أعلنت جماعة الحوثي في 20 يوليو 2026 ما وصفته بفرض «حظر بحري» على المملكة العربية السعودية، مهددة باستهداف السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية أو المرتبطة بصادراتها عبر البحر الأحمر وباب المندب. ولم يقتصر الإعلان على التهديد السياسي، بل تبعته محاولة لإنفاذه ميدانياً من خلال استهداف ناقلة النفط السعودية «إنسيليا» والإعلان عن استهداف ناقلة أخرى. ويأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي متوتر تتعدد فيه ساحات المواجهة والضغط بين إيران وخصومها، بما يثير تساؤلات حول ارتباط التصعيد الحوثي بالحسابات الأوسع للحرس الثوري الإيراني وشبكة حلفائه، وتوظيف الجماعة للتهديد البحري في توسيع نطاق الضغط ورفع كلفته الإقليمية والدولية.
وتعاملت المملكة مع التطور باستجابة متعددة المستويات جمعت بين الحزم وضبط التصعيد؛ فرفضت الاعتراف بالحظر بوصفه إجراءً مشروعاً، وقدمت التهديد باعتباره مساساً بحرية الملاحة والتجارة الدولية، بالتوازي مع تعزيز حماية السفن واستمرار حركة الملاحة والصادرات، والاحتفاظ بحق الرد على مصادر التهديد. وتعكس هذه المقاربة استراتيجية «الاحتواء والردع المتدرج»، التي تهدف إلى منع التهديد الحوثي من التحول إلى حصار فعلي أو مكسب تجاري مستدام، دون الانتقال الفوري إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ويرجح التقدير استمرار التصعيد المحدود والمتبادل، مع بقاء خطر التوسع قائماً إذا ارتبطت الهجمات بحسابات إقليمية أوسع أو ألحقت أضراراً جسيمة بالسفن والموانئ والمنشآت النفطية. وعليه، لا يقتصر التحدي على الأمن السعودي، بل يمتد إلى أمن الملاحة والطاقة إقليمياً ودولياً، ما يجعل الاختبار الاستراتيجي هو منع توظيف البحر الأحمر في توسيع الصراع، مع إبقاء قنوات خفض التصعيد مفتوحة والاحتفاظ بقدرة موثوقة على رفع كلفة الاعتداءات إذا تجاوزت مستوى الضغط المحدود.
في 20 يوليو 2026، أعلنت جماعة الحوثي فرض ما وصفته بـ«الحظر البحري» على المملكة العربية السعودية، وربطت ذلك باتهام الرياض بمواصلة ما تسميه حصار المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة في اليمن. واستهدف الإعلان، وفق خطاب الجماعة، السفن المرتبطة بالتجارة والصادرات السعودية أو المتجهة إلى الموانئ السعودية عبر البحر الأحمر وباب المندب[1]. ويمثل هذا الإعلان انتقالًا من التهديد العام للملاحة إلى تحديد مصالح دولة بعينها بوصفها أهدافًا مباشرة، بما يكشف عن محاولة استخدام الموقع الجغرافي للجماعة وأدواتها العسكرية لفرض كلفة سياسية واقتصادية على المملكة.
ولا تمتلك جماعة الحوثي، من الناحية القانونية أو العسكرية، مقومات فرض «حصار بحري» بالمعنى التقليدي الذي تمارسه الدول في إطار نزاع مسلح معترف به؛ غير أن ذلك لا يلغي قدرتها على إحداث اضطراب فعلي في بيئة الملاحة. فامتلاكها صواريخ باليستية ومجنحة، وطائرات مسيرة، ووسائل بحرية غير مأهولة، وخبرة سابقة في تهديد السفن التجارية، يمنحها قدرة على رفع مستوى المخاطر الأمنية أمام حركة الملاحة، حتى من دون امتلاك القدرة على السيطرة على البحر أو إغلاق الممرات البحرية بصورة كاملة[2]. وقد يكون الأثر الأهم لهذا النوع من التهديد غير مباشر، من خلال التأثير في قرارات شركات الشحن والتأمين ورفع كلفة استخدام الموانئ والمسارات المرتبطة بالمصالح السعودية.
وتحول التهديد إلى اختبار ميداني في 22 يوليو 2026، عندما أعلنت الجماعة استهداف ناقلتي نفط سعوديتين هما «إنسيليا» و«ليلى». وأكدت المملكة إصابة الناقلة «إنسيليا» واندلاع حريق في مقدمتها مع سلامة أفراد طاقمها والسيطرة على الوضع، في حين لم يتوافر تأكيد مستقل مماثل بشأن إصابة الناقلة الثانية[3]. وبذلك، انتقل التصعيد من مستوى الإعلان والتهديد إلى محاولة عملية لاختبار قدرة الجماعة على إصابة أهداف بحرية مرتبطة مباشرة بالاقتصاد السعودي، وقياس طبيعة الاستجابة السعودية، وردود فعل شركات الشحن والتأمين.
ويأتي هذا التطور ضمن سياق أوسع من تصاعد استخدام البحر الأحمر بوصفه ساحة للضغط الإقليمي، وفي ظل استمرار إيران، عبر شبكة من القوى والجماعات المسلحة المرتبطة بها، في توظيف أدوات غير مباشرة لتوسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها على خصومها. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى التصعيد الحوثي باعتباره حادثًا منفصلًا عن البيئة الإقليمية، أو مجرد نزاع ثنائي بين الجماعة والمملكة، بل بوصفه جزءًا من نمط أوسع تتداخل فيه الحسابات المحلية مع الحسابات الإقليمية، وتُستخدم فيه الجماعات المسلحة لفتح جبهات ضغط إضافية على المصالح الحيوية للدول والاقتصاد العالمي.
وتزداد أهمية هذا البعد بالنظر إلى أن جماعة الحوثي تمثل إحدى أهم أدوات الضغط البحري في شبكة القوى المرتبطة بإيران، بحكم موقعها على أحد أهم الممرات البحرية الدولية وقدرتها على تهديد السفن من الساحل الغربي لليمن. كما يكشف توجيه التهديد بصورة مباشرة إلى حركة التجارة والصادرات السعودية عن تطور نوعي في طبيعة التصعيد؛ إذ لم يعد الهدف يقتصر على الضغط المرتبط بالحرب في اليمن أو بالصراع الإقليمي، بل أصبح يشمل محاولة التأثير في المصالح الاقتصادية والأمنية لدولة إقليمية رئيسة. كما أن نجاح الجماعة لا يتطلب فرض حصار بحري كامل، بل يكفي أن تتمكن من خلق بيئة تهديد مستمرة تؤثر في حركة السفن وترفع تكاليف التأمين وتدفع الشركات إلى إعادة تقييم مخاطر استخدام الموانئ والمسارات البحرية السعودية.
وبذلك، يمثل إعلان «الحظر البحري» محاولة لاختبار ثلاثة مستويات في آن واحد: قدرة الجماعة على تحويل التهديد إلى ضغط ميداني، واستعداد المملكة لتحمل كلفة حماية مصالحها البحرية والاقتصادية، وقدرة المجتمعين الإقليمي والدولي على منع تهديد جماعة مسلحة من التحول إلى قاعدة جديدة لزعزعة أمن الملاحة والطاقة. ومن ثم، فإن تداعيات التصعيد تتجاوز الأمن السعودي المباشر لتطال أمن البحر الأحمر واستقرار طرق التجارة والطاقة ومبدأ حرية الملاحة الدولية.
ويبين الشكل (1) توزيع مناطق السيطرة والنفوذ في اليمن حتى يوليو 2026، بما يوضح تمركز جماعة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، وهو ما يوفر السياق الجغرافي لفهم التهديدات البحرية التي شكلت خلفية إعلان الحظر البحري، ويظهر في الوقت نفسه أهمية الموقع الجغرافي للجماعة في الحسابات الإقليمية المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
ثانياً: أبعاد التهديدات الذي واجهته المملكة
يمثل إعلان جماعة الحوثي فرض «حظر بحري» على المملكة وما تبعه من استهداف ناقلات النفط السعودية تطورًا يتجاوز البعد العسكري المباشر؛ إذ يكشف عن محاولة استخدام التهديد البحري لإحداث تأثيرات متزامنة في أمن الطاقة والاقتصاد الوطني والمكانة الإقليمية للمملكة، فضلًا عن توسيع نطاق التهديد ليطال أمن الملاحة والتجارة الدولية. كما يندرج هذا التصعيد ضمن سياق إقليمي أوسع تتزايد فيه محاولات استخدام الفاعلين من غير الدول للضغط على الدول وتهديد الممرات الحيوية، بما يرفع مخاطر تحول البحر الأحمر إلى ساحة مستدامة للصراع والابتزاز الجيوسياسي. ويمكن تحديد أبرز أبعاد التهديد في أربعة مستويات رئيسة:
- تهديد أمن صادرات الطاقة السعودية
تسعى جماعة الحوثي، من خلال استهداف السفن المرتبطة بالمصالح السعودية، إلى رفع مستوى المخاطر الأمنية المحيطة بحركة السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء الملك فهد الصناعي في "ينبع"، الذي يمثل منفذًا رئيسًا لصادرات النفط الخام والمنتجات البترولية عبر البحر الأحمر. وقد استحوذ الميناء على نحو 114 مليون طن من الصادرات البحرية السعودية خلال عام 2024، بما يمثل 51.1% من إجمالي الصادرات المنقولة عبر الموانئ السعودية[4].
ولا يتطلب التأثير في أمن صادرات الطاقة فرض حصار بحري كامل أو السيطرة على الممرات البحرية؛ إذ قد يكفي استمرار التهديدات والهجمات المحدودة لرفع مستوى المخاطر أمام الناقلات والشركات، وتعقيد عمليات التخطيط والتأمين، وزيادة احتمالات تأخير الشحنات أو إعادة توجيهها. كما تمتد التداعيات المحتملة إلى بقية الموانئ التجارية والصناعية السعودية المطلة على البحر الأحمر، بما قد يؤثر في انسيابية حركة الصادرات والواردات، حتى في حال بقاء الملاحة مفتوحة بصورة رسمية.
- رفع التكلفة الاقتصادية للنقل البحري
يمثل رفع تكلفة النقل والتأمين أحد أهم الآثار غير المباشرة للتهديد الحوثي. فقد أدى تصاعد المخاطر في البحر الأحمر إلى ارتفاع أقساط التأمين الإضافية ضد مخاطر الحرب، من نحو 0.3% من قيمة السفينة قبل تصاعد الهجمات إلى أكثر من 1% بعدها، ووصلت في بعض الرحلات المتجهة إلى جنوب البحر الأحمر إلى نحو 3% من قيمة السفينة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الحماية والتشغيل[5].
وتكشف هذه التطورات عن طبيعة التهديد الذي تواجهه المملكة؛ فحتى عندما لا تنجح الجماعة في إصابة السفن أو تعطيل الموانئ بصورة مباشرة، فإنها تستطيع فرض كلفة اقتصادية عبر رفع مستوى المخاطر وإعادة تشكيل حسابات شركات الشحن والتأمين. ومن ثم، فإن المعركة لا تدور فقط حول القدرة على استهداف السفن، بل حول قدرة التهديد المستمر على التأثير في السلوك الاقتصادي للفاعلين التجاريين.
- المساس بموثوقية المملكة في أسواق الطاقة العالمية
يمثل أمن تدفقات النفط عبر البحر الأحمر أحد عناصر المكانة الاستراتيجية للمملكة في أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما مع تزايد أهمية ميناء الملك فهد الصناعي بينبع بوصفه منفذًا رئيسًا لصادرات النفط. وتشير بيانات شركة Kpler، التي نقلتها وكالة رويترز، إلى ارتفاع صادرات النفط الخام عبر الميناء إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 16 مارس 2026، مقارنة بمتوسط بلغ 770 ألف برميل يوميًا خلال شهري يناير وفبراير، مع توقعات بارتفاعها إلى 5 ملايين برميل يوميًا بنهاية الشهر[6].
وتظهر هذه الأرقام حجم الأهمية الاستراتيجية للمسار البحري في منظومة صادرات الطاقة السعودية، كما توضح أن أي تهديد مستمر للملاحة في البحر الأحمر قد لا يقتصر أثره على تعطيل شحنات محددة، بل قد ينعكس على تقييم الأسواق لموثوقية مسارات التصدير وقدرة المملكة على ضمان استمرارية الإمدادات. ومن هنا، يصبح التهديد البحري جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة العالمي، وليس مجرد مسألة أمنية سعودية.
- توسيع المكانة الإقليمية للحوثيين وتعزيز نموذج «الوكيل البحري»
يسعى إعلان الحظر، من الناحية الاستراتيجية، إلى نقل جماعة الحوثي من موقع الفاعل المسلح داخل الصراع اليمني إلى موقع الفاعل القادر على التأثير في حركة التجارة والطاقة الدولية. فكلما تمكنت الجماعة من تهديد السفن ورفع كلفة الملاحة، زادت قدرتها على تقديم نفسها بوصفها طرفًا يمتلك أدوات تأثير تتجاوز حدود سيطرته الجغرافية.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل السياق الإقليمي الأوسع، حيث تستخدم إيران وشبكة القوى والجماعات المرتبطة بها أدوات الضغط غير المباشر لتوسيع ساحات المواجهة واستنزاف خصومها. وفي هذا الإطار، يمكن أن يؤدي استمرار التهديد الحوثي للملاحة إلى تعزيز موقع الجماعة داخل معادلات الأمن البحري الإقليمي، حتى من دون امتلاكها القدرة على فرض حصار قانوني أو السيطرة الكاملة على البحر. غير أن ذلك يحمل في المقابل مخاطر أوسع؛ إذ إن تطبيع استخدام جماعة مسلحة للتهديد البحري بوصفه أداة ضغط سياسي واقتصادي يهدد أمن المملكة، ويزيد هشاشة الأمن الإقليمي، ويمس حرية الملاحة والتجارة والطاقة على المستوى الدولي.
ثالثاً: ملامح الاستجابة السعودية للحظر البحري الحوثي
اتسمت الاستجابة السعودية للحظر البحري الذي أعلنته جماعة الحوثي بالتدرج وتعدد المستويات، إذ جمعت بين التحرك السياسي والدبلوماسي والعسكري والاقتصادي والإعلامي، في محاولة لتحقيق معادلة دقيقة تقوم على حماية المصالح الوطنية، ومنع التهديد من التحول إلى أمر واقع، ورفع كلفة التصعيد، دون الانجرار مباشرة إلى مواجهة واسعة.
وتكتسب هذه الاستجابة أهمية إضافية بالنظر إلى السياق الإقليمي الذي جاء فيه التصعيد. فاستهداف الملاحة في البحر الأحمر لا ينبغي تحليله باعتباره حادثًا منفصلًا عن التوترات الإقليمية أو عن نمط استخدام الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران أدوات الضغط غير المباشر. وقد درج الحرس الثوري الإيراني على توظيف شبكة القوى والجماعات الحليفة لطهران، التي تُعرف سياسيًا بـ«محور المقاومة»، لتوزيع الضغط على خصوم إيران وفتح ساحات متعددة للمواجهة، بما يسمح بتوسيع نطاق التهديد دون انتقال إيران بالضرورة إلى مواجهة مباشرة في كل جبهة.
ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد الحوثي في البحر الأحمر يمثل اختبارًا لمدى قدرة الجماعة على تحويل موقعها الجغرافي وأدواتها العسكرية إلى منصة ضغط إقليمية، كما يمثل اختبارًا لقدرة المملكة وشركائها على منع تهديد فاعل من غير الدول من التحول إلى قاعدة مستدامة لزعزعة أمن الملاحة والطاقة. ويمكن إبراز أبرز ملامح الاستجابة السعودية على النحو الآتي:
- نزع الشرعية السياسية عن الإعلان الحوثي
بدأت الاستجابة السعودية برفض الأساس السياسي الذي أقامت عليه الجماعة إعلانها، من خلال رفض الاتهامات المتعلقة بفرض حصار على اليمن، وعدم الاعتراف بما سمته الجماعة «حظرًا بحريًا» على المملكة[7]. وتؤدي هذه المقاربة ثلاث وظائف رئيسة:
- منع جماعة الحوثي من تقديم الهجمات باعتبارها ردًا مشروعًا على إجراء سعودي سابق.
- التأكيد على أن جماعة مسلحة من غير الدول لا تمتلك الصفة القانونية التي تخولها فرض قيود على الملاحة الدولية أو إعلان حصار بحري.
- إعادة تعريف التهديد باعتباره اعتداءً على حرية الملاحة والتجارة الدولية، وليس مجرد فصل جديد من المواجهة السعودية–الحوثية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية؛ لأن قبول توصيف الجماعة للحظر أو التعامل معه بوصفه إجراءً سياسيًا مشروعًا قد يمنحها مكسبًا يتجاوز الأثر العسكري المباشر. ولذلك، سعت الرياض إلى منع الحوثيين من تحويل التهديد إلى رواية سياسية تمنحهم شرعية ضمنية لممارسة الإكراه البحري.
- تأكيد استمرار الملاحة ورفض تحويل التهديد إلى أمر واقع
لم تعلن المملكة في المرحلة الأولى وقف صادراتها عبر البحر الأحمر أو إغلاق موانئها، بل أكدت رفضها للتهديدات الحوثية واستمرار حركة الملاحة، بالتزامن مع إعلان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن اتخاذ إجراءات لحماية السفن التجارية العابرة لباب المندب والتعامل بحزم مع مصادر التهديد[8].
وتحمل هذه السياسة رسالة ردعية واضحة؛ إذ إن تعليق الملاحة استجابة للتهديد كان سيمنح الجماعة انتصارًا سياسيًا ونفسيًا، حتى في حال عدم امتلاكها القدرة على فرض سيطرة فعلية على المضيق. ومن ثم، عملت المملكة على الفصل بين وجود تهديد أمني يستوجب المعالجة وبين الاعتراف بنجاح الحظر الحوثي.
كما أن استمرار حركة السفن يكتسب أهمية اقتصادية واستراتيجية، لأنه يحافظ على ثقة شركات الشحن والأسواق في قدرة المملكة على حماية مسارات صادراتها، ويمنع فاعلًا مسلحًا من غير الدول من التأثير في القرارات التجارية والسيادية للمملكة عبر التهديد وحده.
- الانتقال من الرسالة السياسية إلى الحماية العسكرية المباشرة
أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف اتخاذ إجراءات لحماية السفن التجارية التابعة لدول التحالف العابرة لباب المندب، مع التأكيد على التعامل مع مصادر التهديد بحزم[9]. ويمثل ذلك انتقالًا من الاحتجاج السياسي إلى إجراءات عملياتية تهدف إلى تقليل قدرة الحوثيين على تحويل التهديد إلى خطر مستدام.
ومن المرجح أن تشمل هذه الإجراءات، وفق طبيعة التهديد البحري:
- تعزيز المراقبة الجوية والبحرية والإنذار المبكر.
- رفع جاهزية القوات البحرية والدفاعات الساحلية.
- توفير حماية إضافية للسفن ذات الحساسية الاستراتيجية.
- تتبع منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة والوسائل البحرية غير المأهولة.
- تعزيز تبادل المعلومات مع الجهات البحرية وشركات الشحن.
- الاستعداد للتدخل السريع عند تعرض السفن للخطر.
وتكمن أهمية هذا المستوى في أن المملكة لا تتعامل مع أمن الملاحة بوصفه مسألة دفاع ساحلي ضيقة، بل باعتباره جزءًا من أمنها الوطني، بالنظر إلى ارتباط البحر الأحمر بمصالحها التجارية وصادرات الطاقة.
- الرد على مصادر التهديد مع الحفاظ على التناسب
تجاوز الرد السعودي حدود التصريحات السياسية إلى خطوات ميدانية مدروسة، حيث أعلنت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، بتاريخ 25 يوليو 2026، عن تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت مواقع تابعة لجماعة الحوثي تورطت في تهديد خطوط الملاحة التجارية بالبحر الأحمر. وقد حرصت القيادة في بيانها على توضيح طبيعة هذه العمليات وتحديد نطاقها، مؤكدةً استثناء ميناء الحديدة من الاستهداف وبقاء كافة الموانئ اليمنية آمنة ومفتوحة أمام حركة التجارة الدولية لتفادي تفاقم الأزمات الإنسانية[10]. وفي السياق الميداني ذاته، رصدت تقارير إعلامية تابعة للجماعة وقوع ضربات قرب مدينة الحديدة وجزيرة كمران، بينما اقتصر التعليق الرسمي السعودي على تأكيد الأهداف المشروعة التي تعاملت معها القوات المشتركة دون تبني تفصيلي لكامل تلك المواقع الإضافية التي أوردتها تقارير رويترز ووسائل الإعلام الحوثية[11].
ويُجسد هذا النمط من التعامل الميداني استراتيجية عسكرية تقوم على دقة الانتقاء لتحييد مصادر الخطر دون اللجوء إلى تصعيد واسع النطاق، وهو ما يتسق مع معايير التناسب لدرء المخاطر عن المدنيين وتحييد البنية التحتية المدنية عن دائرة العمليات. وتتجاوز أبعاد هذا النهج المقتضب الأطر التكتيكية البحتة لتلامس اعتبارات استراتيجية وسياسية أعمق، نظراً لأن الضربات العشوائية قد تمنح جماعة الحوثي غطاءً دعائياً لإعادة توجيه العصبيات المحلية نحو مواجهة تُصوَّر مجازاً على أنها وطنية ضد المملكة، فضلاً عن تقاطعها مع رغبة قوى إقليمية أخرى في جر المنطقة إلى أتون مواجهات أوسع. ومن هذا المنطلق، تشكل الاستجابة المحدودة والمدروسة أداة ضغط فاعلة لمضاعفة تكلفة الأعمال العدائية الحوثية وتجريدها من الذرائع اللازمة لتأجيج الصراع الإقليمي.
- إدارة حادثة الناقلة واحتواء آثارها الإنسانية والبيئية والإعلامية
تجلت إدارة حادثة استهداف ناقلة «إنسيليا» في تركيز الخطاب والجهود السعودية على أولوية سلامة الطاقم وإخماد الحرائق وتأمين السفينة وتحييد مخاطر التلوث البيئي المحتملة[12]، مما يبرز وعياً بأن التعامل مع الأزمات البحرية يتجاوز الأبعاد العسكرية البحتة ليشمل احتواء تداعياتها الإنسانية والبيئية والإعلامية.
وقد أسهمت كفاءة عمليات الإنقاذ والسيطرة السريعة في تقويض الأثر النفسي للحدث، وسلبت جماعة الحوثي أي فرصة لتوظيف الهجوم سياسياً بوصفه إنجازاً استراتيجياً أفضى إلى كارثة بشرية أو بيئية جسيمة. ويؤكد هذا المستوى من الجاهزية الميدانية فاعلية منظومة الاستجابة السريعة للمملكة في مواجهة التهديدات التي تطال ناقلات الطاقة، لاسيما عبر التكامل بين قدرات الإنقاذ البحري، ومكافحة الحرائق، والتدابير الاستباقية للتعامل مع احتمالات التسرب النفطي كركائز أساسية لحماية الأمن المائي والبيئي.
- تدويل التهديد دون تدويل القرار السعودي
تعاملت الرياض مع الخطر الحوثي بوصفه خطراً عابراً للحدود الوطنية، يمس في جوهره حرية الملاحة الدولية، ويقوض أمن التجارة العالمية، ويهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما دفعها إلى تبني مسار دبلوماسي مكثف لتدويل هذا التوصيف القانوني والسياسي عبر بيانات رسمية شددت على انتهاك تلك الممارسات لقواعد القانون الدولي وأعراف الملاحة البحرية.
وقد أسهم هذا الحراك في حشد مظلة واسعة من المواقف الإقليمية والدولية المؤيدة، تجسدت في بيانات الإدانة والتضامن الصادرة عن منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية في يوليو 2026، إلى جانب المواقف الدولية المتطابقة التي أكدت جميعها حتمية تأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر[13]. وفي الوقت ذاته، حرصت المملكة على الفصل التام بين حشد الدعم الدبلوماسي العالمي وبين استقلالية قرارها السيادي والميداني؛ فلم تربط منظومة حماية أمنها البحري أو سلامة صادراتها النفطية بأي تحالفات خارجية، بل زاوجت ببراعة بين توظيف الزخم الدولي لصالح عدالة موقفها وبين الاعتماد على قدراتها الوطنية الذاتية للردع والحماية، مما عكس نهجاً استراتيجياً يسعى إلى تدويل التوصيف والتهديد دون تفريط بقرارها السيادي المستقل.
- حماية المصالح الاقتصادية ورفض منح التهديد مكسبًا استراتيجيًا
تجسد إدارة المملكة لتدفقاتها الاقتصادية تحت وطأة التهديدات مقاربة استراتيجية بالغة الدقة، إذ امتنعت الرياض حتى الآن عن فرض تعليق شامل لصادراتها النفطية عبر البحر الأحمر أو إغلاق موانئها الحيوية، واختارت عوضاً عن ذلك مواصلة عمليات التحميل والتصدير عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع مدعومةً بمنظومة أمنية وعسكرية معززة لتأمين مسارات الملاحة[14].
ولا يُنظر إلى استمرار هذا النشاط التجاري بوصفه قراراً اقتصادياً بحتاً، بل يمثل ركيزة جوهرية في الاستجابة السياسية والأمنية الشاملة؛ فهو يوجه رسالة طمأنة بالغة الوضوح للأسواق العالمية بقدرة المملكة على حماية وتيرة إمدادات الطاقة بانتظام رغم تعاظم المخاطر، وفي الوقت ذاته يحرم جماعة الحوثي من تحقيق هدفها الأبرز المتمثل في تعطيل الشريان التجاري. ومن ثم، فإن حماية المصالح الوطنية العليا لا تقوم على الهروب من المخاطر عبر تعطيل الأنشطة، بل على إدارتها ببراعة عبر موازنة دقيقة تجمع بين استمرار التدفقات الاقتصادية وتكثيف التحصينات الأمنية، تفادياً لأي تراجع قد يمنح الجماعة انتصاراً معنوياً أو سياسياً مجانياً عبر إجبار المملكة على تعديل مسارها الاقتصادي استجابةً لضغوط الهجمات.
- احتواء التصعيد الحوثي بوصفه جزءًا من معادلة إقليمية أوسع
يتمثل التحدي الأعمق أمام المملكة في منع التصعيد الحوثي من التحول إلى جبهة مستقلة ضمن استراتيجية إقليمية أوسع تقوم على إعادة توزيع الضغوط وتخفيفها عن إيران عبر إشعال ساحات توتر منخفضة الكلفة النسبية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب والبحر الأحمر. ويكتسب هذا الفهم أهمية بالغة عند تتبع تسلسل المؤشرات السياسية والأمنية التي سبقت التصعيد البحري، بدءاً من حادثة الطائرة الإيرانية «ماهان إير» وما أثارته من تحديات ميدانية وسياسية، وصولاً إلى التحركات الإقليمية المتشابكة التي برزت في زيارة وفد حوثي رفيع المستوى إلى طهران[15]. وقد ضم هذا الوفد تشكيلة واسعة من القيادات السياسية والأمنية والدينية البارزة، من بينها جلال الرويشان، نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن والدفاع في حكومة صنعاء غير المعترف بها دولياً، إلى جانب محمد النعيمي، وشمس الدين شرف الدين، وعبدالله عيضة الرزامي، وعبد الإله حجر[16].
وتكتسب هذه الزيارة دلالتها الاستراتيجية من كونها جمعت مختلف الأجنحة المؤثرة داخل الجماعة، مما يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق والتشاور السياسي في مرحلة حرجة تسبق العمليات، بما يعزز فرضية تلقي الإشارات السياسية العامة أو بلورة إطار من التفاهمات المسبقة التي أتاحت إعادة ضبط بوصلة التصعيد ورفع حدته، دون أن يعني ذلك بالضرورة صدور أوامر تشغيلية لحظية ومباشرة من الخارج.
فكلما تمكنت الجماعة من تهديد الملاحة وأمن الطاقة، زادت القيمة الوظيفية لموقعها داخل شبكة الصراعات الإقليمية، وازدادت قدرة القوى الداعمة لها على توظيف هذا المسار بوصفه أداة ضغط غير مباشر على خصومها دون الانخراط المباشر في المواجهة. ولا يعني تحليل هذا الارتباط اختزال القرار الحوثي في كونه تنفيذاً لحرفية الأوامر الإيرانية المباشرة، أو افتراض أن كل عملية عسكرية تنفذها الجماعة تصدر بأوامر تشغيلية لحظية من الخارج؛ غير أن طبيعة التموضع الاستراتيجي للجماعة، وتطور ترسانتها العسكرية، وتزامن أنماط التصعيد مع فترات التوتر الإقليمي، يجعل من الضروري فهم هذا السلوك ضمن بيئة أوسع تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية الرامية إلى توسيع مسار الضغط غير المباشر عبر الممرات الحيوية[17].
ومن هذا المنظور، فإن الاستجابة السعودية لا تستهدف فقط وقف هجمات عسكرية محدودة أو الرد الآني عليها، بل تسعى إلى منع ترسيخ نموذج خطير يسمح لجماعة مسلحة بتوظيف الممرات الدولية لفرض أثمان استراتيجية باهظة على الدول الإقليمية، أو تحويل البحر الأحمر إلى مسرح دائم لإدارة التوازنات الإقليمية عبر الفاعلين بالوكالة، بما يهدد استقرار وسلامة أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
لا تتشكل الاستجابة السعودية للحظر البحري الذي أعلنته جماعة الحوثي بمعزل عن البيئة الإقليمية المتوترة، أو عن المصالح الاستراتيجية للمملكة، أو عن طبيعة التهديد الذي يمثله استخدام فاعل من غير الدول للممرات البحرية الدولية أداةً للضغط السياسي والاقتصادي. كما تتأثر هذه الاستجابة بمدى ارتباط التصعيد الحوثي بحسابات إقليمية أوسع، ولا سيما في ظل سعي إيران وشبكة القوى والجماعات المرتبطة بها إلى توسيع ساحات الضغط على خصومها واستخدام أدوات غير مباشرة لرفع كلفة المواجهة.
ومن ثم، فإن القرار السعودي لا يتحرك بين خيارين بسيطين، هما الرد العسكري أو عدمه، بل يتشكل ضمن معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين حماية الأمن الوطني، وضمان استمرارية صادرات الطاقة، والحفاظ على صدقية الردع، وتجنب العودة إلى حرب استنزاف، ومنع تحويل التهديد البحري إلى أداة تفاوضية أو جزء من استراتيجية إقليمية أوسع لتوسيع الصراع. ويمكن إبراز أهم هذه المحددات فيما يأتي:
- حماية الأمن الوطني والمصالح البحرية
لا تستطيع المملكة التعامل مع استهداف سفنها أو تهديد حركة صادراتها بوصفه حادثًا تجاريًا منفصلًا؛ إذ إن نجاح جماعة الحوثي في فرض معادلة تعوق السفن المرتبطة بالمصالح السعودية عن استخدام باب المندب أو ترفع كلفة استخدامه بصورة مستدامة سيمثل مساسًا مباشرًا بالأمن الوطني وحرية الحركة البحرية والمصالح الاقتصادية للمملكة.
وتزداد حساسية هذا المحدد إذا تحول التهديد إلى نمط مستمر، أو أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع تستخدمها قوى إقليمية للضغط على المملكة عبر وكلاء محليين. ولذلك، فإن الرياض معنية بمنع ترسيخ سابقة تسمح لجماعة مسلحة بفرض قيود فعلية على حركة التجارة والطاقة المرتبطة بدولة إقليمية، حتى وإن لم تمتلك القدرة القانونية أو العسكرية على فرض حصار بحري بالمعنى التقليدي.
- ضمان أمن الطاقة واستمرارية الصادرات
ترتبط المكانة الدولية للمملكة بقدرتها على ضمان استمرار تدفقات الطاقة في الأسواق العالمية، بما في ذلك خلال الأزمات والاضطرابات الإقليمية. ولذلك، فإن حماية صادرات النفط والمنتجات البترولية لا تمثل مجرد أولوية اقتصادية، بل جزءًا من الأمن الاستراتيجي للمملكة ومصداقيتها بوصفها موردًا رئيسًا وموثوقًا للطاقة.
ويجعل ذلك أي تهديد مستمر للموانئ أو الناقلات أو مسارات التصدير مصدر قلق يتجاوز قيمة السفن المستهدفة أو الشحنات المتضررة؛ إذ قد يؤدي ارتفاع المخاطر إلى زيادة تكاليف التأمين، وتغيير سلوك شركات الشحن، وإعادة تقييم الأسواق لدرجة موثوقية بعض مسارات التصدير. ومن ثم، فإن استمرار الصادرات، وعدم السماح للتهديد بتحويل المخاطر الأمنية إلى قيود اقتصادية دائمة، يمثلان محددًا أساسيًا للموقف السعودي.
- الحفاظ على صدقية الردع ومنع ترسيخ الحظر كأمر واقع
تواجه المملكة معادلة دقيقة؛ فعدم الرد على الهجمات أو اتخاذ إجراءات توحي بتغيير دائم في مسارات الصادرات تحت ضغط التهديد قد يشجع جماعة الحوثي على توسيع عملياتها، ويعزز اعتقادها بأن التهديد البحري قادر على تحقيق مكاسب استراتيجية بأقل كلفة.
ولا تقتصر آثار تآكل الردع على العلاقة مع الحوثيين، بل قد تمتد إلى حسابات فاعلين آخرين في البيئة الإقليمية، ولا سيما القوى التي قد ترى في نجاح الضغط غير المباشر نموذجًا قابلًا للتكرار. ولذلك، فإن الحفاظ على صدقية الردع لا يعني بالضرورة الانتقال إلى رد عسكري واسع، بل يتطلب امتلاك قدرة موثوقة على حماية المصالح، ورفع كلفة الهجمات، وإظهار أن التهديد لن يؤدي إلى تغيير جوهري في السلوك السعودي.
- تجنب العودة إلى حرب استنزاف مفتوحة
في المقابل، اتبعت المملكة خلال السنوات الماضية مسارًا يميل إلى خفض التصعيد ودعم جهود التسوية السياسية في اليمن. ومن ثم، فإن الانتقال إلى رد عسكري واسع قد يعيد إنتاج بيئة مواجهة طويلة ومكلفة، ويقوض مسار التهدئة، ويمنح جماعة الحوثي فرصة لتوظيف التصعيد في إعادة تعبئة قواعدها وتوسيع نطاق المواجهة.
ويشكل هذا المحدد عاملًا ضابطًا للاستجابة السعودية؛ إذ يرجح أن تسعى الرياض إلى ردع التهديد واحتوائه دون الانجرار إلى عملية عسكرية واسعة ما لم تتجاوز الهجمات حدودًا معينة، كإحداث خسائر بشرية كبيرة، أو تعطيل صادرات الطاقة، أو استهداف منشآت حيوية داخل المملكة.
- احتواء البعد الإقليمي للتصعيد ومنع توسيع ساحات المواجهة
لا يمكن فصل التصعيد البحري الحوثي عن البيئة الإقليمية التي تتزايد فيها محاولات استخدام الجماعات المسلحة لتوسيع نطاق الضغط والمواجهة. ومن هذا المنظور، فإن استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر قد يوفر لإيران وشبكة القوى المرتبطة بها أداة إضافية لتوزيع المخاطر وفتح جبهات ضغط متعددة على خصومها، دون الانخراط المباشر في كل مواجهة.
وبالتالي، ستسعى المملكة إلى منع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية أو إلى جبهة إضافية في صراعات أوسع. ويجعل ذلك من طبيعة الرد السعودي مسألة تتجاوز الحسابات الثنائية مع جماعة الحوثي، لتتصل بإدارة التوازن الإقليمي ومنع توسيع نطاق المواجهة على نحو يهدد الأمن الوطني والإقليمي والدولي.
- منع توظيف التصعيد البحري في مسار التسوية اليمنية
تسعى المملكة إلى منع جماعة الحوثي من استخدام العمليات البحرية لتحسين شروطها السياسية أو انتزاع تنازلات في مسار التسوية اليمنية. ولذلك، يُرجح أن تعمل الرياض على الفصل بين حماية الملاحة والرد على التهديدات من جهة، والمفاوضات المتعلقة بالتسوية السياسية من جهة أخرى. ويهدف هذا الفصل إلى منع تحول التصعيد البحري إلى أداة تفاوضية متكررة، بحيث لا تصبح الهجمات وسيلة لفرض وقائع جديدة ثم استخدامها للحصول على مكاسب سياسية. وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك إغلاق قنوات الاتصال، بل الحفاظ على أدوات خفض التصعيد مع منع ربطها بمكافآت مباشرة على استهداف الملاحة أو المصالح الاقتصادية.
يمكن توصيف المقاربة السعودية تجاه الحظر البحري الحوثي بأنها تقوم على الاحتواء والردع المتدرج، وهي مقاربة تسعى إلى منع التهديد من التحول إلى أمر واقع، دون الانتقال الفوري إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تعيد إنتاج بيئة الحرب والاستنزاف في اليمن. وتستند هذه المقاربة إلى خمسة عناصر متشابكة: نزع الشرعية السياسية والقانونية عن إعلان الحظر، رفض تعليق الملاحة لمجرد صدور التهديد، تعزيز الحماية العسكرية للسفن والممرات البحرية، الاحتفاظ بحق استهداف مصادر الهجمات، وتجنب الانجرار المباشر إلى حرب شاملة.
وتبدو هذه المقاربة منسجمة مع طبيعة التهديد الحوثي؛ فالجماعة لا تحتاج إلى إغلاق باب المندب بصورة كاملة، وهو هدف يتجاوز على الأرجح قدراتها العملية، لكي تحقق أثرًا استراتيجيًا. إذ يكفيها رفع مستوى المخاطر الأمنية بصورة مستمرة، ودفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم استخدام الموانئ والمسارات السعودية، بما يؤدي إلى إنتاج آثار الحظر بصورة غير مباشرة. ومن ثم، فإن المعركة الأساسية لا تدور فقط حول القدرة على إصابة السفن، بل حول قدرة الجماعة على تحويل التهديد العسكري إلى سلوك اقتصادي وتجاري يحد من حركة الملاحة ويزيد كلفتها.
وعليه، لا يقاس نجاح الاستجابة السعودية بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيرة التي يتم اعتراضها فحسب، بل بقدرتها على منع انتقال التهديد من المجال العسكري إلى المجال التجاري. فإذا استمرت السفن في استخدام الموانئ السعودية، وظلت صادرات الطاقة والتجارة منتظمة، وحافظت شركات الشحن والتأمين على ثقتها بالمسارات البحرية، ولم ترتفع تكاليف النقل إلى مستويات تجعلها غير اقتصادية، فإن الحظر الحوثي يكون قد أخفق في تحقيق غايته الاستراتيجية، حتى لو تمكنت الجماعة من إصابة بعض السفن أو إلحاق أضرار محدودة بها.
غير أن المقاربة السعودية تواجه معضلة ردع معقدة. فالاكتفاء بالدفاع قد يشجع الحوثيين على تكرار الهجمات وتطوير تكتيكاتهم واختبار حدود الدفاعات السعودية، كما قد يبعث برسالة إلى فاعلين إقليميين آخرين بأن التهديد غير المباشر للممرات البحرية يمكن أن يحقق مكاسب بأقل كلفة. وفي المقابل، فإن الرد العسكري الواسع قد يؤدي إلى فتح دورة جديدة من التصعيد داخل اليمن، ويمنح الجماعة فرصة لإعادة تعبئة بيئتها الداخلية، كما قد يوسع نطاق الاستهداف ليشمل الأراضي والمنشآت السعودية، ويدفع البحر الأحمر إلى أن يصبح جبهة إضافية في صراع إقليمي أوسع.
وتزداد صعوبة هذه المعادلة إذا وُضع التصعيد الحوثي ضمن السياق الإقليمي الأوسع الذي تتحرك فيه الجماعة. فاستمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر قد يوفر لإيران وشبكة القوى والجماعات المرتبطة بها، التي تُعرف سياسيًا بـ«محور المقاومة»، أداة إضافية لتوزيع الضغط وفتح ساحات متعددة للمواجهة، دون الانتقال بالضرورة إلى مواجهة مباشرة. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الحوثيين في فرض كلفة مستدامة على الملاحة والطاقة لا يمثل مكسبًا للجماعة وحدها، بل قد يعزز فاعلية نموذج إقليمي يقوم على استخدام الفاعلين من غير الدول لتهديد الممرات الحيوية واستنزاف الخصوم.
لذلك، فإن التحدي أمام الرياض لا يقتصر على استعادة الردع في مواجهة جماعة الحوثي، بل يمتد إلى منع تحول البحر الأحمر إلى ساحة دائمة لإدارة صراعات إقليمية بالوكالة. فاستمرار التصعيد دون ضوابط قد يهدد الأمن الوطني السعودي، ويقوض أمن دول البحر الأحمر، ويرفع مخاطر اضطراب أسواق الطاقة والتجارة الدولية. كما أن نجاح جماعة مسلحة في فرض قيود فعلية على الملاحة، ولو من خلال رفع المخاطر والتكاليف فقط، قد يشكل سابقة قابلة للتكرار في مناطق أخرى من العالم.
ومن ثم، تبدو المقاربة الأكثر اتساقًا مع المصالح السعودية قائمة على احتواء التهديد دون التسليم به، وردعه دون توسيع الحرب، وتدويل مخاطر الاعتداء على الملاحة دون تدويل القرار السعودي. ويتطلب ذلك الحفاظ على استمرار حركة التجارة والطاقة، وتعزيز الحماية البحرية والإنذار المبكر، ورفع كلفة استهداف السفن ومصادر الهجمات، مع إبقاء قنوات خفض التصعيد مفتوحة، دون ربطها بتنازلات سياسية تُنتزع تحت ضغط العمليات البحرية.
وبناءً عليه، فإن فعالية المقاربة السعودية ستتوقف على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أهداف مترابطة: منع الحوثيين من تحويل التهديد إلى حصار اقتصادي فعلي، والحفاظ على مصداقية الردع، ومنع التصعيد من التحول إلى مواجهة إقليمية أوسع. فإذا نجحت المملكة في الحفاظ على حرية الملاحة واستقرار صادرات الطاقة مع إبقاء تكلفة الهجمات مرتفعة ومحدودة النتائج، فستكون قد أحبطت جوهر الاستراتيجية الحوثية. أما إذا تمكنت الجماعة من إحداث تعطيل مستدام للملاحة أو إلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت الحيوية، فقد تنتقل الأزمة من اختبار محدود للردع إلى مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد الاشتباك، وتتسع معها مخاطر الأمن الوطني والإقليمي والدولي.
تكشف أزمة الحظر البحري التي أعلنتها جماعة الحوثي ضد السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية عن مساعٍ تتجاوز استهداف سفن بعينها، لتختبر قدرة فاعل من غير الدول على فرض معادلة أمنية وتجارية جديدة في البحر الأحمر. ولا يتوقف النجاح المحتمل لهذه الجماعة على الإغلاق المباشر للموانئ أو تعطيل الصادرات، بل قد يتأتى بصورة غير مباشرة إذا نجحت في مضاعفة المخاطر التشغيلية ورفع تكاليف التأمين لتفرض حصاراً اقتصادياً واقعياً. وتتضاعف خطورة هذا المشهد ارتباطاً بسياق إقليمي أوسع تستغل فيه طهران أذرعها المسلحة لتوزيع الضغوط وفتح ساحات متعددة للمواجهة، مما يضع أمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية في صلب معادلة الاستقرار الإقليمي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يُرجح أن تتخذ الأزمة مساراً تصاعدياً محدوداً ومتبادلاً دون بلوغ عتبة المواجهة الشاملة؛ حيث تواصل الجماعة اختبار الجاهزية السعودية، فيما تتبنى الرياض استراتيجية "الاحتواء والردع المتدرج". وتقوم هذه المقاربة على حماية استمرار الملاحة والصادرات، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر، ورفع كلفة الاعتداءات عبر ردود عسكرية مدروسة على مصادر التهديد. ومن هنا، فإن الاختبار الاستراتيجي أمام صانع القرار السعودي لا ينحصر بين خيارين حتميين، بل يتجسد في مسار ثالث يمنع استدامة التهديد البحري ويفشل توظيف البحر الأحمر إقليمياً، مع إبقاء قنوات خفض التصعيد مفتوحة والاحتفاظ بالقدرة الموثوقة على توسيع الردع إذا تجاوزت الهجمات سقف الضغط المحدود لتمس الأمن الوطني أو الإقليمي بشكل مباشر.
[1] Nayera Abdallah and Timour Azhari, “Yemen’s Houthis Declare Naval Blockade against Saudi Arabia,” Reuters, July 20, 2026, https://bit.ly/4b9H38x
[2] United Nations Security Council, Final Report of the Panel of Experts on Yemen Established Pursuant to Security Council Resolution 2140 (2014), S/2024/583 (New York: United Nations, 2024), https://bit.ly/44OpEP7
[3] Yomna Ehab and Enas Alashray, “Houthis Claim Attacks on Saudi Tankers in Red Sea, Raising Risk of New Chokepoint in Iran War,” Reuters, July 22, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/rubio-says-us-still-willing-negotiate-over-iran-crisis-2026-07-22/
[4] الهيئة العامة للإحصاء، إحصاءات النقل البحري 2024 (الرياض: الهيئة العامة للإحصاء، 2025)، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، https://bit.ly/4fIErQC
ولمزيد من المعلومات: وكالة الأنباء السعودية، «الهيئة العامة للإحصاء: موانئ المملكة ناولت أكثر من 331 مليون طن من البضائع خلال عام 2024»، 18 سبتمبر/أيلول 2025، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، https://spa.gov.sa/en/N2402039
[5] Jonathan Saul, “War Risk Insurance Costs Surge for Southern Red Sea Voyages after Houthi Attacks,” Reuters, July 23, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/war-risk-insurance-costs-surge-southern-red-sea-voyages-after-houthi-attacks-2026-07-23/
[6] Ahmad Ghaddar, Jonathan Saul, and Nerijus Adomaitis, “Saudi Boosts Yanbu Crude Oil Exports as It Works around Hormuz Halt, Data Shows,” Reuters, March 24, 2026, https://www.reuters.com/business/energy/crude-exports-saudis-yanbu-port-surged-near-4-mln-bpd-last-week-data-shows-2026-03-24/
[7] Saudi Ministry of Foreign Affairs, “Foreign Ministry: Saudi Arabia Condemns in the Strongest Terms Allegations Made by the So-Called Military Spokesperson of the Houthi Terrorist Militia Accusing the Kingdom of Besieging the Brotherly Yemeni People,” Saudi Press Agency, July 20, 2026, https://bit.ly/4pGM8ey
[8] وزارة الخارجية السعودية، «المملكة تدين بأشد العبارات ما تطرّق له ما يسمّى المتحدث العسكري التابع لمليشيا الحوثي الإرهابية من اتهامها بحصار الشعب اليمني الشقيق وحظر الملاحة البحرية عليها»، وكالة الأنباء السعودية، 20 يوليو/تموز 2026، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، https://bit.ly/4vNI2CI
قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، «سنحمي سفننا التجارية العابرة لمضيق باب المندب ونتعامل مع مصادر التهديد بكل قوة وحزم»، وكالة الأنباء السعودية، 20 يوليو/تموز 2026، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، https://bit.ly/4x9js0p
[9] Saudi Press Agency, “Joint Forces Command of the Coalition: We Will Protect Our Commercial Vessels in Bab Al-Mandab Strait, Respond to Threat Sources with Strength and Determination,” July 20, 2026, https://bit.ly/4wZ2Bgm
[10] قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، «قيادة القوات المشتركة تعلن تنفيذ استجابة عسكرية متناسبة ضد أهداف عسكرية مشروعة للحوثيين في الحديدة»، وكالة الأنباء السعودية، 25 يوليو/تموز 2026، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، https://bit.ly/45nGJQ9
[11] Reuters, “Saudi Arabia Strikes Houthi Military Sites in Yemen’s Hodeidah,” ThePrint, July 25, 2026, https://bit.ly/3RfkAjP
[12] Ehab, Y., & Alashray, E. op. cit.
[13] جامعة الدول العربية، «الأمين العام لجامعة الدول العربية يؤكد دعمه للمملكة العربية السعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين»، وكالة الأنباء السعودية، 22 يوليو/تموز 2026، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، http://bit.ly/3TEHce5
منظمة التعاون الإسلامي، «الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يدين تهديدات ميليشيا الحوثي ضد المملكة العربية السعودية»، وكالة الأنباء السعودية، 21 يوليو/تموز 2026، تاريخ الاطلاع 26 يوليو/تموز 2026، https://bit.ly/44Qjkql
[14] Florence Tan and Nidhi Verma, “Three Tankers Carrying Saudi Crude Make U-Turns in Red Sea after Houthi Warning,” Reuters, July 21, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/two-tankers-carrying-saudi-crude-make-u-turns-red-sea-after-houthi-warning-2026-07-21/
[15] محمود لافي وراضي صبيح، «من هدنة إلى جمود ثم تصعيد.. إليك تسلسل الأحداث في اليمن خلال السنوات الأخيرة»، الجزيرة نت، 25 يوليو/تموز 2026، آخر تحديث 26 يوليو/تموز 2026، https://tinyurl.com/2bvolfen
[16] أنور العنسي، «ما رسائل المشاركة الحوثية في تشييع خامنئي؟ سوء تدبير وتقدير»، المجلة، 4 يوليو/تموز 2026، الرابط: https://tinyurl.com/244yr6t4
[17] مودّة اسكندر، «اليمن يدشّن مرحلة جديدة مع الرياض.. مواجهة أم تغيير قواعد؟»، The Cradle بالعربية، 6 يوليو/تموز 2026، https://tinyurl.com/26jvpt4p