الرئيسية تقديرات من التوسع الي إدارة المخاطر: كيف تعيد الأزمة الإيرانية تشكيل خيارات الحوثيين
من التوسع الي إدارة المخاطر: كيف تعيد الأزمة الإيرانية تشكيل خيارات الحوثيين
تقديرات إتجاهات إقليمية ودولية

من التوسع الي إدارة المخاطر: كيف تعيد الأزمة الإيرانية تشكيل خيارات الحوثيين


تفرض الأزمة الإيرانية المتفاقمة - في ظل موجة احتجاجات واسعة منذ أواخر ديسمبر 2025- على طهران الانتقال من مقاربة هجومية قائمة على توسيع النفوذ، إلى مقاربة دفاعية أكثر حذراً تركز على إدارة المخاطر وتقليص الكلفة.
ضمن هذا التحول، تكتسب العلاقة مع جماعة الحوثيين في اليمن أهمية خاصة، بوصفها نموذجاً لوكيل منخفض الكلفة مرتفع العائد، ويمتلك هامشاً من الفعل الذاتي يسمح له بالتكيف مع المتغيرات. هذا الوضع يجعل الجماعة شديدة الحساسية لأي إعادة ضبط في أولويات المركز الإيراني، سواء على مستوى الدعم العسكري، أو الإسناد السياسي، أو الدور الوظيفي في معادلات الردع الإقليمي.
انطلاقاً من ذلك، يفترض هذا التقدير أن الأزمة الإيرانية لا تدفع الحوثيين نحو مسار واحد مغلق، بل تعيد تشكيل خياراتهم بين تقنين التصعيد، وإعادة التموضع السياسي، والحفاظ على أوراق ضغط محسوبة. يسعى هذا التقدير إلى استكشاف هذه الخيارات في المدى القريب، من خلال تحليل طبيعة الاعتماد القائم على طهران، واستشراف السيناريوهات الممكنة لسلوك الجماعة في حال استمرار الأزمة الإيرانية أو انتقالها إلى مرحلة أكثر حدّة وتأثيراً.

 

مؤشرات التحول في السلوك الإقليمي الإيراني
لا يبدو أن إيران تتجه نحو تراجع استراتيجي شامل عن حضورها الإقليمي، بقدر ما تنتقل من مقاربة هجومية قائمة على توسيع النفوذ، إلى مقاربة دفاعية تركز على إدارة المخاطر وتقليص الكلفة.
لهذا التحول مؤشرات عدة: أولها، إعادة ترتيب سلّم الأولويات الأمنية، حيث بات ضبط الداخل واحتواء الاحتجاجات يتقدمان بوضوح على متطلبات الانخراط الخارجي، مع توسيع صلاحيات أجهزة القمع، وتوجيه موارد متزايدة لحماية مراكز السلطة، تتطلب تقليص الدعم المالي واللوجستي المتاح للمشاريع الإقليمية ذات الكلفة المرتفعة؛ وثانيها يتجلى في تحول الخطاب السياسي والإعلامي، وتوجيه رسائل تهدئة محسوبة تجاه القوى الدولية والإقليمية؛ أما المؤشر الثالث فيتمثل في إعادة ضبط سلوك الوكلاء، عبر دفعهم إلى خفض التصعيد، أو الالتزام بقواعد اشتباك أكثر تحفظا، بما يقلل احتمالات الانجرار إلى مواجهات واسعة قد تفرض على طهران كلفة سياسية أو عسكرية غير محسوبة. وفي هذا الإطار، يتحول الوكلاء من أدوات توسع نشط إلى أدوات ضبط إيقاع وحماية مكتسبات قائمة.
هذه المؤشرات مجتمعة تكشف أن السياسة الإيرانية تمر بمرحلة إدارة دفاعية للنفوذ، هدفها الأساسي تقليل المخاطر، وتجميد المغامرات، والحفاظ على الحد الأدنى من التأثير الإقليمي إلى حين اتضاح مآلات الأزمة الداخلية، وهو تحول من شأنه أن ينعكس مباشرة على سلوك الحلفاء، وفي مقدمتهم الحوثيون، باعتبارهم من أكثر الوكلاء ارتباطا بحسابات القرار الإيراني وحساسية لأي إعادة ضبط في استراتيجيته الإقليمية.

 

خيارات الحوثيين في ظل انكماش الدعم الإيراني
تشير المعطيات السياسية والميدانية إلى أن جماعة الحوثيين استوعبت مبكراً طبيعة المرحلة التي تمر بها إيران، وما تفرضه من قيود متزايدة على مستوى الانخراط الإقليمي، الأمر الذي انعكس في انتقالها من نمط السلوك التصعيدي المفتوح إلى إدارة أكثر حذراً للصراع، تقوم على خفض الكلفة، وتثبيت المكاسب القائمة، والحفاظ على أوراق الضغط، دون توسيع دوائر المواجهة داخل اليمن، وأبرز هذه المعطيات التالي:
أولاً: تهدئة فعلية وتسكين للجبهات عالية الكلفة. تظهر الوقائع الميدانية أن الجماعة باتت ملتزمة عمليا بنهج خفض التصعيد وتسكين الجبهات الداخلية، مع تراجع الاستعدادات الهجومية الداخلية التي توحي بتوجه نحو التصعيد، حيث ركز خطاب الجماعة على إعلان "استمرار الجاهزية" في سياق الصراع المرتبط بغزة وإسرائيل، مع التلويح بالاستعداد للتحرك في حال توسعت المواجهة أو تعرضت إيران لهجوم مباشر. يعكس هذا السلوك محاولة واعية للفصل بين الجبهة اليمنية، التي تدار بمنطق التهدئة، والجبهة الإقليمية الرمزية، التي تستخدم لأغراض الردع السياسي بأقل كلفة ممكنة.
ثانياً: إدارة محسوبة لأوراق الضغط الإقليمية. رغم خفض التصعيد الداخلي، لا تُظهر الجماعة أي مؤشرات على التخلي عن أوراق الضغط الإقليمية التي تمنحها حضورا يتجاوز الساحة اليمنية. يشمل ذلك الإبقاء على التهديد غير المباشر المرتبط بأمن الملاحة والقدرات الصاروخية والمسيّرة، ضمن سقوف مدروسة تحول دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ويتيح هذا النهج للحوثيين الحفاظ على موقعهم كفاعل إقليمي مؤثر، مع مراعاة الحاجة الإيرانية إلى ضبط مستوى المخاطر في مرحلة تتسم بحساسية داخلية عالية.
ثالثاً: تجنب استثمار التوترات داخل معسكر الخصوم. يلاحظ أن الجماعة التزمت صمتا ملحوظا إزاء التوترات الأخيرة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، على خلاف سلوكها المعتاد في استثمار الانقسامات داخل معسكر خصومها سياسيا وإعلاميا. يرجح أن يعكس هذا الصمت قرارا واعيا بتجنب الانخراط في ديناميات داخلية وتحييد أية ملفات قد تؤدي إلى تعقيد المشهد، بينما تركز على إدارة وضعها القائم بأقل قدر من الاستفزاز، في انتظار اتضاح مسار الأزمة الإيرانية ومآلات التوازنات الإقليمية.
رابعاً: تشديد الضبط الداخلي والحفاظ على التماسك التنظيمي. تمثل ذلك في تشديد السيطرة الأمنية والتنظيمية داخل مناطق سيطرتها، وغرس الخوف أمام أي مناهض لها، عبر إصدار عدد من الأحكام بإعدام شخصيات مدنية وحقوقية بتهمة التخابر مع أطراف خارجية. يأتي ذلك في سياق قمع أية تساؤلات سياسية أو إيديولوجية قد تثار بفعل تراجع الزخم الإيراني، أو اتساع الفجوة بين الخطاب الإقليمي للجماعة وممارستها العملية داخل اليمن.
يهدف هذا النهج، في جوهره، إلى الحفاظ على تماسك مركز القرار، ومنع انتقال الضغوط الخارجية إلى الداخل التنظيمي، وضمان قدرة الجماعة على الصمود وإدارة مناطق سيطرتها حتى في سيناريوهات تراجع أو انكماش الدعم الخارجي، بما يسمح لها بالاستمرار كفاعل مسلح متماسك وقادر على المناورة، وليس مجرد امتداد هش لتحولات المركز الإيراني.

 

السيناريوهات المحتملة لمسار العلاقة بين إيران والحوثيين
في ضوء الضغوط الداخلية المتصاعدة في إيران، والسلوك الحوثي الراهن القائم على خفض التصعيد وتكتيك إدارة المخاطر، يمكن حصر المسارات المحتملة للعلاقة بين الطرفين في ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تختلف في درجة ترجيحها تبعاً لتطورات الداخل الإيراني والسياق الإقليمي:
السيناريو الأول: الاستمرارية المنضبطة (السيناريو المرجح)
يفترض هذا السيناريو أن تستمر إيران في دعم الحوثيين بوصفهم أحد أهم وكلائها الإقليميين، ولكن ضمن إطار أكثر انضباطاً وانتقائية من السابق. يشمل ذلك الحفاظ على الدعم النوعي منخفض الكلفة، مثل نقل الخبرات التقنية، والدعم اللوجستي غير المباشر، والإسناد السياسي، مقابل تقليص التمويل المفتوح أو الانخراط في تصعيد واسع داخل الساحة اليمنية.
في هذا السيناريو، يواصل الحوثيون نهج التهدئة الداخلية وتسكين الجبهات، مع الإبقاء على أوراق الضغط الإقليمية ضمن سقوف محسوبة، بما ينسجم مع حاجة طهران إلى ضبط مستوى المخاطر في مرحلة تتسم بحساسية داخلية عالية. يعد هذا المسار الأكثر انسجاما مع السلوك الحالي للطرفين، ومع معادلة الكلفة-العائد التي تحكم قرارات إيران في هذه المرحلة.
السيناريو الثاني: التكيّف المرحلي وإعادة التموضع (سيناريو محتمل)
يفترض هذا السيناريو أن تتجه إيران إلى تقليص أكبر نسبيا في حجم دعمها الخارجي، نتيجة تصاعد الضغوط الداخلية أو إطالة أمد الاحتجاجات، ما يدفع الحوثيين إلى البحث عن صيغ أوسع للاعتماد على الذات، سواء عبر تعظيم الموارد المحلية، أو توسيع شبكات التمويل البديلة، أو الانخراط بدرجة أكبر في المسارات السياسية لتثبيت الأمر الواقع.
في هذا الإطار، قد يظهر الحوثيون مرونة سياسية أوسع في الملفات الإنسانية والتفاوضية، مع استمرار ضبط الجبهات الداخلية، مقابل تركيز متزايد على بناء شرعية الأمر الواقع. لا يعني هذا السيناريو فك الارتباط مع إيران، بقدر ما يعكس إعادة توازن مرحلية في العلاقة، تدار بحذر من الطرفين لتجنب خسائر استراتيجية.
السيناريو الثالث: الانكفاء الجزئي المشروط (سيناريو ضعيف الاحتمال)
يفترض هذا السيناريو حدوث تدهور حاد وممتد في الوضع الداخلي الإيراني، يفرض على النظام تقليصا قسريا لالتزاماته الخارجية، بما في ذلك دعم الحوثيين. في هذه الحالة، قد ينعكس الانكفاء الإيراني في تراجع ملموس لبعض أشكال الدعم، وترك الجماعة تواجه ضغوطا متزايدة على الصعيدين العسكري والسياسي.
يظل هذا السيناريو محدودا في المدى المنظور، نظرا للمكانة المتقدمة التي يحتلها الحوثيون في الحسابات الإيرانية، ولانخفاض كلفة دعمهم مقارنة بساحات أخرى، إضافة إلى القيمة الاستراتيجية التي توفرها الجماعة لطهران في معادلة الردع الإقليمي. مع ذلك، يبقى هذا المسار ممكنا إذا تحولت الأزمة الداخلية الإيرانية إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد تهدد بقاء النظام نفسه.
بناء على المعطيات الحالية، يرجّح بقاء العلاقة الإيرانية-الحوثية ضمن إطار السيناريو الأول، مع احتمالية انتقال مرحلي إلى ملامح من السيناريو الثاني، إذا طال أمد الضغوط الداخلية على طهران.


الخلاصة
تشير المعطيات السياسية والميدانية إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تشكل ضغطاً فعلياً على قدرة النظام الإيراني على إدارة تدخلاته الإقليمية بالوتيرة السابقة، دون أن تصل في المدى القريب إلى حد القطيعة مع شبكة وكلائه أو تفكيكها. يعكس هذا الواقع انتقال طهران إلى مقاربة أكثر حذراً في إدارة نفوذها الخارجي، تحكمها أولويات الداخل ومعادلة الكلفة-العائد.
في هذا السياق، يُرجَّح أن تستمر العلاقة بين إيران والحوثيين ضمن إطار الاستمرارية المنضبطة، حيث تحافظ طهران على دعم نوعي وانتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلاً مؤثراً دون الانجرار إلى تصعيد واسع أو استنزاف إضافي. بالمقابل، يتجه الحوثيون إلى إدارة أكثر حذراً للصراع، تقوم على خفض التصعيد الداخلي وتسكين الجبهات عالية الكلفة، مع إبداء مرونة سياسية محدودة في الملفات الإنسانية، وتجنب استثمار الانقسامات داخل معسكر خصومهم، بالتوازي مع الحفاظ على أوراق ضغط إقليمية منخفضة الكلفة تستخدم ضمن سقوف محسوبة.
مع أن هذا المسار يظل المرجّح في المدى المنظور، فإن استمرار الاحتجاجات واتساعها، أو تعرض إيران لهجوم عسكري أمريكي-إسرائيلي مباشر، يفرضان عدم استبعاد سيناريو تدهور حاد أو تفكك جزئي للنظام. في حال تحقق مثل هذا السيناريو، يُرجَّح أن يتجه الحوثيون إلى إعادة تموضع جذرية بحثاً عن ترتيبات بديلة، وفي مقدمتها تقديم تنازلات أمنية وسياسية أوسع تجاه السعودية مقابل ضمانات إقليمية، بما يمنح الرياض هامشاً تفاوضياً غير مسبوق مقارنة بالمرحلة الراهنة.
 

إخلاء للمسئولية: تعبّر وجهات النظر المذكورة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المركز أو فريق العمل.

التعليقات
من التوسع الي إدارة المخاطر: كيف تعيد الأزمة الإيرانية تشكيل خيارات الحوثيين - | مركز اليمن والخليج للدراسات