دخل الصراع اليمني مرحلة لم يعد من الممكن معها التعامل مع اليمن بوصفه ملفًا منفصلًا عن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط. فخلال السنوات الماضية، جرى النظر إلى الحرب اليمنية في كثير من الأحيان باعتبارها نزاعًا داخليًا طال أمده، أو ساحة إضافية للتنافس السعودي ـ الإيراني، أو أزمة إنسانية تتطلب تسوية سياسية ومساعدات دولية. غير أن التطورات المتراكمة أعادت تعريف موقع اليمن في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وجعلت من الجغرافيا اليمنية نقطة تماس مباشرة بين أمن الخليج، والبحر الأحمر، وحرية الملاحة، وتدفقات الطاقة والتجارة، والصراع على النفوذ في المنطقة.
تكمن المشكلة في أن السياسة الدولية تجاه اليمن ما زالت، إلى حد كبير، أسيرة الفصل بين هذه الملفات. فبرنامج إيران النووي يُناقش في مسار، ونفوذها الإقليمي في مسار آخر، وأمن الخليج في مسار ثالث، وحماية الملاحة في البحر الأحمر في مسار رابع، بينما تُدار الأزمة اليمنية باعتبارها ملفًا سياسيًا وإنسانيًا قائمًا بذاته. إلا أن هذه الملفات تتقاطع على نحو واضح في اليمن؛ إذ إن السيطرة على جزء من الجغرافيا اليمنية من جانب جماعة مسلحة ذات قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وشبكات إمداد ودعم خارجي، تمنح إيران قدرة على التأثير في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وتتيح نقل الصراع من البر اليمني إلى المجال البحري الدولي.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل واشنطن في سبتمبر 2026 ليس فقط كيف يمكن احتواء الهجمات الحوثية على السفن، وإنما كيف يمكن إنهاء الظروف السياسية والعسكرية والجغرافية التي تجعل هذه الهجمات ممكنة أصلًا. فالمشكلة لا تبدأ عندما يُطلق الصاروخ من الساحل اليمني، وإنما تبدأ عندما تصبح هناك سلطة مسلحة خارج إطار الدولة قادرة على امتلاك الساحل والموانئ وممرات الإمداد واستخدامها لفرض معادلات تتجاوز حدود اليمن.
وقد أكدت التطورات الأخيرة أن التهديد لم يعد افتراضًا استراتيجيًا. فقد وثقت الأمم المتحدة عودة الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر خلال يوليو وأغسطس 2026، وحذرت من أن استمرارها يهدد حرية الملاحة ويزيد مخاطر انخراط اليمن بصورة أعمق في المواجهة الإقليمية. كما مدّد مجلس الأمن في يوليو 2026 آلية الإبلاغ المتعلقة بهجمات الحوثيين على السفن التجارية حتى يناير 2027، بما يعكس استمرار اعتبار أمن الملاحة في البحر الأحمر قضية ذات صلة مباشرة بالسلم والأمن الدوليين.
الأهم من ذلك أن موقع اليمن يمنح هذا التهديد وزنًا يتجاوز حجم الاقتصاد اليمني أو قدراته العسكرية. فباب المندب ليس مجرد مضيق بحري يقع على هامش طرق التجارة العالمية، وإنما حلقة وصل بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ومن خلاله تتصل طرق الطاقة والتجارة القادمة من الخليج بمسار قناة السويس والأسواق الأوروبية. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر باب المندب بلغ 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من عام 2026، في حين بلغت التدفقات عبر قناة السويس وخط سوميد 5.8 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها.
وبذلك، فإن أي اضطراب مستدام في اليمن لا يبقى داخل حدوده. إنه ينتقل إلى تكلفة التأمين والشحن، وإلى خيارات شركات النقل البحري، وإلى أمن سلاسل الإمداد، وإلى قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات الجيوسياسية. وقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر دفع بعض السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة، بما يوضح كيف يمكن لتهديد مصدره الساحل اليمني أن يتحول إلى تكلفة اقتصادية عالمية.
من هنا، فإن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم «مشكلة بحرية» فقط يختزل طبيعة التهديد. فالقوة البحرية تستطيع حماية سفينة، واعتراض صاروخ، وتدمير منصة إطلاق، ورفع تكلفة الهجمات، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تنتج نظامًا أمنيًا مستقرًا في البحر الأحمر. إن حماية الملاحة تبدأ قبل البحر، من الأرض التي تُستخدم لإنتاج التهديد وتخزينه وإطلاقه وتمويله وإعادة إنتاجه.
من احتواء الهجمات إلى إعادة بناء معادلة الدولة
تفرض هذه الحقيقة إعادة النظر في مفهوم احتواء النفوذ الإيراني في اليمن. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إدارة مباشرة للأراضي التي تسعى إلى التأثير فيها؛ يكفيها وجود حليف مسلح يمتلك قدرة مستقلة على استخدام الجغرافيا المحلية وتوظيفها في صراع إقليمي أوسع. وفي الحالة اليمنية، يكتسب هذا النموذج أهمية استثنائية بسبب الموقع البحري والجغرافي للبلاد. فكلما بقيت أجزاء من الأراضي والسواحل والمنافذ خارج السيطرة الفعلية للدولة، بقيت هناك مساحة يمكن أن تُستثمر لبناء القوة المسلحة، وتأمين خطوط الإمداد، وتهديد الملاحة، وتوسيع مجال النفوذ الإيراني.
وهنا ينبغي تغيير نقطة التركيز الأمريكية: المشكلة ليست فقط في السلاح الإيراني الذي يصل إلى الحوثيين، وإنما في البيئة السياسية والجغرافية التي تجعل هذا السلاح قادرًا على إنتاج تأثير إقليمي. ولذلك فإن إضعاف النفوذ الإيراني في اليمن لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة من خلال ضرب أدواته وحدها؛ بل يتطلب تقليص قدرة تلك الأدوات على العمل من خلال استعادة الدولة لسيطرتها على أراضيها وموانئها وسواحلها ومياهها الإقليمية.
وهذا التحول في زاوية النظر يغيّر كذلك طبيعة المقاربة المطلوبة لأمن البحر الأحمر. فبدل أن تبقى حماية السفن عملية دورية تتولاها القوى الدولية كلما تصاعدت الهجمات، ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة أمنية إقليمية أوسع، يكون فيها اليمن نفسه طرفًا رئيسيًا في حماية الممر الذي يمر بمحاذاة أراضيه. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل تعدد مراكز القوة والسلاح؛ إذ إن الدولة التي لا تحتكر القوة داخل أراضيها لا تستطيع أن تضمن أمن حدودها أو سواحلها، فضلًا عن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية في حماية الملاحة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع انتقال التهديد من السفن إلى البنية الأوسع لأمن المنطقة. فالتطورات خلال أغسطس 2026 أظهرت أن التصعيد الحوثي لم يعد محصورًا في المجال البحري، بل امتد إلى أهداف في السعودية وإلى جبهات داخل اليمن، في سياق إقليمي أكثر توترًا. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن الهجمات والتهديدات ضد الملاحة، إلى جانب التصعيد الأوسع، تخاطر بإدخال اليمن بصورة أعمق في المواجهة الإقليمية في وقت تتعرض فيه تدفقات التجارة والطاقة لضغوط شديدة.
وهنا تحديدًا تتقاطع مصلحة الولايات المتحدة في إضعاف النفوذ الإيراني مع مصلحة حلفائها في الخليج ومع مصلحة المجتمع الدولي في حماية البحر الأحمر. فاستعادة الدولة اليمنية ليست هدفًا منفصلًا عن هذه المصالح، وإنما هي الوسيلة التي يمكن من خلالها تحويل المعادلة من إدارة مستمرة للتهديد إلى تقليص مصادره البنيوية.
ولا ينبغي إغفال أن السيطرة على الجغرافيا اليمنية ترتبط أيضًا بالاقتصاد غير المشروع وشبكات التهريب. فالسواحل الطويلة والمنافذ البحرية والبرية، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، توفر بيئة يمكن أن تستغلها شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والبشر والسلع غير المشروعة. وقد وثقت الأمم المتحدة في يونيو 2026 عملية اعتراض شحنة كبيرة من الميثامفيتامين قبالة الساحل اليمني، بما يوضح أن التحدي البحري لا يتعلق بالهجمات المسلحة وحدها، بل يمتد إلى أنماط أوسع من الجريمة العابرة للحدود.
وبالتالي، فإن مكافحة التهريب ينبغي ألا تُختزل في اعتراض الشحنات في البحر، بل أن تُدمج في مشروع استعادة الدولة لسيطرتها على المنافذ والأراضي والمياه الإقليمية. فكلما ازدادت قدرة الدولة على مراقبة هذه المساحات، انكمشت البيئة التي تسمح بتداخل الاقتصاد غير المشروع مع شبكات القوة المسلحة، وتراجعت قدرة الجماعات المسلحة على تحويل الجغرافيا الوطنية إلى مصدر للتمويل والإمداد والنفوذ.
ومن هذه الزاوية، يصبح استقرار اليمن استثمارًا في الأمن الاقتصادي بقدر ما هو استثمار في الأمن العسكري. فاليمن لا يملك أهمية استثنائية بسبب موارده من النفط والغاز مقارنة بكبار منتجي المنطقة، وإنما بسبب موقعه عند أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية صراحة إلى أن أهمية اليمن في تجارة الطاقة الدولية ترتبط بصورة أساسية بموقعه عند باب المندب، حتى مع محدودية إنتاجه النفطي مقارنة بالدول الإقليمية الكبرى.
وهذا يعني أن إعادة تأهيل الموانئ، وبناء خفر سواحل فعال، وتطوير منظومات مراقبة الحدود والمياه الإقليمية، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وربط الموانئ اليمنية بشبكات التجارة الإقليمية، ليست مشروعات منفصلة عن الأمن الدولي. إنها مكونات في بنية واحدة يمكن أن تحول اليمن من نقطة ضعف في النظام الإقليمي إلى أحد مرتكزاته.
وعليه، فإن المطلوب من واشنطن ليس بالضرورة العودة إلى تدخل عسكري مباشر واسع النطاق، وإنما إعادة ترتيب أولويات سياستها تجاه اليمن ضمن استراتيجية إقليمية متكاملة. ينبغي أن يكون دعم الدولة اليمنية هدفًا سياسيًا واضحًا، وأن يُربط الدعم الأمني والعسكري ببناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية الحدود والسواحل والموانئ ومكافحة الإرهاب والتهريب، وأن يترافق ذلك مع دعم إقليمي لتطوير منظومة أمن البحر الأحمر. كما ينبغي أن تصبح مواجهة شبكات التمويل والاقتصاد غير المشروع جزءًا من استراتيجية احتواء الجماعات المسلحة، بدل التعامل معها باعتبارها ملفًا جنائيًا منفصلًا عن الصراع.
لكن الشرط الأكثر أهمية يظل سياسيًا: لا يمكن بناء هذه الاستراتيجية من خلال تثبيت حالة الدولة المجزأة أو التعامل مع تعدد القوى المسلحة باعتباره وضعًا دائمًا. فكلما ترسخت مراكز القوة الموازية للدولة، أصبحت استعادة السيادة أكثر صعوبة، وبقيت الجغرافيا اليمنية قابلة للتوظيف في صراعات إقليمية لا تخدم بالضرورة مصالح اليمنيين ولا أمن المنطقة.
ومن ثم، فإن هزيمة الحوثيين، بالمعنى الاستراتيجي، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد انتصار عسكري على جماعة مسلحة. المعنى الأعمق هو إنهاء النموذج الذي يسمح لجماعة مسلحة بالاحتفاظ بقدرات عسكرية وسياسية واقتصادية مستقلة عن الدولة، وباستخدام جزء من الجغرافيا الوطنية لفرض معادلات إقليمية. فالهدف النهائي ليس استبدال سلطة مسلحة بسلطة مسلحة أخرى، وإنما إعادة إنتاج الدولة باعتبارها الفاعل الوحيد القادر على إدارة الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
إن هذه الرؤية تضع واشنطن أمام استحقاق مختلف. فإذا كان الهدف هو تقليص قدرة إيران على استخدام الوكلاء، فإن اليمن يمثل إحدى نقاط الضغط التي لا ينبغي إهمالها. وإذا كان الهدف هو تأمين باب المندب، فإن حماية السفن يجب أن تقترن بحماية الجغرافيا التي تتحكم في الوصول إليه. وإذا كان الهدف هو حماية تدفقات الطاقة والتجارة، فإن استقرار اليمن ينبغي أن يُعامل بوصفه جزءًا من أمن سلاسل الإمداد العالمية. وإذا كان الهدف هو مكافحة الإرهاب والتهريب، فإن بناء مؤسسات يمنية قادرة على فرض القانون أكثر استدامة من الاعتماد على عمليات الاعتراض الخارجية وحدها.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تمنع بعض الهجمات، وأن القوى الدولية تستطيع أن تحمي بعض السفن، وأن الضربات العسكرية تستطيع أن ترفع كلفة التصعيد. لكنها أثبتت في الوقت نفسه أن هذه الأدوات لا تكفي وحدها لإنهاء التهديد ما دامت البيئة التي تنتجه قائمة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف يمكن الاستمرار في حماية الملاحة من اليمن، وإنما كيف يمكن بناء يمن قادر على حماية ملاحة العالم من أراضيه.
في هذه المعادلة، لا يمثل اليمن مجرد ساحة أخرى في الصراع مع إيران، بل نقطة ارتكاز تتقاطع عندها جبهات متعددة: الخليج والبحر الأحمر، البر والبحر، الأمن والطاقة، الدولة والجماعات المسلحة، والمصالح الوطنية والممرات الدولية. ومن ثم، فإن استعادة الدولة اليمنية ليست مجرد مطلب داخلي أو شعار سياسي؛ إنها جزء من إعادة بناء التوازن الإقليمي نفسه.
ولعل أهم ما ينبغي أن تدركه واشنطن في المرحلة المقبلة هو أن التعامل مع اليمن بوصفه ملفًا ثانويًا سيجعلها تدفع كلفة إدارة التهديد بصورة متكررة، بينما يمنحها التعامل معه بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية فرصة لمعالجة أكثر من مشكلة في آن واحد. فإضعاف قدرة إيران على استخدام وكلائها، وتأمين باب المندب، وحماية تدفقات الطاقة والتجارة، ومكافحة التهريب، وتعزيز أمن الخليج والبحر الأحمر، كلها أهداف تتقاطع عند شرط واحد: وجود دولة يمنية قادرة على بسط سيادتها على أراضيها ومنافذها وسواحلها ومياهها الإقليمية.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة اليمنية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قضية يمنية فحسب. ففي لحظة إقليمية تتداخل فيها ساحات الصراع وتتقلص فيها المسافة بين التهديد المحلي والتداعيات الدولية، تصبح السيادة اليمنية نفسها أحد شروط الأمن الإقليمي والدولي. وإذا كانت واشنطن تبحث عن نقطة يمكن من خلالها الضغط على شبكة النفوذ الإيراني وحماية المصالح الحيوية المرتبطة بالبحر الأحمر والطاقة والتجارة، فإن اليمن، أكثر من كونه هامشًا في هذه المعادلة، يمثل إحدى مفاتيحها الأساسية.