعها للدخول في تحالف من أجل موازنة قوة هذه الدولة.
  • القدرات الهجومية، فكلما زادت القدرات الهجومية لدولة ما من حيث حجم القوات العسكرية وتطورها وإمكانية حشدها بسرعة زاد خوف باقي الدول منها.
  • توقّع النوايا العدوانية، فكلما شعرت الدولة (أ) بأن الدولة (ب) تمتلك نوايا عدوانية تسعى لتحقيقها مستقبلًا زادت احتمالية دخول الدولة أ في تحالف من أجل كبح جماح الدولة (ب)؛ ويلعب هذا المؤشر الدور  الحاسم في تشكيل سياسة توازن التهديد التي تنتهجها الدول

ويمكن هنا إضافة مؤشر خامس يتمثل في الهوية الجماعية ليعزز التفسير المنطقي لسبب خشية بعض الدول من مقدرات دول بعينها، في حين لا تبدي المخاوف نفسها تجاه مقدرات دول أخرى، فكلما زاد الاتفاق في الهوية المشتركة زاد التعاون بين الدول، والعكس صحيح مع الدول التي لها هويات مناقضة لبعضها[6]

ثانياً: دوافع تشكيل التحالف الثلاثي:

تحاول هذه الجزئية فهم الأسباب العميقة التي دفعت السعودية إلى تشكيل التحالف الثلاثي، حيث تركز على ثلاثة دوافع رئيسية، هي: فقدان الثقة بالولايات المتحدة، وتنامي الخطر الإيراني، وتصاعد الخطر الإسرائيلي.

  1. الولايات المتحدة حليف غير موثوق:

يمكن القول بأن السعودية فقدت ثقتها بمدى التزام الولايات المتحدة بتعهداتها الأمنية تجاه منطقة الخليج العربي، هذا الفقدان للثقة لم يكن وليد اللحظة بل ربما يمكن إرجاعه إلى بداية الغزو الأمريكي للعراق 2004، حيث شعرت السعودية بأن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بتسليم العراق لإيران، ومن هنا بدأت السعودية تشعر بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف بشكل منفرد لا يراعي مصالح حلفائها خصوصاً مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما في اتفاق نووي مع إيران دون مراعاة المخاوف السعودية، ضف إلى ذلك، شعور السعودية بأن الولايات المتحدة اتخذت مواقف ضعيفة في مواجهة التدخل الإيراني والروسي في سوريا[7].

علاوة على ما سبق، انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية إستراتيجية إعادة انتشار لقواتها العسكرية وذلك من خلال تقليل تواجدها في الشرق الأوسط والانتقال إلى منطقة الإندو-باسيفيك من أجل تقويض الصعود الصيني في تلك المنطقة[8]، ومن هنا بدأت السعودية تدرك بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق من أجل حماية أمنها رغم الوعود الأمريكية بذلك، فالدول لا تستطيع التيقن من نوايا الدول الأخرى والعلاقات بين الدول محكومة بحالة الشك والريبة، وبالتالي على السعودية التصرف من أجل حماية أمنها بنفسها.

وهذا ما قامت به السعودية بالفعل عند تدخلها بشكل مباشر في الحرب اليمنية وقصفها للمليشيات الحوثية المدعومة من إيران والتي تشكل خطراً وجودياً على السعودية، وكانت هذه هي لحظة التحول الحاسمة في العلاقات السعودية الأمريكية. فقد تفاجأت السعودية من عدم دعم الولايات المتحدة لحملتها العسكرية في اليمن بالشكل المطلوب، بل على العكس قامت بالضغط على السعودية من أجل إيقاف الحرب[9].

وبعد وصول الرئيس ترامب في ولايته الأولى للسلطة استمر الموقف الأمريكي الهزيل غير الداعم للحملة العسكرية السعودية، وقد تجلى ذلك بمطالبة ترامب للسعودية بدفع المزيد من الأموال لتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بحمايتها[10]، ضف إلى ذلك الرد الأمريكي الهزيل بعد مهاجمة المليشيات الحوثية لمصافي أرامكو السعودية في 2019، حيث صرح الرئيس دونالد ترامب" ليس هناك داعي للتعجل، هذا الهجوم كان على السعودية وليس علينا "[11]، يمكن القول بأن هذا التصريح شكل صدمة باللغة للعلاقات السعودية الأمريكية.

ومع وصول الرئيس بايدن، الذي توعد في حملته الانتخابية بتحويل السعودية إلى دولة منبوذة[12]، إلى البيت الأبيض في 2021، قامت الولايات المتحدة بعدة إجراءات لا تصب في مصلحة السعودية أهمها رفع المليشيات الحوثية التي تحاربها السعودية من قائمة الإرهاب[13]، وسحب بطاريات صواريخ الباتريوت والتي كانت تحمى السعودية من الهجمات الصاروخية البالستية التي تشنها المليشيات الحوثية ضد السعودية بين الفينة والأخرى[14]، كذلك قرر الرئيس بايدن وقف مبيعات بعض الأسلحة للسعودية مؤقتاً[15].

ولعل التطور الأبرز في مسار تراجع الثقة السعودية بمدى جدية الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها الأمنية تمثل في 28 فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، حملة جوية واسعة استهدفت عددًا من الأهداف الإيرانية، والذي أعقبه هجمات إيرانية واسعة بالطائرات المسيرة والصواريخ استهدفت عدة دول خليجية، الأمر الذي كشف عن محدودية التنسيق المسبق مع الحلفاء الخليجيين، خصوصاًً بأن الولايات المتحدة لم تقم بإعلام الدول الخليجية باعتزامها شن هجوم واسع على إيران. علاوة على ذلك، لم تقم القوات الأمريكية بالمساهمة الفعالة في اعتراض الصواريخ التي استهدفت الدول الخليجية؛ بل على العكس تركز مجهودها العسكري على حماية إسرائيل والقواعد الأمريكية، وتركت دول الخليج تواجه الهجمات الإيرانية بقدراتها الذاتية[16].

ومن هنا يمكن القول بأن السعودية خلصت إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تمثل الضامن الأمني الذي يمكن الاعتماد عليه؛ فعندما واجهت المملكة تهديدات مباشرة استدعت تفعيل الالتزامات الأمنية الأمريكية، لم تقدم الأخيرة مستوى الدعم المطلوب.

وبالتالي فضلت السعودية إيجاد تحالف أمنى جديد مع دول إقليمية قوية تجمعها بها هوية جماعية مشتركة، وتتقاسم معها الشعور ذاته بالخطر. ومن هنا وُلد اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقع في 7 أغسطس 2026، ويضم إلى جانب السعودية كلاً من تركيا وباكستان. وينص الاتفاق صراحةً على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع[17]، وذلك على خلاف الالتزامات الأمنية الأمريكية التي لا تستند إلى معاهدة دفاع مشترك ملزمة.

  1. تنامي الخطر الإيراني:

منذ قيام الثورة الإيرانية، لم تخفِ إيران رغبتها في الإطاحة بالنظام الحاكم في المملكة العربية السعودية، بل على العكس، دأب المسؤولون الإيرانيون على توجيه تهديدات متكررة للمملكة بتنفيذ ضربات عسكرية ضدها. فعلى سبيل المثال، صرّح أحمد خاتمي، عضو مجلس الخبراء في إيران، بأن السعودية "دولة فتنة، وستحترق بنيران الفتنة التي أشعلتها"[18]، كما صرّح هاشمي رفسنجاني، عندما كان عضواً في مجلس النواب، قائلاً: "يتعين على إيران اقتلاع الأسرة السعودية الحاكمة من جذورها"[19].

لم تكن هذه التصريحات مجرد حرب كلامية، فقد حاولت إيران مبكراً تطويق السعودية من حدودها الشمالية والجنوبية. فعلى سبيل المثال، قامت إيران منذ بدايات الألفية الجديدة بتدريب وتأهيل وتسليح المليشيات الحوثية[20]، وقد أكدت عدة تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ذلك التورط[21]. وعقب سيطرة مليشيات الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، صرح وزير الاستخبارات الإيراني الأسبق، حيدر مصلحي، بأن صنعاء أصبحت رابع عاصمة عربية تخضع للنفوذ الإيراني، مضيفًا أن الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود، وإنما تمتد إلى جميع الشيعة.[22]

ولم يقتصر النفوذ الإيراني على الجبهة الجنوبية السعودية، بل امتد أيضًا ليشمل حدودها الشمالية عبر العراق، فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عمدت إيران على بناء ودعم العديد من المليشيات الشيعية المسلحة، ووفرت لها دعماً مالياً وعسكرياً مكنها من التحول إلى قوة عسكرية مؤثرة تمتلك أسلحة متطورة كالصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة ويبلغ عدد مقاتليها نحو خمسين ألف عنصر، وقد نفذت عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد السعودية وباقي الدول الخليجية منذ 2023[23].

ولم يقتصر التهديد الإيراني للسعودية على توظيف وكلائها في المنطقة، بل امتد إلى استهداف دول الخليج بصورة مباشرة. فخلال الفترة الممتدة بين 28 فبراير و6 مارس 2026، أطلقت إيران ما يقارب 380 صاروخًا و1480 طائرة مسيرة باتجاه دول مجلس التعاون. كما عملت على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، واستهدفت العديد من ناقلات النفط [24]فضلاً عن دفع مليشيات الحوثي إلى مهاجمة السفن المتجهة لتحميل النفط من الموانئ السعودية في البحر الأحمر، معلنةً أن تصدير النفط لن يصدر من المنطقة ما دام الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران قائمًا[25]، وبالتالي، فأن إيران تحاول أخذ أمن دول الخليج كرهينة لتحسين أوراق تفاوضها مع الولايات المتحدة.

ومن هنا يمكن القول بأن إيران تمتلك جميع العناصر الخمسة الأساسية، السابق ذكرها، والتي تجعل الدول تشعر بالتهديد من بعضها بعضًا،  فهي تمتلك القوة الإجمالية و القرب الجغرافي من السعودية، ولها قدرات هجومية صاروخية واسعة تستطيع من خلالها تهديد المنشآت الحيوية السعودية، وهي لا تخفي نواياها العدوانية، بل تجاوزت مرحلة النوايا إلى مرحلة شن هجمات مباشرة على المنشآت الحيوية السعودية، كما أن لها هوية مختلفة عن السعودية تتمثل في الهوية الشيعية التي تسعى لتوظيفها لحشد المقاتلين تحت شعار محاربة " أحفاد معاوية "[26].

ومن هنا، فإن دخول السعودية في تحالف يضم كلاً من باكستان، المطلة على البحر العربي والمحيط الهندي والقريبة من مضيق هرمز، وتركيا التي تمتلك حدوداً برية واسعة مع إيران، يجمع بين مزايا القوة المادية والهوية الجماعية المشتركة المتمثلة في الهوية السنية، وهو ما يعزز التماسك بين أطراف التحالف ويزيد من فرص فاعليته. وبذلك قد يساعد التحالف في الحد من القدرات الإيرانية بالإخلال بميزان القوى في المنطقة، ويحد من فرص تحولها إلى دولة مهيمنة قادرة على استخدام أمن الطاقة في المنطقة كرهينة لتعزيز موقفها التفاوضي.

  1. تصاعد الخطر الإسرائيلي:  

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في عام 2023، وارتكابها العديد من الفظائع بحق الشعب الفلسطيني التي وصلت إلى حد الإبادة الجماعية، دون وجود أي محاسبة فعالة على هذه الجرائم، بل على العكس، عملت الولايات المتحدة على حماية إسرائيل من أي محاسبة دولية، شعرت السعودية بأن ميزان القوى في المنطقة أصبح مختلاً، خصوصاً بعد تنفيذ إسرائيل العديد من العمليات المعقدة داخل إيران، ومشاركتها في اغتيال المرشد الإيراني ومعظم القيادات الإيرانية، ونجاحها في اغتيال معظم قيادات حزب الله. كل ذلك ساهم في زيادة إدراك السعودية لتعاظم الخطر الإسرائيلي، وإمكانية تحول إسرائيل إلى قوة مهيمنة في المنطقة [27].

إضافةً إلى ذلك، فإن إقدام إسرائيل على قصف العاصمة القطرية الدوحة، ومحاولتها اغتيال الوفد الفلسطيني المفاوض، ومرور هذه العملية دون أي رد أمريكي يُذكر، ودون قيام القاعدة الأمريكية في قطر باعتراض الطائرات الإسرائيلية، كل ذلك دفع السعودية إلى إعادة التفكير في تعاظم الخطر الإسرائيلي[28] ، الملاحظ هنا أن قصف إسرائيل لقطر كان في 9 سبتمبر 2025، وفي 17 سبتمبر عقدت السعودية أول اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، أي بعد مرور نحو أسبوع من الهجوم الإسرائيلي، وهو ما يحمل إشارة واضحة إلى أن هذا التحالف جاء كرد أولي على قصف إسرائيل لقطر، وتعهد إسرائيل بأنها ستهاجم أي دولة قد تشكل خطرًا عليها في أي لحظة[29].

وبالتالي، فإن دخول السعودية في تحالف يضم كلاً من باكستان، التي تمتلك أسلحةً نووية، وتركيا، التي تتميز بقوات بحرية وبرية عالية التدريب والكفاءة، بالإضافة إلى امتلاكها صناعةً عسكريةً متطورة [30]، يساعد في كبح جماح إسرائيل ومنعها من الإخلال بميزان القوى في المنطقة، ويحول دون تحولها إلى دولة مهيمنة قادرة على تهديد دول المنطقة.

ثالثًا: المآلات والتحديات المستقبلية:

في البداية، يمكن القول إنه رغم الفوائد الأمنية التي قد تحملها معها معاهدات الدفاع المشترك، فإن فرض التوازن عن طريق التحالف لا يمر عبر طريق معبدة بشكل كامل، فتطبيق التحالف على أرض الواقع قد يكون بطيئًا، وقد يحتاج إلى مرحلة طويلة لتنسيق كل من الجهود والعمليات والمهام المشتركة بين الحلفاء، فضلاً عن ضرورة توحيد القيادة المضطلعة بإدارة القوات المشتركة في الميدان[31].

من هنا، فإن كلاًّ من إيران وإسرائيل قد تقومان بمحاولة اختبار مدى فعالية هذه المعاهدة، ففيما يخص إيران، فمن المتوقع أن تدفع بأذرعها في كلٍّ من العراق واليمن لشن عمليات منسقة ضد مجموعة من الأهداف الإستراتيجية عالية الأهمية داخل السعودية، مثل منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه. وهذا يتفق مع ما صرحت به السعودية بأنها توصلت إلى مجموعة من المعلومات الاستخباراتية التي تؤكد أن المليشيات الحوثية في اليمن، ومليشيات الحشد الشعبي في العراق، تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، يخططون لتنفيذ هجمات كبيرة ومنسقة ضد أهداف حساسة داخل المملكة.[32]

وبالتالي، فإن إيران ستسعى إلى اختبار مدى فعالية استجابة التحالف الثلاثي لمثل هذه الهجمات، وعلى ضوء طبيعة هذا الرد ستعيد صياغة سياستها المستقبلية. فكلما جاء رد التحالف الثلاثي قوياً وحاسما على هذه الهجمات الاختبارية، اضطرت إيران إلى إعادة رسم سياساتها العسكرية، وأصبحت أكثر حذراً في استهداف المنشآت السعودية مستقبلاً. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة امتناعها عن المغامرة بقصف المنشآت الحيوية السعودية إذا أقدمت الولايات المتحدة على استهداف المنشآت الإستراتيجية الإيرانية في حال فشل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الجارية.

أما فيما يخص إسرائيل، فإنه من المرجح أن تُصعّد من انتهاكاتها في الضفة الغربية وغزة، متوسعةً في سياسة الاستيطان، ومتجاهلةً سياسة حل الدولتين، مع تصعيد ضغطها العسكري على النظام الجديد في سوريا دون شن هجوم شامل، وذلك لقياس مدى توحد الرد الدبلوماسي لهذه الدول الثلاث. فإسرائيل تدرك أنه ليس من مصلحتها في الوقت الحالي الدخول في أي مغامرة عسكرية، وهي تحاول تركيز جهودها على الملف الإيراني.

أما فيما يخص المآلات المستقبلية بعيدة الأمد، فإن نجاح التحالف الثلاثي في تنسيق جهوده وتوحيد ردوده العسكرية والدبلوماسية سيسهم بشكل كبير، مستقبلاً، في إعادة التوازن إلى المنطقة، وقد يخلق نظاماً إقليمياً جديداً أكثر اتساعاً وأكثر شمولاً، خصوصاً في حال انضمام دول عربية مهمة إلى هذه الاتفاقية، مثل مصر. وقد يدفع ذلك إلى تقليل اعتماد المنطقة على الوجود الأمريكي بوصفه وسيلة لضمان الأمن في المنطقة، مما سيقلل من حدة الاحتقان الذي خلفه الوجود الأمريكي منذ حرب الخليج الثانية. مع التأكيد على أن هذا النجاح ليس نجاحاً حتمياً، وإنما يعتمد على مدى صدق وجدية الأطراف المتحالفة.

الخاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى أن تأسيس التحالف الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار اتفاق مكة للدفاع المشترك يعكس تحولا مهماً في طبيعة التفكير الأمني السعودي، وانتقالاً من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية إلى البحث عن ترتيبات دفاعية أكثر استقلالية تقوم على تنويع الشراكات وبناء توازن إقليمي جديد.

وقد أظهر التحليل أن هذا التحول لم يكن نتيجة عامل واحد، وإنما جاء استجابةً لتراكمات أمنية وإستراتيجية، أبرزها تراجع الثقة بالالتزامات الأمريكية، وتصاعد التهديد الإيراني، وتنامي المخاوف من اختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح إسرائيل.

 كما بينت الدراسة أن التحالف الثلاثي يستند إلى منطق توازن التهديد، إذ تسعى السعودية من خلاله إلى جمع قدرات عسكرية وسياسية متكاملة بين الدول الثلاث بهدف رفع كلفة أي تهديد محتمل، وتعزيز قدرتها على الردع.

 إلا أن نجاح هذا التحالف سيظل مرتبطاً بمدى قدرة أطرافه على تجاوز التحديات العملية، وفي مقدمتها بناء آليات فعالة للتنسيق العسكري، وتوحيد الرؤى السياسية، وتحويل الاتفاقية من نصوص مكتوبة إلى منظومة أمنية فاعلة.

وعليه، فإن اتفاق مكة للدفاع المشترك قد يمثل بداية تشكل نمط جديد من الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، لكن ذلك يعتمد على مدى صمود هذا التحالف وقدرته على مواجهة التحديات ومدى قدرة أطرافه على تحويل المصالح المشتركة إلى تعاون إستراتيجي طويل الأمد.

 [1] جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة: مصطفى قاسم، (السعودية: جامعة الملك سعود، 2012)، ص 38.

[2] John J. Mearsheimer," The False Promise of International Institutions," International Security 19, no.3(1994): 9-10.

[3] Mearsheimer," The False Promise," 12-13.

[4] Kenneth N. Waltz, "Structural Realism after the Cold War", International Security 25, no. 1 (2000): 38.

[5] Stephen M. Walt, The Origins of Alliances (New York: Cornell University Press, 1990), 22-26.

[6] محمد فضل، الهوية والسياسة الخارجية للقوى المتوسطة: السياسة الخارجية الأسترالية تجاه منطقة الإندو-باسيفيك منذ 2005، (أطروحة دكتوراه، معهد البحوث والدراسات العربية القاهرة، 2026)، ص 64.

[7] Maria Fantappie and Vali Nasr, "A New Order in the Middle East? Iran and Saudi Arabia’s Rapprochement Could Transform the Region," Foreign Affairs, March 22, 2023, accessed August 7, 2026, https://www.foreignaffairs.com/middle-east/new-order-middle-east

[8] محمد برهومة، "جدية الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط وجولة الصراع في القدس وغزة،" صدى – مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2 يونيو 2021، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://carnegieendowment.org/sada/84666

[9] "كيري يطالب بوقف إطلاق النار بأسرع ما يمكن في اليمن،" DW، 16 أكتوبر 2016، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.dw.com/ar/كيري-يطالب-بوقف-إطلاق-النار-بأسرع-ما-يمكن-في-اليمن/a-36055258

[10] "ترامب: قلت لملك السعودية ادفعوا لنحميكم وتجاوب معي،" الجزيرة نت، 3 نوفمبر 2019، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://shorturl.at/5BUQJ

[11] Chris Megerian and Nabih Bulos, "Trump Says 'No Rush' to Respond to Attacks on Saudi Oil Facilities," Los Angeles Times, September 16, 2019, accessed August 7, 2026, https://www.latimes.com/politics/story/2019-09-16/trump-faces-difficult-options-on-iran

[12] "زيارة جو بايدن للشرق الأوسط: لماذا غيّر الرئيس الأمريكي رأيه بشأن جعل السعودية «دولة منبوذة»،" بي بي سي عربي، 13 يوليو 2022، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.bbc.com/arabic/inthepress-62145341

[13] إلغاء تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية،" بي بي سي عربي، 14 فبراير 2021، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.bbc.com/arabic/inthepress-56063259

[14] "أميركا تسحب بطاريات صواريخ من السعودية والرياض تؤكد قوة العلاقات،" الجزيرة نت، 11 سبتمبر 2021، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026،   https://shorturl.at/jnJzE

[15] "مصادر مطلعة لـCNN: إدارة بايدن أوقفت مبيعات الأسلحة إلى السعودية والإمارات مؤقتًا،" CNN العربية، 27 يناير 2021، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2021/01/28/biden-admin-pauses-arms-sales-saudi-arabia-and-uae-sources-say

[16] Samy Magdy, Michelle L. Price, and Aamer Madhani, “Gulf Allies Disappointed U.S. Didn't Notify About Iran Attacks and Ignored Their Warnings, Sources Say,” PBS NewsHour, March 6, 2026, accessed August 7, 2026, https://shorturl.at/OknAS

[17] "السعودية وتركيا وباكستان توقّع اتفاقية مكة للدفاع المشترك،" صحيفة الشرق الأوسط، 7 أغسطس 2026، https://shorturl.at/JYwyd   

[18] "رجل دين إيراني يقول السعودية مركز الفتنة،" رويترز، 6 أبريل 2012، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.reuters.com/article/oegtp-iran-saudi-mz7-idARACAE8350F320120406

[19] عادل عنتر علي زعلوك، "العلاقات السعودية الإيرانية في القرن الحادي والعشرين: بين ميزان القوة وتوازن الهويات،" المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، المجلد 7، العدد 13 (2022): ص 392.

[20] "تقرير أممي: إيران تسلح الحوثيين باليمن منذ 2009 على الأقل،" فرانس 24 عربي، 1 مايو 2015، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.france24.com/ar/20150501-تقرير-إيران-تسليح-الحوثيون-اليمن-2009-الأمم-المتحدة

[21] قرير للأمم المتحدة يكشف عن أدلة جديدة على تسليح إيران للحوثيين في اليمن،" فرانس 24 عربي، 31 يوليو 2018، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.france24.com/ar/20180731-تقرير-الأمم-المتحدة-أدلة-جديدة-دور-إيران-تسليح-دعم-الحوثيين-اليمن

[22] "وزير إيراني سابق: نسيطر على 4 عواصم عربية،" العربية نت، 2 أبريل 2015، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.alarabiya.net/iran/2015/04/02/وزير-إيراني-سابق-نسيطر-على-4-عواصم-عربية

[23] Michael Georgy, " Explainer: Who are Iraq's Iranian-backed armed groups", July 29, 2026, access accessed August 7, 2026, https://shorturl.at/DJNa7

[24] Samy Magdy and Michelle L. Price, “Gulf Allies Disappointed U.S. Didn’t Notify About Iran Attacks and Ignored Their Warnings, Sources Say,” Associated Press, March 10, 2026, accessed August 7, 2026, https://apnews.com/article/iran-us-trump-gulf-states-drones-defense-69d5bc227e468f06e20e5ad069330c7d

[25] Enas Alashray, Tala Ramadan, Kanishka Singh, and Samia Nakhoul, “Iran Threatens to Block More Vital Seaways as Trump Orders Renewed Iran Blockade,” Reuters, July 15, 2026, accessed August 7, 2026, https://www.investing.com/news/commodities-news/iran-threatens-to-block-more-vital-seaways-as-trump-orders-renewed-iran-blockade-4792147

[26] إبراهيم الدراجي، "أحفاد معاوية عن استحلال دماء السنة في إيران"، الجزيرة نت، 23 يوليو 2017، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://shorturl.at/fRawt

[27] Ismail Numan Telci, “The Emergence of a Regional Security Framework: Türkiye, Pakistan, Saudi Arabia and Egypt,” Al Jazeera Centre for Studies, May 14, 2026, accessed August 7, 2026, https://studies.aljazeera.net/en/analyses/emergence-regional-security-framework-t%C3%BCrkiye-pakistan-saudi-arabia-and-egypt

[28] Anchal Vohra, "The Middle East Has a New Saudi-Led Axis With Qatar, Turkey, Pakistan, and Egypt—but Not the UAE," Foreign Policy, July 1, 2026, accessed August 7, 2026,  https://foreignpolicy.com/2026/07/01/saudi-qatar-pakistan-turkey-egypt-uae-axis-alliance-iran-middle-east/

[29] "رئيس الأركان الإسرائيلي بعد هجوم قطر: سننفذ مهامنا فى أى مكان وبأى مدى،" اليوم السابع، 10 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026.  https://shorturl.at/jP1xX

[30] Brady Knox, “How Turkey Came to Position Itself as a Dominant Power in the Middle East and Beyond,” Washington Examiner, June 14, 2026, accessed August 7, 2026, https://www.washingtonexaminer.com/news/world/4607678/turkey-dominant-power-middle-east-beyond/

[31] جون ميرشامير، مصدر سابق، ص 198-199.

[32] تيمور أزهري، "مسؤول: السعودية تتوقع هجمات منسقة من حلفاء لإيران"، رويترز ، 6 أغسطس 2026، تاريخ الاطلاع: 7 أغسطس 2026، https://www.reuters.com/ar/world/2XKHZIGODNNDRGVPVEN4VNVMDE-2026-08-06

قراءة تنزيل
الوسوم:
#اتفاقية مكة للدفاع المشترك #السعودية #تركيا #باكستان #أمن الخليج #
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.