ملفات خاصة

افتتاحية أكتوبر 2026: استعادة الدولة أولًا.. وضبط بوصلة المعركة

.
افتتاحية أكتوبر 2026: استعادة الدولة أولًا.. وضبط بوصلة المعركة

افتتاحية أكتوبر 2026: استعادة الدولة أولًا.. وضبط بوصلة المعركة

 

في اللحظات الفارقة من تاريخ الدول، لا تُقاس المسؤولية الوطنية بكثرة المواقف والبيانات، وإنما بقدرة القوى السياسية ومؤسسات الدولة على إدراك طبيعة اللحظة، وترتيب الأولويات، والتمييز بين ما يجب أن يُقال الآن، وما يمكن تأجيله، وما ينبغي أن يبقى داخل المؤسسات المختصة حتى تنتهي لحظة الخطر. واليمن يقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع؛ لحظة يجب أن تتقدم فيها معركة استعادة الدولة على الحسابات الحزبية والمناطقية والشخصية، وأن تتجه البوصلة الوطنية نحو هدف واضح؛ استعادة مؤسسات الجمهورية، وإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة القرار الوطني، وبسط سلطة القانون والسيادة على كامل التراب اليمني.

فاستعادة الدولة ليست مجرد استعادة موقع عسكري أو محافظة أو مساحة جغرافية، بل هي استعادة لمعنى الدولة نفسها؛ مؤسسات موحدة، وقرار وطني، وسيادة، وقانون، والاحتكار المشروع للقوة، وحقوق المواطنين، وأمن وخدمات، وسلطة قادرة على حماية المجتمع وإدارة الاختلاف السياسي. ومن هنا، فإن المعركة ضد مليشيات الحوثي ليست خلافًا عسكريًا عابرًا، ولا منافسة بين قوى سياسية على النفوذ، وإنما مواجهة على مستقبل الدولة اليمنية وشكلها ووظيفتها ومكانتها، وعلى حق اليمنيين في دولة واحدة لا تتقاسمها سلطة انقلابية أو جماعات مسلحة.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، تصبح الجبهة الداخلية جزءًا أصيلًا من معركة استعادة الدولة. فحين تكون القوات في مواجهة مباشرة، لا يجوز أن تتحول الساحة السياسية في المناطق الواقعة تحت سلطة الدولة إلى جبهة إضافية للاشتباك الإعلامي، ولا أن يتحول سقوط موقع أو منطقة عسكرية إلى مناسبة مفتوحة للتراشق وتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات. إن الخلاف السياسي مشروع، والنقد حق، والمساءلة واجبة، لكن تحويل لحظة الدفاع عن الجبهة إلى صراع داخلي يستهلك الثقة ويشتت الانتباه ويضعف المعنويات يخدم، في النتيجة، الهدف الذي يفترض أن تتوحد القوى الوطنية لمواجهته.

وهنا تبرز المفارقة التي ينبغي التوقف عندها بجدية؛ ففي الوقت الذي تدير فيه مليشيات الحوثي خطابها ضمن منظومة تعبئة ودعاية مركزية، لا يجوز أن تتحول المناطق الواقعة تحت سلطة الدولة إلى فضاء مفتوح لتبادل الاتهامات، وكشف المعلومات العسكرية، وتضخيم الخسائر، وتكسير المعنويات. لكن المقارنة هنا لا تعني، بأي حال، الدعوة إلى تقليد الحوثيين أو استنساخ نموذجهم القائم على السيطرة والقمع وإلغاء المجال العام. فالدولة التي يجري استعادتها يجب أن تكون مختلفة تمامًا؛ دولة تسمح بالنقد، وتحمي التعددية، وتصون حرية التعبير، وتحترم الاختلاف، لكنها تمتلك في الوقت نفسه مؤسسات قادرة على إدارة المعلومة والخطاب في أوقات الحرب، وتعرف أن حرية التعبير لا تعني كشف أسرار العمليات العسكرية، وأن التعددية لا تعني تفكيك الجبهة الداخلية.

ومن هنا، فإن ما تشهده الساحة من تراشق بشأن أي اختلالات عسكرية ينبغي ألا يصبح بديلًا عن التحقيق؛ فأي إخفاق ليس مادة للتشهير، لكنه ليس واقعة يجوز دفنها تحت شعار المعركة. وراء كل إخفاق أسئلة مشروعة عن القرار والقيادة والتخطيط، وهذه الأسئلة يجب أن تُطرح عبر المؤسسات المختصة وبناءً على الوقائع والأدلة، لا عبر حملات التشهير أو وسائل التواصل الاجتماعي. ولهذا تظل القاعدة واضحة؛ لا تشهير أثناء المعركة، ولا حصانة بعد المعركة. ومن ثبت تقصيره يجب أن يخضع للمساءلة نتيجة تحقيق مؤسسي مهني، لا نتيجة مزاد إعلامي تتنافس فيه الأطراف على توجيه الاتهامات.

وفي هذا السياق، تقع مسؤولية أساسية على القيادة السياسية والعسكرية في توحيد الرواية الرسمية، وتقديم معلومات دقيقة، وسرعة تصحيح الأخبار المضللة؛ ففي زمن الحرب تصبح المعلومة جزءًا من القوة، وليس كل ما يصل إلى الناشط أو السياسي ينبغي أن يتحول فورًا إلى منشور قد يمنح الخصم ميزة مباشرة ويشكل خطرًا على حياة الجنود. لكن ضبط المعلومة لا يعني بحال من الأحوال ضبط المجتمع بالقوة أو إلغاء النقد. فالنقد ليس خيانة، والمساءلة ليست تثبيطًا، والاختلاف السياسي ليس مؤامرة، ومعيار التقييم يجب أن يكون السلوك والمعلومة والأثر لا النوايا المفترضة.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا نكون ساذجين أمام محاولات استغلال لحظات الارتباك العسكري لإرباك المجال العام ونشر الشائعات وصناعة الهلع. لكن مواجهة هذا التضليل يجب ألا تتحول إلى باب للتخوين العشوائي، فالدولة القوية تواجه التضليل بالمعلومة، والفوضى بالمؤسسات، والشائعات بالشفافية. والأخطر أن تتحول بعض القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين إلى طرف في معركة إعلامية ضد شركائها، مما يضعف المعسكر كله ويمنح الحوثيين فرصة لاستثمار الانقسام واستنزاف الثقة بين الصف الجمهوري.

ومع ذلك، فإن التماسك لا يعني توحيد الجميع ولا إلغاء الأحزاب، بل المطلوب هو الاتفاق على الحد الأدنى الذي لا ينبغي أن يتحول إلى موضع نزاع في لحظة الخطر؛ الدولة أولًا، ومؤسساتها أولًا، وسلامة المجتمع أولًا، وإنهاء الانقلاب الحوثي هدفًا جامعًا. ثم يأتي الاختلاف السياسي ضمن قواعد الدولة ومؤسساتها، لا على حسابها. ومن يريد استعادة الدولة عليه أن يتصرف كمن يريد بناء دولة، لا كمن يريد فقط الانتصار على خصمه السياسي، فالدولة أكبر من الأحزاب والمصلحة الوطنية أعلى من الحسابات الحزبية والمناطقية.

كما أن حماية المدنيين وتقديم الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية في المناطق المحررة يجب أن تبقى معيارًا أساسيًا، فالفارق الحقيقي يكمن في تحرير الجغرافيا من أجل إعادة بناء دولة حاضرة وفاعلة وعادلة، لا من أجل إدارة فراغ جديد. وما بعد استعادة المناطق يفرض تثبيت الأمن وفرض القانون ودمج الواقع العسكري في إطار الدولة، لئلا يتحول الانتصار إلى بداية لصراع جديد بين القوى التي تقاتل من أجل الدولة نفسها.

لقد حان الوقت للانتقال من ردود الفعل إلى إدارة سياسية وإعلامية أكثر انضباطًا. لا نحتاج إلى إسكات المجتمع، بل إلى إعلام مسؤول؛ ولا إلى إلغاء النقد، بل إلى نقد مهني؛ ولا إلى تعطيل المساءلة، بل إلى مساءلة مؤسسية. إن معيار المسؤولية الوطنية يقتضي أن ما يقوي الدولة يُقدَّم، وما يحمي الجبهة يُدعَم، وما يهدد القوات لا يُنشر.

فالمعركة مع مليشيات الحوثي ليست مناسبة لإخفاء الأخطاء ولا لاستثمارها لتدمير الثقة بالجبهة. والاختلاف ليس خيانة، والفوضى ليست حرية، والمساءلة ليست انتقامًا. وإن استعادة الدولة أولًا ليست شعارًا لإسكات أحد، وإنما ترتيب للأولويات في لحظة تاريخية. وحين تستعيد الدولة مؤسساتها وسيادتها وقرارها، يصبح الاختلاف أكثر أمنًا، والنقد أكثر تأثيرًا، والمساءلة أكثر عدالة، والسياسة أكثر استقرارًا.

استعادة الدولة أولًا، حماية الجبهة مسؤولية، النقد حق، والمساءلة واجبة، ولكل منها توقيته وأدواته. ومن يريد دولة قوية بعد استعادتها، عليه أن يبدأ من الآن بالتصرف وفق منطق الدولة لا الفوضى؛ بمنطق المسؤولية لا التشفي؛ وبمنطق بناء المستقبل، لا تصفية حسابات الماضي، فاستعادة الدولة ليست نهاية المعركة، بل هي بداية الطريق إلى دولة تستحق أن تُستعاد.

الوسوم:
#أكتوبر #استعادة الدولة #اليمن #الإعلام #الجبهة الداخلية #الحكومة الشرعية
شارك عبر:
إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.