مقالات

حرب الرسائل بين الحوثي وإسرائيل: قراءة مقارنة في وظائف الخطاب وتفاوت الأولويات

د. هدير عبد المقصود محمود PDF متاح
حرب الرسائل بين الحوثي وإسرائيل: قراءة مقارنة في وظائف الخطاب وتفاوت الأولويات

حرب الرسائل بين الحوثي وإسرائيل: قراءة مقارنة في وظائف الخطاب وتفاوت الأولويات منذ تجدد الصراع اليمني في يوليو 2026

مقدمة:

خلال شهري يوليو وأغسطس 2026، ظهر تفاوتٌ واضح بين الخطابين الحوثي والإسرائيلي تجاه كلٍّ منهما الآخر؛ فبينما اتسم الخطاب الحوثي بزخمٍ ملحوظ على المستويين الرسمي والإعلامي، منح الخطاب الإسرائيلي الرسمي الملف اليمني أولويةً أقل مقارنةً بالقضايا والجبهات الإقليمية الأخرى، في ظل تعدد الجبهات التي تنخرط فيها إسرائيل، ولا سيما في غزة ولبنان وسوريا. ولم تكشف تصريحات المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، ولا التغطية الإعلامية الرسمية، عن اهتمامٍ واضح أو تناولٍ موسّع للأوضاع في اليمن، أو لموقف إسرائيل من جماعة الحوثي.

في المقابل، شهد الخطاب الصادر عن مسؤولي جماعة الحوثي ووسائل الإعلام التابعة لها زخمًا ملحوظًا في مهاجمة إسرائيل، والدعوة إلى الحشد الشعبي اليمني والعربي والإسلامي في مواجهتها، انطلاقًا من تقديمها باعتبارها العدو الرئيسي.

ويقدّم هذا التقرير قراءةً تحليلية لطبيعة تفاعل الخطابين، الرسمي والإعلامي، الحوثي والإسرائيلي مع التطورات المرتبطة بالملف اليمني، وللرسائل المتبادلة بين الجانبين، مع تحليل المبررات والأطر الخطابية التي استند إليها كل طرف في تناول موقف الطرف الآخر.

أولاً: إسرائيل في الخطاب الحوثي: العدو المركزي للمواجهة

  1. إسرائيل بوصفها عدوًا مركزيًا: الأساس المؤسسي والوظيفي للخطاب

اتسم الخطاب الحوثي بزخمٍ لافتٍ في توظيف إسرائيل؛ سواء بوصفها كيانًا معاديًا، أو من خلال نقد ممارساتها العدائية في الأراضي الفلسطينية، وعلى الصعيد الإقليمي، لا سيما في لبنان وسوريا. ويمكن تفسير هذا التوظيف في ضوء أدبيات الشرعنة الخطابية legitimation))، إذ يوظّف الخطاب صورة "العدو" لبناء شرعية سياسية وأيديولوجية للجماعة، عبر تصوير ذاتها طرفًا فاعلاً في مواجهة تُقدَّم على أنها ذات بُعد وجودي يتجاوز حدودها الوطنية([1]).

وقد صدر هذا الخطاب في الغالب عن السيد عبدالملك الحوثي، زعيم الجماعة، وعن أعضاء المكتب السياسي التابع لها؛ لذا اتخذ طابعًا قائمًا على الحشد والتحفيز، واتسم بنبرة حماسية استندت إلى الاستشهاد بمفردات دينية من قبيل "الجهاد" و"الشهادة" و"الولاء والبراء"، إلى جانب توظيف القضية الفلسطينية. ويؤدي هذا الخطاب، في ضوء أدوات التحليل النقدي للخطاب، وظيفتين متداخلتين: الأولى إضفاء الشرعية على العمل العسكري، والثانية تعبئة الجمهور وتوسيع قاعدة التعاطف معه؛ وذلك عبر التركيز على "أحقية" العمليات العسكرية الحوثية بوصفها لا تستهدف سوى الدفاع عمّا يصفه الخطاب بـ"الشعوب المظلومة"، سواء الشعب اليمني أو الفلسطيني. ويسهم هذا التأطير في تقليل الضغط الشعبي الداخلي على الجماعة، وفي الوقت ذاته يحفّز التعاطف الشعبي العربي معها في أي مواجهة تخوضها. وعليه، سواء كانت المواجهة مع إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة، فإن هذا الخطاب يستمر بالبنية نفسها، على أن يزداد حدّة وتهديدًا خلال المواجهات المباشرة، إذ يتحول إلى خطاب أكثر تحديدًا للأهداف العسكرية التي تسعى الجماعة إلى استهدافها.

  1. الانتماء إلى "محور المقاومة": استعارة الخطاب وتوظيف ذكرى حرب 2006

وبوصف جماعة الحوثي امتدادًا لما يُعرف بـ"محور المقاومة" التابع لإيران، استعارت الجماعة مفردات هذا الخطاب ومصطلحاته ذاتها. فتكرر في خطابها الحديث عن مقاومة إسرائيل ومواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، كما تكرر تأكيدها على دعم جميع أطراف هذا المحور، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان. وقد ظهر ذلك بوضوح في بيانٍ للجماعة صدر في 15 أغسطس، تزامنًا مع إحياء ذكرى حرب لبنان عام 2006 ([2])، استخدم لغة تفخيمية عالية الحدة في تصوير جهود "محور المقاومة" في التصدي لمظلوميات الشعوب. فوصف البيان "المقاومة" بأنها "نموذج يُحتذى في العالمين العربي والإسلامي"، وأنها حققت "هزيمة تاريخية لإسرائيل"، وأرست "توازنًا استراتيجيًا للردع، وقواعد اشتباك جديدة". كما ادّعى البيان أن هذه المقاومة أسهمت في "إحباط المخططات الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة"، بما فيها ما يُطلق عليه "الشرق الأوسط الجديد"، إضافة إلى "إحباط مساعي الهيمنة على المنطقة"، وما يُسمى بـ"مشروع إسرائيل الكبرى". ولم يخلُ الخطاب أيضًا من تصوير ما تقوم به قوى المقاومة بوصفه "تضحيات" في سبيل مجابهة إسرائيل ومشروعاتها التوسعية.

  1. توظيف القضية الفلسطينية: تطابق خطاب القيادة الحركية وخطاب حكومة صنعاء

وعلى صعيد آخر، احتلت القضية الفلسطينية موقعًا بارزًا في الخطاب الحوثي، وتناولها هذا الخطاب من زوايا متعددة. ويلاحظ هنا تطابقٌ لافت بين خطاب القيادة الفعلية للجماعة وخطاب الجهاز الحكومي التابع لها؛ إذ تبنّى زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، في كلمته بتاريخ 30 يوليو ([3])، والتي تمثّل المستوى الأعلى للخطاب الحركي-الأيديولوجي للجماعة، الأطروحات نفسها التي تبنّاها لاحقًا نائب وزير الخارجية والمغتربين في حكومة صنعاء غير المعترف بها، عبدالواحد أبوراس، في كلمته بتاريخ 15 أغسطس([4])، بوصفه ممثلاً للجهاز التنفيذي الذي يتحدث باسم الدولة رسميًا.

ورغم اختلاف الموقع المؤسسي بين المتحدثين (زعامة حركية-دينية مقابل تمثيل حكومي-تنفيذي)، فإن تطابق الخطابين في المضمون والأسلوب يعكس مدى تغلغل الخط الأيديولوجي للقيادة الحركية داخل مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها الجماعة، بما يجعل الجهاز الحكومي امتدادًا خطابيًا للقيادة الفعلية لا صوتًا مستقلاً عنها. وقد تقاطع الخطابان في توظيف القضية الفلسطينية من زاويتين رئيسيتين: فمن جهة، وُظِّفت القضية للتنديد بالممارسات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، ولتبرير نشأة "محور المقاومة" ودوره في التصدي لتلك الممارسات، وفي حماية الفلسطينيين والدفاع عن قضيتهم. ومن جهة أخرى، أُضفي على القضية بُعدٌ إسلاميٌّ بل وعالمي؛ إذ زعم الخطاب أنه يسعى إلى "نصرة الشعوب المستضعفة في مختلف أنحاء العالم"، وادّعى أن "أعداء الإسلام يستهدفون الإنسانية جمعاء"، وأن "خطر الحركة الصهيونية يطال المجتمع البشري بأسره".

وفي السياق ذاته، حرص الخطاب الحوثي، كما ورد في كلمة زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي بتاريخ 16 يوليو ([5])، على رسم أوجه تشابه بين الشعبين اليمني والفلسطيني، من خلال تصوير كليهما على أنهما يعانيان من الحصار والاعتداءات العسكرية، ويشتركان في مقاومة هذه الممارسات. ويسهم هذا الربط في إدراج التجربة اليمنية ضمن إطارٍ أوسع لسردية المظلومية والمقاومة، وفي ربط الصراع الداخلي اليمني بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

  1. البُعد المحلي: استحضار النخوة القبلية والفداء الشعبي

وإلى جانب هذا البُعد الإقليمي والفلسطيني، يُلاحَظ في الخطاب الحوثي اهتمامٌ موازٍ بالبعد النفسي للمواطن اليمني العادي، عبر استحضار روح الفداء والنخوة لديه؛ ومن ذلك مخاطبة الشعب والقبائل اليمنية بوصفهم طرفًا لا يقبل التعرض لأي عدوان أو السكوت عنه. وقد استحضر زعيم الجماعة هذه الروح خلال كلمته في منتصف شهر يوليو، حين تساءل عن مدى قبول الشعب اليمني بالخضوع لأي طرف، قائلاً: "هل يقبل شعبنا العزيز، قبائله الحرة التي كانت حرة في كل تاريخنا، هل تقبل بأن تكون مسترقة مستعبدة؟".

وتكرر النمط الخطابي ذاته خلال المسيرة التي خرجت استجابةً لدعوة الزعيم الحوثي عقب كلمته، والتي حملت اسم "جمعة التحذير والنفير" يوم 18 أغسطس، وتزامنت مع تبادل الضربات مع المملكة العربية السعودية؛ إذ تضمن بيان المسيرة خطابًا يستحضر مروءة ونخوة القبائل اليمنية المختلفة، جاء فيه: "شعب الإيمان والحكمة والجهاد والعزة والكرامة، برصيده الإيماني والتاريخي، وبجيشه وقبائله وكباره وصغاره ورجاله ونسائه وأرضه وسمائه وحجره وشجره، يؤكد أن خياره هو الحرية والكرامة والاستقلال، وألا يخضع ولا يركع إلا لله وحده لا شريك له" ([6]).

  1. البُعد الديني: الاستقطاب الداخلي بين "الولاء" و"البراء"

أما على المستوى الديني، فباعتبار جماعة الحوثي جماعةً ذات مرجعية دينية وأيديولوجية راديكالية، فقد اقترن توظيفها للمفردات الدينية السابقة (الجهاد، الشهادة، الولاء والبراء) بتصنيف الدول والأطراف المعارضة لها أو لممارساتها بوصفها معادية للإسلام، أو موالية لـ"أعداء الإسلام والمسلمين". ويؤدي هذا النمط الخطابي وظيفة استقطابية داخلية بامتياز؛ إذ يقسّم الأطراف إلى معسكرين متقابلين ("الولاء" و"البراء")، بما يسهم في تعزيز الولاء الشعبي للجماعة وحشد الدعم لها في مواجهة خصومها داخل الساحة اليمنية والإقليمية ([7]).

  1. التوسع الخارجي: حشد التأييد الإقليمي والدولي

وإلى جانب هذه الوظيفة الاستقطابية الداخلية، يسعى الخطاب أيضًا إلى وظيفة موازية ذات بُعد أفقي، هي توسيع دائرة التأييد للجماعة خارج الإطار اليمني، من خلال تصوير المواجهة مع إسرائيل والحركة الصهيونية باعتبارها قضيةً تتجاوز الحدود الوطنية، وتمس العالمين العربي والإسلامي؛ وهو ما تعكسه عباراتٌ من قبيل زعم الخطاب أن "الحركة الصهيونية وأتباعها يستهدفون أمتنا الإسلامية". ويمكن الاستدلال على نجاح هذه الاستراتيجية الحوثية، على المستويين الداخلي والخارجي معًا، من خلال التظاهرات التي تخرج من وقت لآخر استجابةً لدعوات زعيم الجماعة، سواء دعمًا لتحركاته وعملياته العسكرية، أو تعاطفًا مع القضية الفلسطينية ونصرةً لها. وبذلك، لا تقف وظيفة هذا الخطاب عند حد تبرير المواجهة مع إسرائيل، بل تمتد إلى تقديم جماعة الحوثي بوصفها جزءًا من معركةٍ أوسع تتجاوز الساحة اليمنية، بما يتيح لها توظيف القضية الفلسطينية ومفرداتها الدينية في حشد التأييد وتعزيز شرعيتها السياسية والأيديولوجية على المستويين الإقليمي والدولي.

ثانيًا: اليمن في الخطاب الإسرائيلي: الاكتفاء بمتابعة التطورات

  1. تراجع الاهتمام الرسمي: الجوار الجغرافي وتزاحم الجبهات

رغم تجدد العمليات العسكرية بين إسرائيل وجماعة الحوثي أكثر من مرة خلال العام، ورغم التأثير السلبي الذي مثّله الحظر الذي فرضته الجماعة على الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر منذ يونيو 2026 — والذي سبقه فرض الحوثيين حصارًا على ميناء إيلات الإسرائيلي، واستهدافهم سفنًا مرتبطة بإسرائيل خلال حرب غزة — ([8]) لم يقابل هذا التصعيد الميداني المستمر زخمٌ خطابي إسرائيليٌّ مماثل، سواء على المستوى الرسمي أو الإعلامي خلال الشهرين محل التحليل. إذ تبدو أولويات السياسة الإسرائيلية الراهنة متشعبة ومتعددة، وينعكس ذلك في محدودية اهتمام خطاب المسؤولين الإسرائيليين بتناول الوضع اليمني، مقارنةً بجبهات أخرى استقطبت زخمًا أكبر من الاهتمام الرسمي خلال الفترة نفسها.

فعلى صعيد الجبهة اللبنانية، شهد شهرا يوليو وأغسطس تصاعدًا في وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية على لبنان، إذ تكررت الغارات على جنوب لبنان، وكان أشدها في 15 أغسطس، حين مثّلت أسوأ حصيلة قتلى من المدنيين منذ الهدنة مع حزب الله في يونيو([9]). ويمكن تفسير هذا التفاوت في الاهتمام بين الجبهتين اليمنية واللبنانية بعامل الجوار الجغرافي المباشر؛ إذ تتحفّز إسرائيل لتحركات حزب الله باعتباره يمتلك حدودًا مباشرة معها، خلافًا لجماعة الحوثي، وتُبرر عملياتها العسكرية هناك برغبتها في حماية وسط وشمال إسرائيل من التهديد الصاروخي المحتمل لحزب الله، وهي استراتيجية اعتمدتها إسرائيل منذ عملية "طوفان الأقصى"، وتقوم على خلق مناطق عازلة تحول دون تكرار أي عملية تستهدف عمقها الداخلي. وبالمنطق ذاته، يمكن تفسير الاهتمام الإسرائيلي بالساحة السورية، باعتبارها هي الأخرى تمتلك حدودًا مباشرة مع إسرائيل؛ إذ شنّت إسرائيل هجومًا عسكريًا على قاعدة أبو الظهور خلال شهر أغسطس، مدّعيةً أن القاعدة كانت "على وشك خرق" اتفاقٍ قائم، من خلال السماح للقوات التركية بالانتشار فيها، وهو ما أضفى على الهجوم بُعدًا ثالثًا يتجاوز منطق الجوار الجغرافي المباشر إلى اعتبارات موازين القوى الإقليمية مع أطراف أخرى كتركيا.

ويضاف إلى ما سبق أن الاهتمام الإسرائيلي انصرف بقدرٍ أكبر إلى متابعة تطورات الحرب الأمريكية على إيران، في ظل المفاوضات الجارية بين الجانبين للتوصل إلى اتفاق ينهي هذه الحرب، إلى جانب الأوضاع في قطاع غزة، لا سيما في ظل مفاوضات نزع سلاح حركة حماس والتوصل إلى تسوية بشأن مستقبل القطاع. وقد تزامنت هذه الملفات الخارجية مع انشغال إسرائيلي موازٍ بتطورات الداخل، سواء الأزمات التشريعية المرتبطة بدخول الكنيست فترة الانتخابات في 17 يوليو، أو أزمات داخلية أخرى، مثل الاضطراب في مطار بن غوريون، أو تمرد نحو 100 مقاتل من كتيبة "تسابار" التابعة للواء "جفعاتي"، أو غيرها من الأزمات.

  1. الخطاب الإعلامي: ديناميكية الردع المتبادل وازدواجية التوصيف

وفي ظل هذا التراجع النسبي المؤقت في الاهتمام الرسمي، اقتصر التناول الإسرائيلي لليمن بشكل رئيسي على المستوى الإعلامي؛ إذ عمد هذا الخطاب إلى تغطية تطورات الأوضاع العسكرية على الساحة اليمنية منذ اندلاعها في 13 يوليو، لكن هذا العرض الإخباري اقتصر في الغالب على رصد الأحداث دون تقديم إسرائيل كطرفٍ مباشر في الصراع، باستثناء بعض التقارير التحليلية التي استشرفت إمكانية عودة المواجهة بين جماعة الحوثي وإسرائيل، وتناولت مخاوف كل طرف من هجومٍ محتمل من الآخر.

ويكشف تزامن هذين النوعين من التقارير عن ديناميكية ردع متبادل تُبنى إعلاميًا أكثر مما تُعلَن رسميًا؛ فبينما أشار تقريرٌ لصحيفة "معاريف" العبرية إلى مخاوف حوثية حقيقية من استهداف إسرائيل لها، مستخدمًا ألفاظًا توحي بحجم هذه المخاوف، إذ وصف جماعة الحوثي بأنها تعاني من مخاوف كبيرة تصل إلى حد "الذعر" من احتمال مهاجمة إسرائيل لها، معتبرًا أن الجماعة تنظر إلى التهديدات الإسرائيلية باعتبارها حقيقية وخطيرة ([10])، نقل تقريرٌ آخر في صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، عن صحيفة "هآرتس"، مخاوف إسرائيلية موازية عبّر عنها رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) من احتمال وقوع هجومٍ يمني على غرار هجوم 7 أكتوبر، انطلاقًا من مدينة إيلات الساحلية الجنوبية ([11]). وتوظيف الإعلام الإسرائيلي لخطاب "الخوف الحوثي" إلى جانب "الخوف الإسرائيلي" في الوقت ذاته يخدم غرضين متلازمين: فمن جهة، يُبقي على صورة الردع الإسرائيلي (بما يوحي بأن الطرف الآخر هو الخائف الأكبر)، ومن جهة أخرى، يُبرر عبر تحذيرات جهاز الأمن العام أي استعدادات أو تحوّلات أمنية مستقبلية تجاه الجبهة اليمنية، دون الحاجة إلى الإعلان الرسمي عن تصعيدٍ مباشر.

كما اعتمد الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، في تناوله لأخبار جماعة الحوثي، على التمييز بينها وبين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وفقًا لهذا الخطاب؛ إذ وُصفت الجماعة بـ"المتمردة"، أو بـ"جماعة أنصار الله"، أو بلفظة "الحوثيين" كما ورد في موقع صحيفة "معاريف" الإلكترونية باللغة العبرية. ويحمل هذا التمييز دلالةً تتجاوز مجرد التوصيف الإخباري المحايد؛ إذ يُبقي، ضمنيًا، على شرعية الدولة اليمنية الرسمية بوصفها الطرف المعترف به دوليًا، في مقابل تصوير الحوثيين كفاعل غير شرعي أو طارئ على البنية السياسية للدولة، وهو تأطير يخدم الموقف الإسرائيلي (والدولي عمومًا) الرافض للاعتراف بالجماعة كسلطة أمر واقع.

ويتجلى الفارق الأكثر دلالة، من زاوية تحليل الخطاب، بين هذا التوصيف الإعلامي "المهني" نسبيًا، والخطاب الرسمي الإسرائيلي الصادر عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والذي اعتمد على وصف الجماعة بـ"الإرهاب" و"الإرهابيين الحوثيين". فهذا التفاوت اللغوي بين مستويي الخطاب (الإعلامي والرسمي) ليس تفاوتًا أسلوبيًا عابرًا، بل يعكس اختلافًا وظيفيًا: إذ يحتفظ الخطاب الإعلامي بمسافة توصيفية أقرب إلى الحياد الصحفي الظاهري ("متمردون"، "أنصار الله")، بينما يوظّف الخطاب الرسمي مفردة "الإرهاب" ضمن إطار الشرعنة السياسية والقانونية، بما يتيح تبرير أي إجراءات عسكرية أو أمنية مستقبلية تجاه الجماعة باعتبارها ضمن "الحرب على الإرهاب" لا مجرد نزاع إقليمي محدود. وبذلك، يُستخدم الخطاب الرسمي لتأطير الحوثيين ضمن منظومة الأعداء "المُحلّل" استهدافهم أمنيًا وسياسيًا، بينما يظل الخطاب الإعلامي أكثر مرونة في التعامل مع الملف بوصفه تطورًا إقليميًا يستحق المتابعة لا المواجهة المباشرة.

وعلى هذا النحو، يكشف تحليل الخطاب الإسرائيلي تجاه اليمن عن نمط ثنائي المستوى: خطاب رسمي محدود لكنه حاد التوصيف عند صدوره، وخطاب إعلامي أوسع انتشارًا لكنه أكثر حذرًا في تصنيف الفاعلين.

خاتمة

تكشف هذه القراءة عن تفاوتٍ جوهري بين الخطابين: فالخطاب الحوثي، بوصفه صادرًا عن فاعلٍ غير دولي، وظّف التصعيد المستمر تجاه إسرائيل لتحقيق الشرعنة والتعبئة والاستقطاب الديني وتوسيع التأييد الإقليمي، بينما اتسم الخطاب الإسرائيلي بالتحفظ والاكتفاء بمتابعة تطورات الأحداث اليمنية. ويعكس هذا التباين اختلافًا بنيويًا بين طرفٍ يحتاج أن يُصعّد خطابيًا كي يُرى ويُصدَّق، وطرفٍ لا يحتاج بعد إلى ذلك كي يُؤخذ على محمل الجد. ويبقى مدى استمرار هذا التفاوت رهينًا بمسار التصعيد الميداني بين الطرفين في المرحلة المقبلة.

 


[1] Abo Alasrar, Fatima. "From Yemen to Palestine: The Strategic Depth of the Houthi-Iranian Alliance." Middle East Institute, February 16, 2024. https://mei.edu/publication/yemen-palestine-strategic-depth-houthi-iranian-alliance/

[2] وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية (أبنا). "أنصار الله يشيدون بانتصار حزب الله على إسرائيل عام 2006 باعتباره نموذجًا للعالم العربي والإسلامي." 15 أغسطس 2026. https://2u.pw/fRifrN

[3] وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية (أبنا). "السيد عبدالملك الحوثي: الهدف من الهجمات على محور المقاومة هو إزالة العوائق أمام مشروع إسرائيل الكبرى." 30 يوليو 2026. https://2u.pw/dEB2vS

[4] وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية (أبنا). "نائب وزير الخارجية: النظام السعودي منهمك في صناعة الأزمات في عموم دول المنطقة." 15 أغسطس 2026. https://2u.pw/SZ4dRO

[5] وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية (أبنا). "السيد الحوثي يؤكد رفضه لاستمرار الحصار وأن كل المنشآت النفطية والحيوية السعودية هي هدف لصواريخ اليمن." 16 يوليو 2026. https://ar.abna24.com/news/1841124/السيد-الحوثي-يؤكد-رفضه-لاستمرار-الحصار-وأن-كل-المنشآت-النفطية

[6] وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية (أبنا). ""جمعة التحذير والنفير".. جماهير مليونية تنزل إلى الشارع تأكيدًا على الجاهزية للرد على العدوان." 18 يوليو 2026. https://2u.pw/6Gwo2j

[7] Rushdi, Nasr. "Al-Aqsa Flood and the Battle of the Promised Conquest: How the Houthis Mobilize Popular Support." Sana'a Center, April 9, 2024. https://sanaacenter.org/the-yemen-review/jan-mar-2024/22294

[8] Long War Journal. "Houthis Attack Israel and Announce Ban on Israeli Vessels in the Red Sea." June 9, 2026. https://www.longwarjournal.org/archives/2026/06/houthis-attack-israel-and-announce-ban-on-israeli-vessels-in-the-red-sea.php

[9] Ahram Online. "Lebanon State Media Says One Dead, 11 Wounded in Israeli Strike on South." August 5, 2026. https://english.ahram.org.eg/NewsContent/2/8/574118/World/Region/Lebanon-state-media-says-one-dead%2C--wounded-in-Isr.aspx

[10] ليئون، إيلي. "الحرب تدخل مرحلة جديدة: الحوثيون يستعدون لفتح جبهة برية." معاريف، 20 أغسطس 2026. https://www.maariv.co.il/news/world/article-1357799

[11] Levaton, Stav. "Alarm over Potential Eilat Attack Met with Skepticism, though Not toward Houthi Threat." The Times of Israel, July 8, 2026. https://www.timesofisrael.com/alarm-over-potential-eilat-attack-met-with-skepticism-though-not-toward-houthi-threat/

قراءة تنزيل
الوسوم:
#حرب الرسائل #الحوثيين #اسرائيل #الصراع في اليمن #الخطاب السياسي
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.