Home Estimates الأبعاد الاستراتيجية لخطاب التعبئة العامة الحوثي
الأبعاد الاستراتيجية لخطاب التعبئة العامة الحوثي
Estimates Security Trends

الأبعاد الاستراتيجية لخطاب التعبئة العامة الحوثي


تقدير موقف: الأبعاد الاستراتيجية لخطاب التعبئة العامة الحوثي

 

في تطور لافت للمشهد اليمني، أعلنت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في 22 يونيو/حزيران 2026 عن استجابة واسعة لدعوة زعيمها، عبد الملك الحوثي، لرفع مستوى الجاهزية القتالية ورفد القوات المسلحة بالمقاتلين. يأتي هذا الإعلان في لحظة حرجة تتسم بجمود عسكري طويل الأمد منذ انقضاء الهدنة الأممية في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وتعثر مسارات التسوية السياسية، فضلاً عن تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل، وتصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع الإقليمي في البحر الأحمر والساحات الإيرانية-الإسرائيلية. لم يعد هذا التحرك مجرد إجراء تعبوي تقليدي، بل تحول إلى مؤسسة موازية للدولة و"ركيزة حكم" صلبة تهدف إلى إدارة المرحلة الراهنة والمستقبلية.

إن فهم هذا الإعلان يتطلب تتبع مسار تطور التعبئة الحوثية، التي تحولت تدريجياً من حشد مؤقت في بدايات سنوات الصراع، إلى "احتياط استراتيجي" منظم خلال عام 2022، وصولاً إلى تعبئة مجتمعية شاملة تحت شعارات عابرة للحدود كـ "طوفان الأقصى" في عامي 2023 و2024، لتستقر اليوم في مرحلة "المأسسة" كركيزة أساسية لبقاء الجماعة. ومن هنا، يفكك هذا التقدير مضامين هذا الإعلان عبر فرضية مركزية: التعبئة العامة ليست مقدمة حتمية لاستئناف الحرب الشاملة، بل هي أداة استراتيجية متعددة الوظائف، تُوظفها الجماعة لتعزيز الردع، وإعادة إنتاج شرعيتها في الداخل، وتحسين أوراقها في العملية التفاوضية، وإعادة تموضعها كفاعل إقليمي مؤثر.

بناءً على ذلك، يسعى هذا التحليل إلى الإجابة عن جملة من التساؤلات الجوهرية: ما هي الدلالات الاستراتيجية لإعلان التعبئة العامة في هذا التوقيت؟ وهل يعكس توجهاً نحو استئناف العمليات العسكرية، أم أنه يمثل أداة لإدارة مرحلة الجمود الاستراتيجي وتعزيز أوراق الضغط السياسي والعسكري؟ وكيف تتفاعل هذه التعبئة مع الضغوط الداخلية والطموحات الإقليمية للجماعة؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات، يستعرض التقدير السياقات السياسية المحيطة بالإعلان، وتطور مشروع التعبئة الحوثي، والأبعاد الاستراتيجية للخطاب التعبوي، من ترسيخ السيطرة الداخلية وتعزيز الردع، إلى إدارة الضغوط وإعادة التموضع الإقليمي، وصولاً إلى تقديم خلاصة تقديرية تستند إلى تحليل المؤشرات السياسية والعسكرية الراهنة لتقييم الاتجاهات المحتملة للأزمة وتقدير دلالاتها الاستراتيجية.

 

 

أولًا: سياق إعلان التعبئة العامة

 

جاء إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) عن رفع مستوى التعبئة العامة في 22 يونيو/حزيران 2026 في سياق داخلي وإقليمي بالغ التعقيد، يتسم باستمرار حالة الجمود العسكري في اليمن، وتعثر مسار التسوية السياسية، وتزايد الضغوط الاقتصادية، إلى جانب تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة بين إيران وإسرائيل وتداعياتها على أمن البحر الأحمر. ويشير تزامن هذه التطورات إلى أن التعبئة العامة لا يمكن قراءتها باعتبارها استجابة عسكرية آنية، وإنما بوصفها جزءاً من استراتيجية أشمل لإدارة مرحلة انتقالية تتداخل فيها اعتبارات الردع والتفاوض وإعادة ترتيب موازين القوى.

فعلى الصعيد الداخلي، يعيش الصراع اليمني منذ انتهاء الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2022 حالة من "اللاحرب واللاسلم". فعلى الرغم من توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، لم يتحول هذا الهدوء النسبي إلى تسوية سياسية مستدامة، إذ ظلت خطوط التماس مستقرة إلى حد كبير، بينما استمرت الخلافات حول القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها آليات صرف رواتب موظفي الدولة، وتقاسم الإيرادات العامة، ومستقبل المؤسسات السيادية، وترتيبات العملية السياسية الشاملة. وقد أدى استمرار هذا الوضع إلى ترسيخ واقع ميداني يفتقر إلى الحرب الشاملة كما يفتقر في الوقت نفسه إلى السلام المستدام، الأمر الذي دفع مختلف الأطراف إلى البحث عن أدوات جديدة لتعزيز مواقعها التفاوضية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وفي هذا الإطار، شهدت الأشهر الأخيرة تباطؤاً واضحاً في تنفيذ خارطة الطريق التي رعتها الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف اليمنية بشأن الأولويات الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن تراجع الزخم الدولي المخصص للملف اليمني نتيجة انشغال القوى الدولية بأزمات إقليمية ودولية أخرى. وبالنسبة للحوثيين، فإن استمرار هذا الجمود يحمل مخاطر سياسية واقتصادية، إذ يحد من قدرتهم على تحقيق مكاسب إضافية عبر التفاوض، وفي الوقت ذاته يفرض عليهم المحافظة على مستوى عالٍ من الجاهزية العسكرية والتنظيمية يمنع خصومهم من استغلال حالة التهدئة لإعادة بناء قدراتهم.

وتزامن ذلك مع تصاعد الضغوط الاقتصادية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث تستمر الأزمة الإنسانية، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتفاقم التحديات المرتبطة بالرواتب والخدمات العامة. وفي ظل هذه الظروف، تمثل التعبئة العامة أداة سياسية واجتماعية بقدر ما هي أداة عسكرية؛ إذ تتيح للجماعة إعادة توجيه الخطاب العام نحو التهديدات الخارجية، وتعزيز التعبئة المجتمعية، والمحافظة على التماسك التنظيمي، بما يسهم في الحد من انعكاسات الأوضاع الاقتصادية على استقرارها الداخلي[1].

أما على المستوى الإقليمي، فقد جاء الإعلان في ظل استمرار حالة الاستقطاب التي فرضتها المواجهة بين إيران وأمريكا وإسرائيل، وما ترتب عليها من إعادة تشكيل أولويات ما يعرف بمحور المقاومة. ورغم اختلاف الساحات التي تتحرك فيها أطراف هذا المحور، فإن الخطاب الحوثي خلال الأشهر الماضية ركز بصورة متزايدة على مفهوم "وحدة الساحات"، باعتباره إطاراً سياسياً وعسكرياً يربط بين التطورات في اليمن وقطاع غزة ولبنان والعراق وإيران. ومن ثم، فإن إعلان التعبئة العامة يحمل رسالة تتجاوز الساحة اليمنية، مفادها أن الجماعة لا تزال جزءاً من معادلات الردع الإقليمية، وقادرة على المساهمة في أي تصعيد إقليمي إذا اقتضت حسابات المحور ذلك.

كما يرتبط توقيت الإعلان باستمرار التوتر في البحر الأحمر، الذي تحول منذ أواخر عام 2023 إلى أحد أهم مسارح التنافس الإقليمي والدولي. فعلى الرغم من الضربات العسكرية التي تعرضت لها الجماعة خلال العامين الماضيين، فإنها ما زالت تسعى إلى إظهار احتفاظها بقدراتها البشرية والتنظيمية، وإلى تأكيد أن الضغوط العسكرية لم تؤد إلى تقويض بنيتها الداخلية أو تقليص قدرتها على التعبئة والحشد. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان يمثل أيضاً رسالة ردع موجهة إلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالصراع، تؤكد استمرار قدرة الجماعة على تحمل الضغوط وإعادة إنتاج مواردها البشرية والعسكرية.

وفي ضوء هذه المتغيرات، يبدو أن اختيار هذا التوقيت لم يكن مرتبطاً بمؤشرات ميدانية توحي بقرب اندلاع حرب شاملة، بقدر ما جاء استجابة لجملة من الاعتبارات السياسية والعسكرية والإقليمية التي فرضت على الجماعة إعادة تأكيد جاهزيتها، وتعزيز أوراقها التفاوضية، والمحافظة على تماسكها الداخلي. ولذلك، فإن فهم إعلان التعبئة العامة يقتضي النظر إليه باعتباره أداة لإدارة الصراع في مرحلة الجمود الاستراتيجي، أكثر من كونه إعلاناً عن انتقال وشيك إلى مرحلة جديدة من العمليات العسكرية واسعة النطاق.

 

ثانيًا: تطور مشروع التعبئة العامة الحوثية: من الحشد المؤقت إلى مؤسسة موازية للدولة

 

خلال المرحلة الماضية توسع مفهوم التعبئة العامة لدى الحوثيين ليغدو مؤسسة قائمة بحد ذاته، وفي هذا السياق نتناول مراحل ظهور هذا المفهوم وتطوره لدى الحركة الحوثية، وأبرز مظاهرة في كل مرحلة، وذلك على النحو الآتي:

المرحلة الأولى (2020-2021): التعبئة العقائدية وهندسة البيئة الاجتماعية

شكلت الفترة ما بين عامي 2020 و2021 نقطة تحول جوهرية في استراتيجية جماعة الحوثيون، حيث انتقلت الجماعة من الاعتماد على التعبئة العسكرية الظرفية المرتبطة بجبهات القتال، إلى تبني مشروع "هندسة اجتماعية" شامل يهدف إلى خلق بيئة حاضنة لمشروعها السياسي. لم يكن الهدف في هذه المرحلة محصوراً في رفد الجبهات بالمقاتلين فحسب، بل تمثل في إحداث اختراق قيمي وثقافي في المجتمع اليمني، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، لضمان استمرارية الجماعة كـ"سلطة أمر واقع" لا تقبل التحدي.

استندت الجماعة في هذا المسار إلى تفعيل آليات تعليمية وثقافية مكثفة؛ حيث بدأت بتكثيف "الدورات الثقافية" التي تُفرض على الموظفين في مؤسسات الدولة، وطلاب المدارس، وشيوخ القبائل. وتؤكد تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة أن هذه البرامج صُممت خصيصاً "لغرس الأيديولوجيا الحوثية" وإعادة صياغة الهوية الوطنية بما يتسق مع رؤية الحركة، مما أدى إلى تحويل المدارس والمراكز الصيفية إلى حواضن أيديولوجية لا تهدف فقط للتعليم، بل لتنشئة جيل جديد يدين بالولاء المطلق للقيادة الحوثية[2].

وتزامناً مع هذا التغلغل الثقافي، رصدت المنظمات الحقوقية الدولية تصاعداً خطيراً في عمليات تجنيد الأطفال، حيث تشير منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أن الجماعة استغلت "ارتفاع معدلات الأمية والفقر، لا سيما في المناطق القبلية"، لتجنيد فتيان لا تتجاوز أعمارهم 10 أو 11 عاماً، وإلحاقهم بصفوفها، وغالباً ما يتم ذلك "رغم معارضة أولياء أمورهم"[3]. ومن ثم فإن هذا النمط من التجنيد القسري لم يكن مجرد وسيلة لسد النقص في القوة البشرية، بل كان وسيلة "لفرض السيطرة الاجتماعية" وإخضاع الأسر اليمنية عبر تحويل أطفالهم إلى أدوات في يد السلطة الفعلية للحوثيين.

وعلى صعيد التحول المؤسسي، فقد استغلت الجماعة هذه المرحلة لربط الانتماء الاجتماعي بالمنافع الاقتصادية؛ حيث عملت على إعادة هيكلة الموارد المالية، مثل "هيئة الزكاة"، لتصبح أداة لاستمالة الموالين وتهميش المعارضين، مما أدى إلى خلق "بنية إدارية موازية" تضمن ولاء الفئات الاجتماعية الهشة[4]. وبذلك، لم تعد التعبئة في نظر الجماعة مجرد نشاط عسكري، بل أصبحت "سياسة حكم" شاملة تهدف إلى تحويل المجتمع اليمني من كيان ذي ولاءات متعددة إلى مجتمع "مؤدلج" وخاضع كلياً للقرار المركزي في صنعاء، وهو ما جعل من أي محاولة لفك الارتباط بها مستقبلاً تحدياً ليس فقط سياسياً، بل اجتماعياً وأمنياً معقداً.

المرحلة الثانية (2022): التحول من التعبئة المؤقتة إلى "الاحتياط الاستراتيجي"

مثّل عام 2022 نقطة تحول استراتيجية في بنية الحوثيين العسكرية، حيث أتاحت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان من ذلك العام بيئة "اللاحرب واللاسلم" التي استغلتها الجماعة ببراعة لتحويل التعبئة من نشاط طوارئ لتعويض الخسائر البشرية، إلى ركيزة دائمة لبناء "احتياط استراتيجي" طويل الأمد. وخلال هذه الفترة، توقفت العمليات العسكرية واسعة النطاق، مما خفف من ضغط الاستنزاف، وسمح للجماعة بالانتقال إلى مرحلة "الهيكلة النوعية".

استغلت الجماعة هذه التهدئة لإعادة ترتيب صفوفها عسكرياً وتنظيمياً، حيث عملت على استيعاب عناصر جديدة وإخضاعهم لبرامج تدريبية مكثفة، بعيداً عن أهوال الجبهات المباشرة. ويشير مراقبون إلى أن هذه المرحلة شهدت تكريس مفهوم "التعبئة كاستراتيجية للمحافظة على القوة"، حيث لم تعد التعبئة ترتبط فقط بسير المعارك، بل أصبحت عملية إدارية مستمرة تهدف إلى الحفاظ على جاهزية بشرية عالية، وضمان ولاء هيكلي شامل عبر شبكات "المشرفين" التي أحكمت قبضتها على كافة مفاصل الدولة، من المؤسسات التعليمية وحتى الهيئات الاقتصادية[5].

ولقد وفرت هذه الحالة من الجمود العسكري فرصة ذهبية للحوثيين لترسيخ "دولة الظل" التي بنوها؛ فبينما كانت المفاوضات السياسية تجري في مسارات معقدة — بدءاً من القنوات السرية مع الرياض وصولاً إلى خارطة الطريق الشاملة — كانت الجماعة تعمل على الأرض على دمج مؤسسات الدولة الرسمية ضمن نظام "اقتصاد الحرب" الخاص بها. هذا الاندماج لم يكن مجرد وسيلة لتمويل العمليات العسكرية، بل كان وسيلة لضمان السيطرة السياسية، حيث تم ربط الرواتب والموارد المالية بالولاء التنظيمي، مما جعل من مؤسسات الدولة — بما في ذلك البنك المركزي في صنعاء وهيئات الضرائب والجمارك — أدوات لترسيخ نفوذ الجماعة بعيداً عن أي رقابة[6].

وعلى الرغم من محاولات إشراك الجماعة في مسارات السلام، إلا أنها استخدمت حالة التهدئة لتعزيز قدراتها الذاتية، معتبرة أن أي اتفاق مستقبلي لا يجب أن يمس هذه البنية المؤسسية التي أسستها. وبحلول نهاية عام 2022، كان الحوثيون قد نجحوا في تحويل فترة الهدنة إلى "مرحلة إعداد شامل"، حيث أصبحت التعبئة جزءاً لا يتجزأ من هوية سلطتهم، مما جعل من عملية تفكيك أو إصلاح هذه الهياكل تحدياً وجودياً يصعب تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة[7]. لقد أثبتت الجماعة، من خلال هذا التحول، أنها لا تسعى لمجرد إنهاء النزاع، بل لإعادة صياغة الدولة اليمنية لتكون "كياناً موازياً" يصعب دمجُه أو احتواؤه، مستغلة في ذلك التوازنات الإقليمية الهشة والمصالح المتبادلة مع الفاعلين الدوليين.

المرحلة الثالثة (2023-2024): التعبئة المجتمعية الشاملة تحت شعار "طوفان الأقصى"

مثّلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 نقطة انعطاف استراتيجية في مشروع الحوثيين، حيث نجحت الجماعة في تحويل صدمة "طوفان الأقصى" إلى محرك رئيسي لأضخم عملية تعبئة شعبية في تاريخها. لقد انتقلت الجماعة من حالة "الاستقرار المتوتر" إلى "التعبئة المجتمعية الشاملة"، مستغلةً التضامن العاطفي الجارف مع القضية الفلسطينية لكسر الحواجز الاجتماعية وتوسيع قاعدتها التنظيمية والعسكرية عبر إطلاق ما سُمي بـ"الدورات العسكرية المفتوحة – طوفان الأقصى"[8].

ولم تكن هذه الدورات مجرد تدريبات عسكرية عابرة، بل صُممت لتكون أداة مؤسسية لدمج قطاعات واسعة من المجتمع — من الطلاب والموظفين وحتى القيادات القبلية والمجتمعية — في البنية العسكرية للحركة. تشير التقديرات الأممية إلى قفزة نوعية في عدد مقاتلي الجماعة، حيث ارتفع من نحو 220 ألف مقاتل في عام 2022 إلى حوالي 350 ألفاً في عام 2024، مدفوعاً باستراتيجية مزدوجة تجمع بين الإغراء بالحوافز الغذائية والرواتب، وبين القمع الممنهج والتلقين الأيديولوجي في المدارس والجامعات والمخيمات الصيفية[9]. وتؤكد التقارير أن هذه التعبئة خلقت ما يُعرف بـ"قوات الحشد الشعبي"، التي تعمل كقوة احتياطية استراتيجية تهدف إلى إضفاء صبغة شعبية على العمل العسكري، رغم ما يكتنفها من مبالغات دعائية تهدف للردع الإقليمي[10].

وفي موازاة ذلك، استثمرت الجماعة عملياتها في البحر الأحمر وخليج عدن ليس فقط لتعطيل الملاحة الدولية فقط، بل كأداة "دعاية إقليمية" فعّالة عززت من شرعيتها داخلياً. من خلال تقديم نفسها كلاعب رئيسي في "محور المقاومة" ومواجهة القوى الدولية (الولايات المتحدة وبريطانيا)، استطاعت الجماعة تأطير الصراع وفق "الحتميات الثلاث": هزيمة إسرائيل، سحق المتحالفين معها، وانتصار الإسلام عبر "ثقافة الجهاد والاستشهاد". هذا الخطاب مكّن الجماعة من تجاوز الانقسامات المحلية وتوجيه السخط الشعبي نحو "العدو الخارجي"، مما أكسبها زخماً شعبياً غير مسبوق في المرتفعات الشمالية لليمن[11].

على الصعيد العملياتي، توجت هذه المرحلة بتكريس الجماعة كقوة إقليمية قادرة على التنسيق المباشر مع أطراف "محور المقاومة" (مثل المقاومة الإسلامية في العراق وحزب الله) وحتى عقد تحالفات انتهازية عابرة للأيديولوجيا مع جماعات مثل "حركة الشباب" الصومالية أو تنظيم القاعدة، بهدف تأمين خطوط التهريب وتوسيع النفوذ في بحر العرب والمحيط الهندي[12]. وبينما تواصل الجماعة محاولات إنتاج أسلحتها محلياً (لا سيما المسيّرات البسيطة والصواريخ قصيرة المدى)، فإن الاعتماد الاستراتيجي على التكنولوجيا والدعم الإيراني يظل عاملاً حاسماً في قدرتها على الاستمرار. ومن ثم فإن "طوفان الأقصى" لم يكن مجرد حدث عابر بالنسبة للحوثيين، بل كان "الوقود" الذي استخدموه لإتمام عملية عسكرة المجتمع بشكل كامل، مما جعل من أي تسوية مستقبلية رهينة لهذه التشكيلات العسكرية والمدنية التي باتت تشكل عصب السلطة في صنعاء[13].

المرحلة الرابعة (2025-2026): مأسسة التعبئة وتحويلها إلى "ركيزة حكم"

يمثل إعلان يونيو 2026 ذروة المشروع التعبوي للحوثيين، حيث انتقلت التعبئة من كونها "أداة حشد" مرتبطة بظروف الحرب أو التضامن الإقليمي، إلى "مأسسة هيكلية" تدمج المجتمع ضمن بنية الدولة العسكرية والأمنية. لم يعد الخطاب الحوثي يكتفي بدعوات التدريب أو الاستنفار، بل أعلن رسمياً عن قيام تشكيل تعبوي دائم — "قوات التعبئة العامة" — يمتلك صفة مؤسسية توازي المؤسسة العسكرية النظامية، ويضم في هيكله مئات الألوية والوحدات المنتشرة في كافة المربعات السكنية والقرى[14].

وتؤكد الدراسات والتحليلات المتخصصة أن هذا التشكيل الجديد يمثل محاكاة صريحة لنموذج "قوات الباسيج" الإيرانية؛ فهو ليس مجرد قوة قتالية، بل "أداة ضبط اجتماعي" منظمة تهدف إلى تعزيز الولاء التنظيمي، ومراقبة السكان في الأحياء، وتوسيع شبكات السيطرة السياسية. لقد تحول "مكتب التعبئة" الذي أُنشئ بقرار من عبد الملك الحوثي في مطلع 2024 إلى مركز ثقل إداري وعسكري، يمتلك صلاحيات واسعة تمتد من التدريب الميداني والجاهزية القتالية إلى الإسناد الأمني والإداري، مما جعل من هذه القوات صمام أمان داخلي يحمي الجماعة من أي تململ شعبي أو تآكل في قاعدتها الحاضنة[15].

تأتي مأسسة هذه القوة في توقيت يشهد تصاعداً في التوترات على جبهات جنوب اليمن، حيث تستخدم الجماعة سردية "مواجهة التهديدات الخارجية" — سواء عبر التلويح باستهداف أي نشاط إسرائيلي في "أرض الصومال" أو تعزيز الحضور في باب المندب — لتبرير استمرار الاستنفار العسكري[16]. هذا التضخم في القوة البشرية والمنظمة لا يخدم فقط أجندة الجماعة الإقليمية، بل يمثل "مصفوفة تصعيد" داخلية تضغط بها على الحكومة اليمنية والقوى القبلية المناوئة، محذرةً من أن أي مقاومة لتوسعها ستواجه بقوة تعبوية منظمة وجاهزة للقتال[17].

وبحلول منتصف عام 2026، بات واضحاً أن التعبئة العامة أصبحت "ركيزة وجودية" لنظام الحكم الحوثي؛ فهي تضمن تدفق الموارد البشرية، وتخلق مساراً للترقي السياسي للموالين، وتوفر وسيلة لإعادة توحيد الصفوف الداخلية في ظل وجود تباينات أو خلافات داخل أروقة الجماعة. ومع ذلك، فإن هذه المأسسة تحمل في طياتها مخاطر "الاستقرار المتوتر"؛ فبينما تمنح الجماعة تفوقاً تكتيكياً وقدرة على التهديد، فإنها تحاصر المجتمع اليمني في حالة صراع دائم، مما يجعل من أي تحول نحو الدولة المدنية أو السلام المستدام أمراً مستبعداً، طالما ظل بقاء الجماعة مرتبطاً باستدامة هذا "الهيكل العسكري الموازي" الذي لا يقبل الحلول الوسطى[18].

 

 

ثالثًا: تفكيك مضمون إعلان التعبئة العامة

 

أعلنت قوات التعبئة العامة التابعة لجماعة أنصار الله في 22 يونيو/حزيران 2026 الاستجابة الكاملة لدعوة زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي لرفع مستوى الجاهزية العامة، مؤكدة استعدادها الفوري لرفد القوات المسلحة بالمقاتلين متى ما صدرت التوجيهات بذلك. كما أوضح البيان أن قوات التعبئة تضم "مئات الآلاف" من العناصر و"مئات الألوية التعبوية"، مع استمرار برامج التدريب والتشكيل العسكري، وتعزيز التنسيق مع القوات المسلحة، والدعوة إلى الالتحاق بدورات التعبئة العسكرية المفتوحة تحت مسمى "طوفان الأقصى"، إلى جانب تأكيد ارتباط التعبئة بما وصفته الجماعة بـ"معادلة وحدة الساحات" ودعم القضية الفلسطينية. ويعد هذا الإعلان أكثر البيانات شمولاً بشأن مشروع التعبئة منذ بدء تأسيسه، إذ جمع بين الرسائل العسكرية والسياسية والأيديولوجية في إطار واحد.

ولا يقتصر مضمون البيان على الإعلان عن زيادة أعداد المقاتلين، بل يعكس انتقال مشروع التعبئة من كونه برنامجاً للتدريب المجتمعي إلى محاولة بناء احتياط بشري منظم يمكن استدعاؤه عند الحاجة. فقد حرص البيان على إبراز حجم القوة البشرية، واستمرار عمليات التدريب، وربطها بقيادة القوات المسلحة، بما يوحي بأن الجماعة تسعى إلى إضفاء طابع مؤسسي على التعبئة، باعتبارها مكوناً دائماً ضمن هيكلها الأمني والعسكري، وليس إجراءً استثنائياً مرتبطاً بظروف الحرب.

ويلاحظ كذلك أن البيان تجاوز البعد العسكري التقليدي، إذ دعا إلى استمرار الأنشطة المجتمعية والقبلية، وتعزيز "النفير العام"، والحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية، وهو ما يشير إلى أن مفهوم التعبئة لدى الجماعة يتجاوز التجنيد المسلح ليشمل إعادة تنظيم المجتمع داخل شبكات الولاء والتنظيم العقائدي. وبهذا المعنى، تتحول التعبئة إلى أداة للضبط الاجتماعي والسياسي، تستهدف توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في المشروع الحوثي، وترسيخ العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الجماعة.

ومن أبرز مضامين البيان أيضاً تأكيده على استمرار دورات "طوفان الأقصى"، التي أصبحت منذ أواخر عام 2023 إحدى الأدوات الرئيسة للتعبئة والتدريب في مناطق سيطرة الجماعة. ويشير الربط بين هذه الدورات وإعلان التعبئة العامة إلى أن الجماعة تنظر إليها بوصفها آلية لإنتاج احتياط بشري طويل الأمد، أكثر من كونها استجابة مؤقتة لتطورات الصراع في غزة. ويعكس ذلك اتجاهاً نحو مأسسة عمليات الحشد والتدريب ضمن برنامج دائم لإعداد الموارد البشرية العسكرية.

كما حمل البيان رسائل سياسية وإقليمية واضحة، إذ لم يقتصر على الحديث عن الشأن اليمني، وإنما ربط التعبئة بدعم الشعب الفلسطيني، والإشادة بإيران، والتأكيد على الانتماء إلى "محور المقاومة" و"وحدة الساحات". ويعكس هذا الربط محاولة الجماعة إعادة تعريف دورها باعتبارها فاعلاً إقليمياً، وليس مجرد طرف في النزاع اليمني، بما يعزز مكانتها السياسية داخل المحور الذي تقوده إيران، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة في التفاعلات الإقليمية.

ومن زاوية أخرى، فإن التأكيد المتكرر على الجاهزية الفورية لرفد القوات المسلحة، دون الإعلان عن تحريك واسع للقوات أو فتح جبهات جديدة، يشير إلى أن البيان يستهدف بالدرجة الأولى تعزيز الردع وإظهار الجاهزية أكثر من الإعلان عن قرار بالتصعيد العسكري. ويتسق ذلك مع استمرار حالة الجمود العسكري في معظم الجبهات اليمنية، التي وصفها المبعوث الأممي بأنها تتسم باستقرار خطوط التماس مع استمرار بعض التحركات العسكرية المحدودة، في وقت يظل فيه المسار السياسي الخيار الذي يحظى بدعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى مضمون إعلان التعبئة العامة باعتباره رسالة متعددة المستويات، تستهدف في الوقت نفسه الجمهور الداخلي، والأطراف الأخرى المحلية، والأطراف الإقليمية والدولية. فهو يؤكد استمرار قدرة الجماعة على الحشد والتنظيم، ويعزز صورة الجاهزية العسكرية، ويعيد إنتاج الخطاب التعبوي، دون أن يقدم مؤشرات قاطعة على اتخاذ قرار بالانتقال إلى حرب شاملة، الأمر الذي يجعل فهم البيان مرتبطاً بوظيفته السياسية والاستراتيجية بقدر ارتباطه بوظيفته العسكرية.

 

رابعًا: الأبعاد الاستراتيجية لإعلان التعبئة العامة

 

لا يمكن تفسير إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) عن التعبئة العامة باعتباره استجابة عسكرية مباشرة لتطور ميداني طارئ، بل يعكس تحولًا في مقاربة الجماعة لإدارة الصراع في مرحلة تتسم بجمود الجبهات البرية واستمرار التعثر في المسار السياسي. فالتوقيت الذي جاء فيه الإعلان، بالتوازي مع تعثر المفاوضات بشأن الملفات الاقتصادية، واستمرار التوتر في البحر الأحمر، وتصاعد التنافس الإقليمي، يشير إلى أن التعبئة تمثل أداة استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية والعسكرية أكثر من كونها تمهيدًا لحرب شاملة.

ومن هذا المنظور، تؤدي التعبئة العامة وظائف متداخلة تتجاوز البعد العسكري، إذ تُمكّن الجماعة من الحفاظ على مستوى مرتفع من الجاهزية والردع، وتعزيز تماسكها الداخلي، وإعادة إنتاج شرعيتها السياسية، وتحسين موقعها التفاوضي، فضلًا عن توجيه رسائل ردع إلى الأطراف الإقليمية والدولية بشأن قدرتها على التحكم بمسارات التصعيد أو الاحتواء. كما تمنحها مرونة استراتيجية تسمح بالانتقال بين أدوات الضغط السياسي والعسكري وفقًا لمتغيرات البيئة الإقليمية، دون التخلي عن خيار التفاوض أو الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق.

  1. ترسيخ سلطة الجماعة وإعادة إنتاج الشرعية الداخلية

يعكس إعلان التعبئة العامة استمرار التحول البنيوي الذي شهدته جماعة الحوثي خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد مسلحة إلى سلطة أمر واقع تمارس وظائف الدولة في مناطق سيطرتها. وفي هذا السياق، لم تعد التعبئة العامة وسيلة لتوفير المقاتلين فحسب، بل أصبحت إحدى أدوات الحوكمة الأمنية والاجتماعية التي توظفها الجماعة لإدارة المجتمع، وتعزيز السيطرة المؤسسية، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والفاعلين المحليين.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل استمرار انخفاض وتيرة العمليات العسكرية واسعة النطاق منذ هدنة عام 2022، الأمر الذي دفع الجماعة إلى نقل مركز الثقل من إدارة المعارك إلى إدارة المجال الاجتماعي والسياسي. ومن ثم، يمكن فهم التعبئة العامة باعتبارها وسيلة للحفاظ على حالة الاستنفار المجتمعي وإدامة التعبئة السياسية، بما يضمن استمرار الولاءات التنظيمية ويحول دون تراجع الزخم التعبوي خلال فترات الجمود العسكري.

وتشير التطورات التي أعقبت إعلان التعبئة إلى أن الجماعة لم تكتفِ بإصدار الإعلان، بل سعت إلى ترجمته عمليًا عبر تكثيف اللقاءات القبلية وفعاليات "النفير العام" في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها. كما أن هذه الفعاليات لم تقتصر على الدعوة إلى رفع الجاهزية، وإنما نُظِّمت بالتنسيق مع أجهزة التعبئة العامة التابعة للجماعة، بما يعكس وجود آلية تنظيمية تستهدف دمج القبائل ضمن منظومة التعبئة العسكرية والسياسية، وتحويل الولاء القبلي إلى مورد تعبوي يخدم أهداف الجماعة. وفي المقابل، برزت دعوات إلى "النكف القبلي" في محافظة الجوف، أعقبها حشد قبلي مناهض للجماعة واستنفار متبادل بين الطرفين، الأمر الذي يكشف أن القبيلة أصبحت ساحة تنافس بين الفاعلين المحليين، وليست مجرد حاضنة اجتماعية محايدة. ويعكس هذا التوازي أن التعبئة العامة تؤدي وظيفة تتجاوز تعزيز القدرات العسكرية، إذ تُستخدم أيضًا لإعادة تشكيل العلاقة مع البنية القبلية من خلال استيعاب القبائل داخل شبكات الولاء المرتبطة بالجماعة، وفي الوقت نفسه احتواء أو موازنة أي تحركات قبلية مستقلة قد تتحول إلى مراكز ضغط أو نفوذ منافسة، بما يعزز قدرة الجماعة على إدارة المجال الاجتماعي والأمني في مناطق سيطرتها[19].

كما أظهرت التطورات الميدانية اللاحقة أن الإعلان ترافق مع تصاعد مؤشرات الاحتكاك العسكري المحدود، من بينها المواجهات التي شهدها الساحل الغربي في منطقة حيس، والتي أسفرت عن سقوط قتلى في صفوف القوات الحكومية، بما يعكس أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على مستوى من الضغط العسكري المحسوب دون الانتقال إلى مواجهة شاملة، بما يخدم أهدافها السياسية ويعزز سرديتها القائمة على استمرار الجاهزية القتالية.

وعلى المستوى السياسي، أسهمت أزمة هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء في الثالث من يوليو/تموز 2026 وما أعقبها من تصعيد في الخطاب الحوثي تجاه السعودية في إعادة توظيف خطاب "المقاومة" بوصفه إطارًا جامعًا للتعبئة العامة. فقد قدّمت الجماعة الحادثة باعتبارها دليلًا على استمرار ما تصفه بـ"الحصار السعودي الأمريكي"، وربطت بين تشغيل مطار صنعاء والدفاع عن السيادة الوطنية، مهددةً باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية إذا تكررت محاولة منع هبوط الطائرات، ومؤكدةً استمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران باعتبارها خطوة لـ"كسر الحصار". وفي السياق نفسه، لم يقتصر الخطاب على التهديدات العسكرية، بل اقترن بدعوات صريحة إلى مواصلة "النفير العام" وتعزيز "التعبئة العامة" والالتحاق بالدورات العسكرية المفتوحة، مع تأكيد جاهزية القوات لتنفيذ توجيهات قيادة الجماعة في إطار ما وصفته بـ"فك الحصار" و"إنهاء الوجود العسكري الأجنبي". ويكشف هذا الترابط بين الأزمة السياسية والتعبئة الداخلية أن الجماعة سعت إلى تحويل حادثة محددة إلى أداة لإعادة إنتاج شرعيتها الداخلية، عبر دمج القضايا المحلية، مثل تشغيل مطار صنعاء والملفات الاقتصادية، ضمن سردية صراع إقليمي أوسع. وبهذه الآلية، لم تعد التعبئة العامة مجرد استجابة لتهديد أمني مباشر، بل أصبحت وسيلة لإضفاء الشرعية على استمرار الحشد العسكري والسياسات الأمنية، وتعزيز تماسك القاعدة الاجتماعية والتنظيمية من خلال تقديم المواجهة مع السعودية بوصفها امتدادًا لمعركة الدفاع عن السيادة ومقاومة الحصار، وليس مجرد خلاف حول إدارة المطار أو الملفات الاقتصادية[20].

وتنسجم هذه الممارسات مع أدبيات حوكمة الجماعات المسلحة (Rebel Governance)، التي ترى أن الجماعات المسلحة، بعد ترسيخ سيطرتها الإقليمية، تميل إلى بناء مؤسسات أمنية وإدارية واجتماعية موازية للدولة بهدف إضفاء الطابع المؤسسي على سلطتها، وتعزيز شرعيتها، والانتقال تدريجيًا من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها إلى توظيف أدوات الإدارة والضبط الاجتماعي بوصفها مصادر أكثر استدامة للنفوذ السياسي. ومن هذا المنطلق، تبدو التعبئة العامة جزءًا من استراتيجية بعيدة المدى لإعادة إنتاج السلطة، أكثر من كونها استجابة ظرفية لتطورات عسكرية آنية.

  1. تعزيز أوراق الضغط في العملية التفاوضية

تمثل التعبئة العامة، في ظل الانسداد السياسي الراهن ولا سيما تعثر ملفات الرواتب والإيرادات والمؤسسات السيادية، آلية ضغط استراتيجية تهدف إلى إعادة هندسة موازين القوى التفاوضية دون الانزلاق بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة. فمنذ الهدنة الأممية في أبريل/نيسان 2022، اتجهت جماعة الحوثي إلى توظيف أدوات الضغط العسكري والاقتصادي بصورة متزامنة مع المسار التفاوضي، بحيث أصبحت التعبئة جزءًا من استراتيجية "الإكراه التفاوضي" (Coercive Bargaining)، التي تقوم على رفع تكلفة استمرار الوضع القائم بالنسبة للخصوم، مع الإبقاء على باب التسوية مفتوحًا. وفي هذا السياق، لا تستهدف التعبئة تحقيق الحسم العسكري بقدر ما تهدف إلى تحسين شروط التفاوض وإجبار الأطراف المقابلة على تقديم تنازلات في الملفات الاقتصادية والسيادية.

وقد استخدمت الجماعة خلال مفاوضاتها مع السعودية والحكومة اليمنية مزيجًا من الضغوط العسكرية والاقتصادية بالتوازي مع استمرار المباحثات، حيث تزامنت المفاوضات مع استهداف موانئ تصدير النفط الحكومية والتهديد بتكرار الهجمات إذا لم تُلبَّ مطالبها المتعلقة بصرف الرواتب وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة. وهذه السياسة أسهمت في إضعاف الموارد المالية للحكومة المعترف بها دوليًا، وزادت من الضغوط الواقعة عليها، الأمر الذي منح الحوثيين موقعًا تفاوضيًا أكثر قوة في المباحثات مع السعودية.

تدمج الاستراتيجية الحوثية بين المسارين العسكري والاقتصادي كأدوات تكاملية لتعزيز نفوذهم التفاوضي، حيث تُوظف السيطرة على الموارد والإيرادات بالتوازي مع أدوات الردع الميداني. تهدف هذه المقاربة إلى تقليص قدرة الحكومة المعترف بها شرعيًا على الوصول إلى مصادر الدخل، مما يضعف موقفها على طاولة المفاوضات، ويمنح الجماعة في المقابل قدرة أكبر على فرض شروطها المتعلقة بإدارة المؤسسات الاقتصادية والرواتب والموارد الوطنية.

وفي هذا الإطار، تمنح التعبئة العامة الجماعة مرونة تكتيكية عالية، إذ تتيح لها الانتقال بين التصعيد والتهدئة وفق مقتضيات العملية التفاوضية. ولذلك، فإن تصاعد الخطاب التعبوي وإظهار الجاهزية العسكرية لا يعني بالضرورة وجود قرار بالعودة إلى الحرب، بل يمثل إشارة ردعية تستهدف التأثير في حسابات الأطراف الأخرى ورفع كلفة رفض المطالب الحوثية. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في المفاوضات المتعلقة بملف الرواتب، حيث اقترنت المطالب السياسية والاقتصادية بتهديدات باستهداف منشآت النفط أو توسيع العمليات العسكرية، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار كامل للمسار التفاوضي[21].

ومن ثم، يمكن فهم التعبئة العامة بوصفها أحد مكونات استراتيجية الردع السياسي التي تعتمدها الجماعة، إذ تؤدي وظيفة مزدوجة تتمثل في المحافظة على الجاهزية العسكرية من جهة، وتعزيز القدرة التفاوضية من جهة أخرى. وبهذا المعنى، لا تقتصر التعبئة على كونها استعدادًا لاحتمال المواجهة، بل تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل البيئة التفاوضية عبر زيادة الضغوط النفسية والسياسية والاقتصادية على الأطراف الأخرى، بما يدفعهم إلى إعادة تقييم تكلفة استمرار الجمود مقارنة بتقديم تنازلات في الملفات الخلافية. ويعكس هذا السلوك نمطًا تفاوضيًا بات متكررًا في السنوات الأخيرة، يقوم على توظيف التهديد بالقوة بصورة محسوبة لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية، مع الإبقاء على خيار التهدئة المشروطة أكثر ترجيحًا من العودة إلى حرب مفتوحة[22].

  1. المحافظة على توازن الردع ومنع تغيير الوضع القائم

تتحول إعلانات التعبئة العامة من مجرد حشد عسكري تقليدي إلى أداة استراتيجية محورية تهدف إلى تثبيت معادلات الردع والحفاظ على الوضع القائم، وذلك في مواجهة أي مساعٍ لإعادة رسم موازين القوى. فمنذ توقف العمليات البرية الكبرى، تحول التركيز نحو إبراز القدرة على الاستدامة العسكرية والجاهزية المستمرة بدلاً من السعي وراء مكاسب ميدانية فورية، وذلك عبر برامج التدريب وتوسيع الاحتياط البشري والعروض العسكرية. تهدف هذه الإجراءات إلى إيصال رسالة واضحة للخصوم بأن أي خيار للعودة إلى المواجهة الشاملة سيصطدم بكيان يمتلك قدرة عالية على تعويض خسائره، مما يرفع الكلفة السياسية والمادية لأي محاولة حسم عسكري. وقد أثبتت الضربات الجوية الخارجية، رغم تأثيرها التكتيكي، محدودية فاعليتها في تقويض هذه القدرات القتالية، نظراً للاعتماد على بنية عسكرية لامركزية ووحدات متحركة قادرة على إعادة البناء المستمر، مما يعزز الثقة بالصمود طويل الأمد[23].

وتنسجم هذه المقاربة مع مبادئ الحرب غير المتكافئة، حيث تكتسب المصداقية الردعية قوتها من قدرة الفاعل المسلح على إقناع خصومه بامتلاكه "نفسًا طويلًا" في الصراع. ولا تقتصر التعبئة على الجانب الكمي للقوة البشرية، بل تهدف إلى تكريس صورة تنظيمٍ محصن ضد الضغوط الاقتصادية والعسكرية، قادرٍ على الاحتفاظ بترسانته الأساسية بفضل انتشار مخازن الأسلحة في التضاريس الجبلية والقدرة على ترميم القدرات دوريًا، مما يجعله بعيداً عن الاستنزاف الكامل[24]. ولا ينفصل هذا الهدف عن المسار السياسي، إذ يُنظر إلى هذه الجاهزية كعنصر ضغط يمنع الأطراف الأخرى من الاعتقاد بجدوى فرض تسوية بالقوة، ويؤكد استحالة إقصاء هذا الطرف من أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية، مع تعزيز هامش الاستقلالية الاستراتيجية من خلال تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة[25].

في المقابل، يثير هذا التصعيد التعبوي ما يعرف بـ "معضلة الأمن"، حيث قد يُساء فهم الإجراءات التي يراها الطرف الحوثي دفاعية أو رادعة، فتُفسَّر من قبل الأطراف الأخرى كاستعدادات هجومية، مما يدفعهم نحو إجراءات مضادة تخلق دوامة تصعيد غير مقصودة. ومع ذلك، يظل الهدف الجوهري هو تثبيت معادلة ردع تمنع الأطراف الأخرى من اختبار ميزان القوى، مع إبقاء المسار السياسي مفتوحًا. وبذلك، تُعد التعبئة العامة وسيلة لإدارة الصراع لا للحسم العسكري، حيث تُسهم في رفع تكلفة الإخلال بالوضع القائم، وتدفع الأطراف الأخرى نحو تفضيل التهدئة. ومع ذلك، يظل نجاح هذه الاستراتيجية رهناً بضبط الإشارات العسكرية بدقة، لتجنب سوء التقدير الذي قد يحول الردع إلى مواجهة فعلية في بيئة إقليمية تتداخل فيها الحسابات المحلية بالتعقيدات الدولية.

  1. التعبئة العامة: أداة لاحتواء الضغوط الداخلية وتثبيت الولاء الاجتماعي

لا يقتصر البعد الاستراتيجي للتعبئة العامة على الجوانب العسكرية والخارجية فحسب، بل يمتد ليشكل أداة حيوية لإدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الجماعة في مناطق سيطرتها. ففي ظل تفاقم الأزمات المعيشية، وتراجع مستوى الخدمات، واستمرار أزمة صرف الرواتب وارتفاع معدلات الفقر، تجد سلطة الأمر الواقع نفسها أمام ضغوط شعبية متزايدة تهدد تماسك حاضنتها الاجتماعية. ومن هنا، تُوظف التعبئة كآلية احتواء سياسي تهدف إلى إعادة صياغة الأولويات الوطنية، عبر توجيه الخطاب العام نحو التهديدات الخارجية وربط المعاناة الاقتصادية باستمرار الحرب والعقوبات، مما يسهم في تخفيف حدة الاحتقان الداخلي وتحويل مسار النقمة الشعبية.

إلى جانب وظيفتها الخطابية، تمنح التعبئة الجماعة إطاراً تنظيمياً متماسكاً يتيح لها استيعاب فئات الشباب ضمن برامج تدريبية وهياكل شبه عسكرية؛ وهو ما يعزز الارتباط المؤسسي بين المجتمع والجماعة ويقوي الولاءات المحلية. إن هذا النمط من الربط التعبوي يعمل بمثابة صمام أمان يحد من احتمالات التآكل التدريجي للقاعدة الاجتماعية، ويضمن للجماعة الحفاظ على تماسكها الداخلي في مواجهة التحديات الإنسانية والاقتصادية المتصاعدة، مما يحول التعبئة من مجرد إجراء أمني إلى أداة لترسيخ السيطرة وضبط النسيج الاجتماعي في الأوقات العصيبة.

  1. التعبئة العامة: طموح التمدد الإقليمي وتجاوز النطاق المحلي

تكتسب التعبئة العامة أبعاداً تتجاوز حدود النزاع اليمني لتتحول إلى أداة جيوسياسية تعيد صياغة دور الجماعة ضمن خارطة التوازنات الإقليمية المتغيرة. فمن خلال ربط الإجراءات التعبوية بمفاهيم استراتيجية مثل "وحدة الساحات" ودعم القضية الفلسطينية، تسعى الجماعة إلى تجاوز توصيفها كطرف محلي في صراع أهلي، وتقديم نفسها كفاعل إقليمي مؤثر يمتلك القدرة على التأثير في معادلات الأمن الدولي، لا سيما في الممرات المائية الحيوية كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب. إن هذا الخطاب يهدف إلى تأكيد حضورها في قلب الصراع الإقليمي الممتد بين إيران وإسرائيل، مما يمنحها وزناً نوعياً في الحسابات الاستراتيجية للأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط.

علاوة على ذلك، توظف الجماعة هذه الاستراتيجية لتعزيز أهميتها في نظر حلفائها الإقليميين، وإثبات استمرارية كفاءتها التنظيمية وقدرتها على الحشد. إن ترسيخ هذا التموضع الإقليمي يمنح الجماعة هامشاً أوسع للمناورة السياسية؛ فهي لا تسعى فقط إلى تثبيت أقدامها، بل تهدف إلى حجز مقعد رئيسي في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية تتعلق بمسارات خفض التصعيد في المنطقة أو تأمين طرق الملاحة الدولية. وبذلك، تتحول التعبئة من مجرد إجراء عسكري داخلي إلى ورقة ضغط وتفاوض إقليمية، ترفع من رصيد الجماعة وتجعل منها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي هندسة جديدة لأمن الإقليم.

  1. مخاطر سوء التقدير الاستراتيجي: حافة التصعيد في ظل "إدارة الردع"

على الرغم من أن المؤشرات الراهنة لا ترجح توجه الجماعة نحو شن حرب شاملة، إلا أن التوسع المستمر في التعبئة والخطاب التصعيدي يرفع من مخاطر سوء التقدير الاستراتيجي. ففي بيئة إقليمية معقدة تتسم بغياب الثقة وتعدد الفاعلين، وتداخل الملف اليمني مع التفاعلات في البحر الأحمر، قد تُفسَّر الرسائل التي تهدف في الأصل إلى تعزيز "الردع" على أنها نوايا هجومية وشيكة. هذا التباين في قراءة الإشارات قد يدفع الأطراف الأخرى نحو اتخاذ إجراءات استباقية، مما يخلق ديناميكيات تصعيدية يصعب احتواؤها، لا سيما إذا تآكلت فاعلية قنوات الاتصال السياسي بين الأطراف المنخرطة في الأزمة.

 

بناءً على ذلك، لا يبدو أن الخطر يكمن في إعلان التعبئة كقرار مباشر للحرب، بل في احتمالية تحول التفاعلات الردعية إلى مواجهة غير مقصودة. وعليه، فإن المآل الأكثر ترجيحاً للصراع هو الدخول في مرحلة جديدة من "إدارة الردع المتبادل"، حيث تُستثمر التعبئة العامة كأداة لتعزيز المواقع السياسية والعسكرية، مع الإبقاء على خيار التصعيد وسيلة للضغط السياسي لا هدفاً استراتيجياً بحد ذاته. ومع ذلك، يظل نجاح هذا النهج مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على ضبط إيقاع التنافس وحماية خطوط التواصل، لتجنب الانزلاق إلى صدام واسع النطاق تتجاوز تبعاته الحسابات المرسومة.

 

خامسًا: الخاتمة

 

تشير المعطيات المتاحة إلى أن إعلان جماعة الحوثيين التعبئة العامة يمثل في المقام الأول  أداة استراتيجية متعددة الوظائف، تتجاوز البعد العسكري المباشر لتشمل تعزيز الجاهزية، وإعادة إنتاج الردع، وترسيخ التماسك الداخلي، وتحسين الموقع التفاوضي في ظل استمرار حالة الجمود العسكري والسياسي. ومن ثم، فإن الخطاب التعبوي الراهن يعكس سعي الجماعة إلى إدارة بيئة الصراع وإعادة تشكيل معادلاته، أكثر مما يعكس قرارًا وشيكًا بالانتقال إلى مواجهة عسكرية واسعة.

 

كما يظهر أن سلوك الجماعة يظل محكومًا بجملة من الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية التي تفرض قيودًا على خيارات التصعيد، في الوقت الذي تُبقي فيه على هامش من المرونة يسمح باستخدام التهديد بالقوة أو التصعيد المحدود كأداة للضغط السياسي والعسكري عند الحاجة. ويعني ذلك أن تطور الموقف سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسار المفاوضات اليمنية، ومستوى التوتر في البحر الأحمر، وطبيعة التفاعلات الإقليمية، ولا سيما العلاقة بين إيران وإسرائيل، ومدى انعكاسها على الساحة اليمنية.

وبناءً على ذلك، فإن تقييم اتجاهات الأزمة ينبغي أن يستند إلى متابعة المؤشرات العملياتية الفعلية، وليس إلى الخطاب التعبوي وحده. وتبرز في هذا السياق أهمية مراقبة حجم الحشود العسكرية، وأنماط إعادة انتشار القوات، ومستوى الجاهزية القتالية، وتطور النشاط البحري، إلى جانب مسار الاتصالات السياسية والوساطات الإقليمية والدولية. فهذه المؤشرات ستكون أكثر قدرة على تحديد ما إذا كانت التعبئة العامة ستظل أداة لإدارة الصراع وتعزيز الردع، أم أنها ستتحول إلى مقدمة لتغيير في طبيعة ومستوى العمليات العسكرية.

وعليه، يخلص هذا التقدير إلى أن خطاب التعبئة العامة، في الظروف الراهنة، ينبغي فهمه بوصفه جزءًا من استراتيجية إدارة الصراع وإعادة التموضع السياسي والعسكري، وليس باعتباره مؤشرًا منفردًا على قرب اندلاع حرب شاملة. ومع ذلك، فإن استمرار البيئة الإقليمية في إنتاج بؤر توتر جديدة، أو تعثر المسار السياسي، قد يرفع من مستوى المخاطر، الأمر الذي يستدعي متابعة مستمرة للمؤشرات الميدانية والسياسية بوصفها الأساس الأكثر موثوقية لتقدير اتجاهات الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

 

***

 

 

 

 

 

 

 

 

إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.

 

 

 

[1] تتزامن التعبئة الحوثية مع ضغوط اقتصادية وإنسانية متفاقمة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي تضم الكتلة السكانية الأكبر في اليمن. ووفق إحاطة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أمام مجلس الأمن (يونيو 2026)، يواجه أكثر من 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، ويعاني 2.2 مليون طفل من سوء التغذية، بينهم 537 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، فيما يحتاج أكثر من 19 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، ويحتاج 17.8 مليون شخص إلى خدمات صحية. كما لم تتجاوز تغطية خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 نسبة 15% من الاحتياجات التمويلية البالغة 2.5 مليار دولار، بعجز يتجاوز 2.1 مليار دولار، بالتزامن مع تراجع التمويل الإنساني بأكثر من 60% مقارنة بالسنوات الأولى للصراع. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في المحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، التي تستوعب النسبة الأكبر من السكان والاحتياجات الإنسانية، في ظل استمرار أزمة الرواتب، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، بما يزيد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تسعى الجماعة إلى احتوائها عبر توظيف خطاب التعبئة العامة.

[2] Edith M. Lederer, "Iran's Help Has Transformed Yemen's Houthi Rebels into a Potent Military Force, UN Experts Say," Associated Press, November 3, 2024, https://apnews.com/article/houthis-yemen-united-nations-sanctions-2368b285b8872d08008998cbb8453a2a

United Nations Panel of Experts on Yemen. Final Report of the Panel of Experts on Yemen Pursuant to Security Council Resolution 2140 (2024). New York: United Nations Security Council, 2024. https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n24/194/59/pdf/n2419459.pdf

[3] Human Rights Watch. "Yemen: Prioritize Protection of Children; Include Children’s Rights in Potential Peace Agreement." November 20, 2023. https://www.hrw.org/news/2023/11/20/yemen-prioritize-protection-children

[4] Eleonora Ardemagni, Beyond the Axis: Yemen's Houthis are Building their 'Network of Resistance', Royal United Services Institute (RUSI), November 18, 2024.  https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/beyond-axis-yemens-houthis-are-building-their-network-resistance

[5] Edith M. Lederer, op. cit.

[6] Andrea Carboni, “The Houthi Movement and the Management of Instability in Wartime Yemen,” Civil Wars, published online January 9, 2025, https://doi.org/10.1080/13698249.2024.2347144

[7] Sana'a Center for Strategic Studies. The Yemen Review 2023. Sana'a: Sana'a Center for Strategic Studies, February 2024. https://sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/21871

[8] Luca Nevola, “The Houthis’ Militarization Machine: The Group's Strategic Shift: Mobilizing for Palestine and Expanding Regional Influence,” Istituto per gli Studi di Politica Internazionale (ISPI), December 17, 2024, https://www.ispionline.it/en/publication/the-houthis-militarization-machine-194526

[9] Eleonora Ardemagni, op. cit.

[10] Luca Nevola, op. cit.

[11] Luca Nevola, op. cit.

[12] Eleonora Ardemagni, op. cit.

[13] Fabian Hinz, “Made in Yemen? Assessing the Houthis’ Arms-Production Capacity,” Missile Dialogue Initiative, International Institute for Strategic Studies (IISS), April 10, 2025, https://www.iiss.org/online-analysis/missile-dialogue-initiative/2025/04/made-in-yemen-assessing-the-houthis-arms-production-capacity/

[14] South24 Center, “Houthi Leader Signals Internal War Readiness, Threatens Israeli Activity in Somaliland,” South24 Center, June 25, 2026, https://south24.net/news/newse.php?nid=5565

[15] يمن فيوتشر، مصدر سابق.

[16] South24 Center, ibid.

[17] يمن فيوتشر، مصدر سابق.

[18] يمن فيوتشر، مصدر سابق.

[19] الجزيرة نت، "من مطار صنعاء إلى تهامة.. كيف اشتعل التصعيد في اليمن؟"، 5 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع 7 يوليو 2026، https://www.ajnet.me/news/2026/7/5/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D9%8A%D9%85%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-15-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9 

[20] حسن حيدر ويورونيوز، "طائرة إيرانية تعيد التوتر بين الحوثيين والسعودية.. وتهديد باستهداف مطارات ومصالح المملكة،" يورونيوز عربي، 3 يوليو 2026، تاريخ الاطلاع 7 يوليو 2026، https://arabic.euronews.com/2026/07/03/the-houthis-issue-a-threat-to-saudi-arabia-after-the-iranian-plane-incident

[21] Sana'a News Journal, "Catching Up on the Back-Channel Peace Talks in Yemen," July 7, 2026, accessed July 7, 2026, https://www.sanaanewsjournal.com/article/660840135-catching-up-on-the-back-channel-peace-talks-in-yemen

[22] Eleonora Ardemagni, "The Houthis’ Economic War Threatens Lasting Peace in Yemen," Arab Gulf States Institute in Washington, June 15, 2023, accessed July 7, 2026, https://agsi.org/analysis/the-houthis-economic-war-threatens-lasting-peace-in-yemen/

[23] Baraa Shiban, "Bombing Yemen’s Houthis: Not a Long-Term Strategy," Royal United Services Institute (RUSI), January 16, 2024, accessed July 7, 2026, https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/bombing-yemens-houthis-not-long-term-strategy

[24] Mariel Ferragamo and Kali Robinson, "Iran’s Support of the Houthis: What to Know," Council on Foreign Relations, updated April 10, 2026, accessed July 7, 2026, https://www.cfr.org/articles/irans-support-houthis-what-know

[25] Eleonora Ardemagni, op. cit.

The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.

Comments
الأبعاد الاستراتيجية لخطاب التعبئة العامة الحوثي - | Yemen & Gulf Center for Studies