مقالات

البحر الأحمر وأزمة الدولة في اليمن: الاقتصاد الجيوسياسي للصراع وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

.

افتتاحية مركز اليمن والخليج للدراسات

أغسطس 2026

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري تعبره السفن بين آسيا وأوروبا، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أكثر الفضاءات الجيوسياسية تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي. فالممر الذي تمر عبره اليوم ما بين 15 و17 في المائة من التجارة البحرية العالمية، ويعبر خلاله نحو 10 إلى 12 في المائة من إجمالي تجارة العالم عبر قناة السويس، إضافة إلى مرور ملايين براميل النفط يومياً وعشرات الكابلات البحرية التي تربط آسيا وإفريقيا وأوروبا، لم يعد مجرد طريق للنقل، وإنما تحول إلى أحد أهم محددات استقرار الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والاتصالات الرقمية.

وقد كشفت أزمة البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023، ثم تصاعدها خلال عامي 2025 و2026، أن اضطراب ممر بحري واحد قادر على إعادة رسم خرائط التجارة العالمية. فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، انخفض حجم العبور اليومي عبر البحر الأحمر وقناة السويس في ذروة الأزمة بنحو 57.5 في المائة مقارنة بما كان عليه قبل الهجمات الحوثية، بينما اضطرت كبريات شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسارات سفنها حول رأس الرجاء الصالح، بما أضاف ما بين 10 و14 يوماً إلى زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا، ورفع بصورة غير مسبوقة تكاليف النقل البحري والتأمين، وأعاد الضغوط التضخمية إلى الأسواق العالمية، وأضر باقتصادات تعتمد بصورة مباشرة على هذا الممر، وفي مقدمتها مصر، التي تراجعت إيرادات قناة السويس بصورة ملحوظة، فضلاً عن الاقتصادات الإفريقية والشرق أوسطية المرتبطة بالتجارة البحرية.

هذه التحولات لم تدفع المجتمع الدولي إلى الاكتفاء بإرسال القطع البحرية لحماية السفن، بل أعادت تشكيل الخريطة الأمنية للبحر الأحمر بأكملها. فقد أطلقت الولايات المتحدة عملية "حارس الازدهار"، ثم أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة " أسبيدس" لحماية الملاحة، قبل أن تعلن المملكة العربية السعودية في يوليو 2026 تأسيس تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات بمشاركة أربع عشرة دولة، من بينها مصر، واليمن، والأردن، وتركيا، وباكستان، وجيبوتي، والصومال، والسودان، وعدد من الدول الآسيوية والعربية، بهدف حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وفي الوقت نفسه، توسعت الاستثمارات العسكرية والبحرية في المنطقة، وتصاعد التنافس على الموانئ والقواعد البحرية، بينما أعادت دول القرن الإفريقي والقوى الإقليمية توظيف موقعها الجغرافي في إطار سباق نفوذ متسارع، شمل الاتفاق الإثيوبي مع صوماليلاند للحصول على منفذ بحري، والاتفاق الدفاعي التركي مع الصومال، والتنافس على إدارة الموانئ والبنية اللوجستية، بما جعل البحر الأحمر أحد أكثر أقاليم العالم تشابكاً بين الجغرافيا والاقتصاد والأمن.

أولاً: البحر الأحمر من ممرٍ تجاري إلى ساحةٍ للصراع الجيوسياسي وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تزال تعكس جانباً واحداً فقط من الأزمة. فالنقاش الدولي انشغل بحماية السفن، وتأمين المضائق، وضمان استمرار تدفق التجارة، بينما أهمل سؤالاً أكثر أهمية: لماذا أصبح البحر الأحمر قابلاً لأن يتحول إلى رهينة بيد فاعل من غير الدولة؟

تكمن الإجابة في أن ما يجري في البحر الأحمر ليس أزمة ملاحة بقدر ما هو انعكاس مباشر لأزمة الدولة في اليمن. فالهجمات على السفن، وإعلان الحظر البحري، والتهديد بفرض رسوم على السفن العابرة، ليست أسباباً للفوضى، وإنما نتائج لانهيار الدولة، وتآكل احتكارها لاستخدام القوة، وصعود اقتصاد الحرب. فمنذ سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء عام 2014، لم يقتصر التغيير على إعادة توزيع السلطة داخل اليمن، بل امتد إلى إعادة تعريف الوظيفة الجيوسياسية للموقع اليمني نفسه. فبدلاً من أن يمثل باب المندب مورداً سيادياً للدولة، ورافعة للتكامل الاقتصادي مع الخليج والقرن الإفريقي، تحول تدريجياً إلى أداة للردع السياسي، ووسيلة لفرض الكلفة على الخصوم، وورقة تفاوض تتجاوز حدود اليمن إلى ملفات الأمن الإقليمي والصراع الدولي.

وهنا تكمن المفارقة التي تكاد تغيب عن معظم المقاربات الدولية؛ إذ لم تعد جماعة الحوثيين تتعامل مع البحر الأحمر بوصفه مجالاً جغرافياً يقع ضمن مناطق نفوذها، بل باعتباره أصلاً جيوسياسياً قابلاً للاستثمار. فقد نجحت في تحويل الموقع الاستراتيجي لليمن إلى مورد للصراع، وإلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والعسكري، عبر رفع كلفة تجاهلها في أي ترتيبات إقليمية، وربط أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم بمستقبلها السياسي والعسكري. وهكذا لم يعد البحر الأحمر مجرد ساحة تتأثر بالحرب اليمنية، بل أصبح جزءاً من اقتصادها السياسي، وأحد أهم مصادر القوة التي تستمد منها الجماعة قدرتها على التأثير داخل اليمن وخارجه.

غير أن اختزال الأزمة في بعدها الأمني يُفضي إلى استنتاجات قاصرة وسياسات محدودة الأثر. فما يجري في البحر الأحمر لا يمكن تفسيره فقط بمنطق الردع العسكري أو حرية الملاحة، بل يتطلب فهماً أعمق للعلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة في اليمن. فمنذ اندلاع الحرب، تشكل تدريجياً ما يمكن تسميته بـ "الاقتصاد الجيوسياسي للصراع"؛ أي تحويل الموقع الاستراتيجي للدولة إلى مورد سياسي واقتصادي يستخدمه فاعل من غير الدولة لتعظيم نفوذه الداخلي والإقليمي.

ثانياً: الاقتصاد الجيوسياسي للصراع... كيف حوّلت جماعة الحوثيين البحر الأحمر إلى ورقة نفوذ إقليمية؟

في هذا السياق، لم تعد جماعة الحوثيين تنظر إلى باب المندب والبحر الأحمر بوصفهما حدوداً جغرافية تقع ضمن نطاق سيطرتها، بل باعتبارهما مصدر قوة تفاوضية وأداة لإعادة تشكيل موازين القوى. فالهجمات على السفن، وإعلان الحظر البحري على السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية في يوليو 2026، والحديث عن فرض رسوم على السفن العابرة، ليست مجرد إجراءات عسكرية أو ردود فعل ظرفية، وإنما تعكس محاولة لتحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية، بما يرفع تكلفة تجاهل الجماعة في أي ترتيبات تخص اليمن أو الإقليم.

وتزداد أهمية هذه الورقة بالنسبة للجماعة كلما ازدادت الضغوط عليها في الداخل. فبعد أكثر من عقد على سيطرتها على صنعاء، تواجه الجماعة تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة؛ إذ تشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، بينما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي، ويواجه 2.2 مليون طفل سوء التغذية، في وقت لم تتجاوز فيه الاستجابة الدولية 20 في المائة من التمويل المطلوب، مع فجوة تمويلية تزيد على 2.1 مليار دولار. ورغم أن هذه الأزمة نتاج الحرب والانقسام المؤسسي على مستوى البلاد، فإن نموذج الحكم الذي كرسته الجماعة في مناطق سيطرتها عمّق من آثارها، عبر توسيع اقتصاد الجبايات، وإضعاف القطاع الخاص، والتدخل في النشاط المصرفي، وتوجيه جزء كبير من الموارد نحو الأولويات العسكرية والأمنية بدلاً من الاستثمار في التنمية والخدمات العامة.

ومن هنا، تصبح سردية "الحصار" جزءاً من إدارة الاقتصاد السياسي للصراع. فهي لا تُستخدم فقط لتفسير التدهور المعيشي، بل لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية، وتحويل الانتباه من الاختلالات الهيكلية في إدارة الاقتصاد إلى العوامل الخارجية. وبهذه الطريقة، تتحول الضغوط الخارجية إلى مورد سياسي، بينما تُقدَّم الأزمة الاقتصادية باعتبارها نتيجة مباشرة للعقوبات والإجراءات الدولية، وليس أيضاً لسياسات الحرب والاقتصاد الموازي التي أُنشئت خلال السنوات الماضية.

ويتداخل ه ذا البعد الداخلي مع سياق إقليمي أوسع يرتبط بطبيعة التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فمن منظور إيران، لا يمثل البحر الأحمر مجرد ممرٍ بحري للتجارة الدولية، بل يشكل امتدادًا لمنظومة الردع الإقليمية التي بنتها عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء في عدد من ساحات الإقليم. وفي ظل الضغوط السياسية والعسكرية المفروضة عليها، تكتسب القدرة على التأثير في باب المندب أهمية استراتيجية متزايدة، إذ تتيح توسيع نطاق الضغط من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر، بما يضاعف كلفة أي مواجهة محتملة، ويوفر لطهران أوراقًا تفاوضية تتجاوز الملف اليمني إلى قضايا الأمن الإقليمي والعلاقات مع القوى الدولية.

وفي هذا الإطار، أصبحت جماعة الحوثيين أحد أهم أدوات هذا التوازن الإقليمي؛ إذ يمنحها ارتباطها بإيران قدرات عسكرية وتقنية وسياسية عززت قدرتها على التأثير في أمن الملاحة، بينما توفر الجماعة لطهران وسيلة منخفضة الكلفة نسبيًا لإبقاء أحد أهم الممرات البحرية العالمية ضمن حسابات الردع الإقليمي. ومن ثم، لا يمكن فهم التصعيد في البحر الأحمر بوصفه انعكاسًا للتطورات اليمنية وحدها، بل باعتباره جزءًا من تفاعل أوسع تتداخل فيه حسابات الصراع الداخلي مع المنافسة الإقليمية. ولهذا، كثيرًا ما يتزامن التصعيد البحري مع لحظات التحول الكبرى، سواء عند اشتداد الضغوط على إيران، أو عند اقتراب مسارات التسوية السياسية في اليمن من مسارات حاسمة، حيث يصبح توسيع نطاق الأزمة وسيلة لإعادة ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين، وتحويل الاهتمام من استحقاقات بناء الدولة والاقتصاد إلى إدارة المخاطر الأمنية في الممرات البحرية.

وتكشف تجربة البحر الأحمر منذ عام 2023 أن المقاربات العسكرية، رغم ضرورتها لحماية الملاحة، لم تتمكن من إزالة جذور التهديد. فقد استمرت الهجمات رغم عمليات حارس الازدهار، ومهمة أسبيدس الأوروبية، والضربات العسكرية الأمريكية والبريطانية، كما دفعت الأزمة شركات الشحن العالمية إلى إعادة هيكلة شبكاتها اللوجستية، وزيادة الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح، وتوسيع الاستثمار في الموانئ البديلة، ورفع الإنفاق على تقنيات الأمن البحري وإدارة المخاطر. وبذلك لم تعد الأزمة تؤثر فقط في أمن الملاحة، بل أعادت تشكيل جغرافيا التجارة العالمية، ودفعت المستثمرين وشركات النقل إلى إدراج المخاطر الجيوسياسية ضمن حساباتهم الاستراتيجية طويلة المدى.

ومن ثم، فإن حماية البحر الأحمر لا يمكن أن تتحقق عبر عسكرة الممرات البحرية وحدها، لأن البحر يعكس ما يحدث على اليابسة أكثر مما يصنعه. فكل تحالف بحري جديد، وكل عملية عسكرية، وكل نظام للمرافقة البحرية، سيظل يعالج النتائج لا الأسباب، ما دامت الدولة اليمنية تعاني الانقسام، وما دام اقتصاد الحرب يوفر الحوافز لاستمرار الصراع، وما دام فاعل من غير الدولة يمتلك القدرة على تحويل الموقع الاستراتيجي لليمن إلى أداة للمساومة الإقليمية.

لذلك، فإن نقطة البداية لأي استراتيجية مستدامة لأمن البحر الأحمر يجب أن تكون استعادة الدولة اليمنية، وتمكين الحكومة الشرعية من بسط سلطتها على كامل السواحل والموانئ، وتوحيد المؤسسات المالية والنقدية، وإنهاء الاقتصادات الموازية، واستئناف تصدير النفط والغاز، وإعادة دمج الموارد العامة ضمن إطار وطني موحد. كما أن أي تسوية سياسية حقيقية ينبغي ألا تقتصر على وقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة، بل يجب أن تعيد بناء مؤسسات الدولة، وتحتكر استخدام القوة، وتخضع الممرات البحرية والموارد السيادية لإدارة وطنية خاضعة للمساءلة. عندها فقط يمكن أن يتحول الموقع الجغرافي لليمن من مصدر لاقتصاد الصراع إلى رافعة للتنمية، ومن أداة لابتزاز الإقليم إلى جسر للتكامل بين الخليج والقرن الإفريقي، وأن يصبح أمن البحر الأحمر نتاجاً لاستقرار الدولة، لا بديلاً عنها.

 

الوسوم:
#البحر الأحمر #أزمة الدولة #الموقع الجيوسياسي #اقتصاد الصراع #باب المندب #
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.