Studies Environment and Climate Studies Program

التنمية البحرية وإدارة المصايد في اليمن (نحو اقتصاد أزرق مستدام)

Dr. Ali Mohammed Ali Al-Qubaili PDF available
التنمية البحرية وإدارة المصايد في اليمن (نحو اقتصاد أزرق مستدام)

أولًا: المقدمة والأهمية الاستراتيجية للموارد البحرية

يُعدّ الاقتصاد الأزرق أحد المكونات المهمة للاقتصاد العالمي؛ إذ تُقدَّر قيمة أصوله بنحو 24 تريليون دولار، فيما تُقدَّر عوائده الاقتصادية السنوية بنحو 2.5 تريليون دولار، بما يعكس القدرة الاستثنائية للقطاعات البحرية على الإسهام في دفع النمو الاقتصادي العالمي[1]. وكما ذُكر سابقًا، تتجاوز القيمة الإجمالية للأصول البحرية 24 تريليون دولار، وهو ما يضع المنظومة البحرية في المرتبة الثامنة بين أكبر القوى الاقتصادية عالميًا.

ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على الأرقام والتقييمات المالية، بل تمتد لتلامس سبل معيشة ملايين البشر والمجتمعات؛ إذ تُعد الموارد البحرية مصدرًا رئيسيًا للغذاء لأكثر من ثلاثة مليارات إنسان، كما توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأكثر من 600 مليون عامل حول العالم[2].

وعلى صعيد التجارة والتواصل الدولي، تمثل المحيطات والبحار شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة العالمية وتدفق المعلومات؛ إذ يُنقل عبرها أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، فيما تمتد في أعماقها شبكات الكابلات البحرية التي تحمل نحو 98% من حركة البيانات والاتصالات عبر القارات.

وتشكّل هذه الأهمية المحورية للموارد والقطاعات البحرية دافعًا استراتيجيًا يحث الدول على توجيه استثماراتها نحو الاستغلال الأمثل والمستدام لهذه الثروة، بما يعزز النمو الاقتصادي، ويدعم الأمن الغذائي، ويوسع فرص العمل، ويحافظ في الوقت ذاته على النظم البيئية البحرية واستدامتها للأجيال القادمة.

وفي اليمن، تُعدّ الثروة السمكية أحد أهم الموارد الاقتصادية والغذائية، وأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي الوطني. ويمتلك اليمن مقومات جغرافية وبيئية وحيوية تجعل مياهه الإقليمية من مناطق الصيد المهمة في شبه الجزيرة العربية والإقليم؛ إذ يمتد شريطه الساحلي لأكثر من 2,500 كيلومتر[3]. ويطل هذا الشريط الساحلي على مسطحات مائية حيوية، أبرزها البحر الأحمر والبحر العربي، فضلًا عن امتداده الاستراتيجي على خليج عدن والمحيط الهندي ومضيق باب المندب.

ويمتلك اليمن أكثر من 180 جزيرة موزعة بين البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، وتُعد هذه الجزر من المناطق الغنية بالتنوع الحيوي البحري ومصايد الأسماك في جنوب شبه الجزيرة العربية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي، واتساع جرفها القاري، وغنى بيئاتها وشعابها المرجانية. ويأتي أرخبيل سقطرى في مقدمة هذه المناطق، إذ يضم الجزيرة الرئيسية سقطرى، إلى جانب جزر عبد الكوري ودرسة وسمحة.

وتتجاوز الأهمية البحرية لأرخبيل سقطرى ما يتمتع به من معالم سياحية وخصائص بيئية نادرة؛ إذ يمثل موقعه نقطة التقاء بين البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، كما يتميز بظاهرة التيارات المائية الصاعدة التي تنقل المغذيات من الأعماق إلى المياه السطحية، بما يسهم في تعزيز الإنتاجية البحرية وثراء المصايد. ويُعد الأرخبيل مركزًا مهمًا لصيد أنواع الأسماك الكبيرة، مثل التونة (الثمد) والكنعد (الديرك)، فضلًا عن إنتاج أنواع أخرى ذات قيمة اقتصادية، مثل الروبيان والحبار والسرطان الصخري (الاستاكوزا).

ولا تقتصر أهمية الجزر اليمنية على أرخبيل سقطرى؛ فهناك جزر حنيش وكمران وميون وعبد الكوري ودرسة والفيشت والزبير وغيرها، ولكل منها موقعها الجغرافي وخصائصها البيئية ومواردها البحرية ومصايدها السمكية. وإلى جانب هذه الجزر، تنتشر على امتداد الساحل اليمني مراكز ومجتمعات صيد عديدة، تمثل مكونات أساسية في منظومة الاقتصاد البحري اليمني (انظر الصورة رقم 1).

وتُعد صناعة صيد الأسماك واحدة من أكثر القطاعات إنتاجية في الاقتصاد اليمني؛ فقبل اندلاع الحرب عام 2015، كانت تحتل المرتبة الثانية بين القطاعات التصديرية اليمنية، وتسهم بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ومن هذا المنطلق، يمثل قطاع صيد الأسماك مصدرًا رئيسيًا للأمن الغذائي والدخل وفرص العمل؛ إذ كان يوفر فرص عمل لأكثر من نصف مليون فرد، يعيلون بدورهم نحو 1.7 مليون نسمة، بما يعادل 18% من إجمالي سكان المجتمعات الساحلية البالغ عددهم نحو 9.4 مليون نسمة[4].

كما يُصنَّف قطاع الأسماك والمنتجات البحرية بوصفه ثاني أكبر مصدر لعائدات الصادرات اليمنية بعد النفط والغاز؛ إذ تجاوزت قيمة الصادرات السمكية 200 إلى 300 مليون دولار سنويًا قبل أن يتراجع النشاط التصديري نتيجة القيود اللوجستية والظروف الاقتصادية والأمنية الراهنة[5].

 

 

ويُعد قطاع الصيد الحرفي في اليمن مصدرًا رئيسيًا للأمن الغذائي وفرص العمل؛ إذ يمارس أنشطة الصيد بصورة مباشرة على امتداد السواحل اليمنية ما يقدّر بنحو 90,000 إلى 100,000 صياد حرفي. ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على نشاط الصيد المباشر، بل تمتد عبر سلسلة القيمة المرتبطة به، والتي تشمل تجهيز ومعالجة المنتجات السمكية، والنقل، وإصلاح القوارب والمعدات، والتسويق والتجارة[6].

 

وفي المنطقة الساحلية للبحر الأحمر، يسهم الصيد الحرفي بنحو 100% من إجمالي المنتجات السمكية، حيث يمارس نشاط الصيد أكثر من 7,000 قارب صيد حرفي. ومن بين الصيادين الذين يمتلكون قوارب، يمتلك نحو 97% منهم قاربًا حرفيًا واحدًا فقط، وتوفر هذه القوارب سبل العيش لما يقرب من 36,000 صياد. وإلى جانب الصيد المباشر، يشارك عدد كبير من السكان في الأنشطة السابقة على الصيد، مثل صناعة الشباك والقوارب، والأنشطة اللاحقة له، ولا سيما عمليات المعالجة والتسويق[7].

 

إن الحديث عن الثروة السمكية في اليمن والتنوع البيولوجي الفريد لبيئته البحرية يحتاج إلى مساحة أوسع بكثير مما يمكن أن تستوعبه دراسة واحدة؛ فكلما تعمق الباحث في دراسة الاقتصاد الأزرق في الجمهورية اليمنية، اتسعت أمامه مجالات البحث، وتكشفت له مسارات جديدة من الموارد والفرص والتحديات. فالمشهد البحري اليمني لا يقتصر على الثروة السمكية وحدها، وإنما يضم منظومة متكاملة من النظم البيئية والموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية والمجتمعات الساحلية، بما يجعل الاقتصاد الأزرق مجالًا رحبًا للبحث والاستثمار والتنمية المستدامة، ويفتح آفاقًا واسعة لاكتشاف عوالم بحرية وبيئية واقتصادية فريدة لم تستثمر إمكاناتها بصورة تتناسب مع حجمها وأهميتها.

 

ثانيًا: مكونات الاقتصاد الأزرق والمشكلة البحثية

تتحدد أبرز مكونات الاقتصاد الأزرق المرتبطة باليمن في عدد من القطاعات والأنشطة البحرية، يأتي في مقدمتها الصيد والمصايد البحرية، من خلال استغلال الثروة السمكية في السواحل والجزر اليمنية وفق ممارسات مسؤولة ومستدامة، بما يضمن الحفاظ على المخزون السمكي واستمراريته. ويأتي الاستزراع السمكي والأحياء المائية ضمن المكونات الواعدة، من خلال إمكانية إقامة مشاريع للمزارع السمكية على امتداد السواحل اليمنية، بما يسهم في رفع الكفاءة الإنتاجية، وتنويع مصادر الإنتاج، وتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية.

كما يمثل النقل البحري والخدمات اللوجستية أحد المكونات المهمة، من خلال استثمار الموانئ الاستراتيجية، مثل ميناء عدن وميناء الحديدة والمنطقة الحرة، وتطوير الخدمات الملاحية المرتبطة بالموقع الاستراتيجي لليمن على مضيق باب المندب. ويُضاف إلى ذلك السياحة البحرية والبيئية، من خلال تطوير السياحة الشاطئية وأنشطة الغوص والاستكشاف البحري في الجزر اليمنية، ولا سيما أرخبيل سقطرى، مع ضمان حماية الشعاب المرجانية والتنوع البيولوجي الفريد.

ومن المجالات الواعدة كذلك الطاقة البحرية المتجددة، من خلال الاستفادة من الإمكانات المتاحة في المناطق الساحلية لتطوير مصادر نظيفة للطاقة، بما في ذلك طاقة الرياح والأمواج، بما يعزز تنويع مزيج الطاقة ويدعم التنمية المستدامة في المناطق الساحلية.

وانطلاقًا من ذلك، يتضح أن المشكلة البحثية تتمثل في تعرض الاقتصاد الأزرق والمصايد البحرية في اليمن لضغوط متزايدة أدت إلى استنزاف الموارد وتدهور النظم البيئية البحرية، نتيجة مجموعة متداخلة من العوامل، من أبرزها الصيد الجائر، وتدمير الموائل البحرية، والتلوث، والصراع وما يرتبط به من مخاطر على البيئة البحرية، فضلًا عن الآثار البيئية الناجمة عن تغير المناخ، مثل ظاهرة المد الأحمر ونقص الأكسجين في بعض البيئات البحرية. وتتفاقم هذه التحديات في ظل ضعف أطر الحوكمة والإدارة والتنمية، ومحدودية البيانات والنماذج العلمية الدقيقة اللازمة لتقييم المخزون السمكي وإدارته بصورة مستدامة.

وفي ضوء هذه الإشكالية، تبرز مجموعة من التساؤلات البحثية الرئيسة، تتمثل في الآتي:

  1. ما واقع المصايد والمخزون السمكي في السواحل اليمنية، وما أبرز العوامل البيئية والبشرية المؤدية إلى تدهورهما؟
  2. ما مدى ملاءمة الظروف البيئية والهيدروغرافية والساحلية في اليمن لتطبيق نظم الاستزراع السمكي الحديثة، وما النظم والأنواع الأكثر ملاءمة للبيئات الساحلية اليمنية؟
  3. ما الأطر والسياسات والإجراءات الإدارية والتشريعية اللازمة لتعزيز حوكمة المصايد وتنمية الاقتصاد الأزرق في اليمن بصورة مستدامة؟

 

ثالثًا: المقومات البيئية والبيولوجية للمخزون السمكي

يُعزى غنى المخزون السمكي في اليمن وتنوعه البيولوجي الفريد إلى مجموعة من المقومات البيئية والطبيعية التي تتفاعل فيما بينها لتوفير بيئات بحرية عالية الإنتاجية، ومن أبرزها ما يأتي:

  1. الظواهر الهيدروغرافية وتدوير المياه (Upwelling)

تُعد ظاهرة صعود المياه (Upwelling) من أهم الظواهر البيئية المؤثرة في الإنتاجية البحرية، ولا سيما في البحر العربي وأرخبيل سقطرى وسواحل محافظتي المهرة وحضرموت خلال موسم الرياح الموسمية الصيفية. إذ تؤدي الرياح الموسمية القوية إلى دفع المياه السطحية بعيدًا عن الساحل، مما يسمح بصعود المياه العميقة الباردة والغنية بالنترات والفوسفور وغيرها من العناصر الغذائية إلى الطبقات السطحية. وينتج عن ذلك ارتفاع كبير في إنتاجية العوالق النباتية والحيوانية (البلانكتون)، التي تمثل قاعدة السلسلة الغذائية البحرية، وتوفر مصدرًا غذائيًا مهمًا للأسماك السطحية الكبيرة، مثل التونة (الثمد) والكنعد (الديرك)[8].

  1. تنوع القيعان والموائل البحرية

يمتلك اليمن تنوعًا كبيرًا في البيئات القاعية والموائل البحرية، بما يدعم أنماطًا مختلفة من الحياة البحرية. وتشمل هذه البيئات القيعان الطينية والرملية التي توفر ظروفًا مناسبة للعديد من القشريات والأسماك القاعية، مثل الجمبري (الروبيان) والأسماك المسطحة، إضافة إلى مناطق الشورى (المانجروف) المرتبطة بالبيئات الساحلية.

كما تنتشر القيعان الصخرية والشعاب المرجانية التي تمثل موائل مهمة للعديد من الأنواع ذات القيمة الاقتصادية، مثل الهامور والناجل والسبيطي، فضلًا عن الاستاكوزا والحبار، بما يعكس التنوع الكبير في الموارد البحرية التي توفرها البيئة الساحلية اليمنية.

  1. النظم البيئية الحاضنة: الشعاب المرجانية والمانجروف

تمثل غابات المانجروف (أشجار الشورى) والشعاب المرجانية من أهم النظم البيئية الحاضنة للحياة البحرية في اليمن. وتنتشر غابات المانجروف في عدد من مناطق البحر الأحمر وخليج عدن، وتؤدي وظائف بيئية متعددة، من بينها ترشيح المياه، وتوفير المأوى ومناطق الحضانة الآمنة ليرقات الأسماك والقشريات وصغارها، قبل انتقالها إلى البحر المفتوح.

أما الشعاب المرجانية، ولا سيما في البحر الأحمر وأرخبيل سقطرى، فتتميز بتنوع بيولوجي مرتفع وقدرة ملحوظة على التكيف مع بعض التغيرات البيئية والحرارية، كما توفر الغذاء والمأوى والحماية لمئات الأنواع من الأسماك والكائنات البحرية، الأمر الذي يجعلها عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الإنتاجية البحرية والتنوع البيولوجي.

  1. التقاء التيارات والموقع الجغرافي الاستراتيجي

يسهم الموقع الجغرافي لليمن في تعزيز تنوعه وإنتاجيته البحرية، إذ تتقاطع وتختلط الكتل المائية المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي والمحيط الهندي، ولا سيما في محيط أرخبيل سقطرى ومضيق باب المندب. ويسهم هذا التفاعل بين الكتل والتيارات المائية في تشكيل ظروف بيئية وهيدروغرافية متنوعة من حيث الملوحة ودرجات الحرارة وتوافر المغذيات، بما يوفر بيئات ملائمة للعديد من الأنواع البحرية، بما فيها بعض الأنواع المهاجرة.

  1. تدفق المغذيات من المصبات والأودية

تسهم السيول الموسمية المنحدرة من الأودية والمجاري المائية في نقل المواد العضوية والعناصر الغذائية من اليابسة إلى المناطق الساحلية. وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة في المناطق التي تصب فيها الأودية في البحر، مثل وادي بنا الذي يصب في سواحل محافظة أبين، حيث يمكن لتدفق المواد العضوية والمغذيات أن يعزز الإنتاجية الأولية في المناطق الساحلية ويوفر مصادر غذاء للعديد من الكائنات البحرية، بما يدعم تجمع الأسماك ومناطق تغذيتها وتكاثرها بالقرب من الشواطئ.

رابعًا: التحديات والأسباب المؤدية إلى تدهور المصايد

تُقدَّر الطاقة الإنتاجية المحتملة للمياه البحرية اليمنية بنحو 200,000 إلى 300,000 طن سنويًا من الأسماك والأحياء البحرية المتنوعة، مثل الجمبري، والاستاكوزا، والباغة، والكنعد[9]. إلا أن الإنتاج السمكي شهد خلال السنوات الأخيرة تذبذبًا وتراجعًا ملحوظين نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها الصراع الدائر، وتضرر البنية التحتية لقطاع الصيد، وضعف الاهتمام بهذا المورد الاقتصادي والوطني المهم.

وقد انعكست هذه التحديات على حالة المصايد في عدد من المناطق الساحلية؛ إذ شهدت بعض السواحل اليمنية خلال الفترات الأخيرة ظواهر بيئية مقلقة تمثلت في الانخفاض الحاد في حصيلة الصيد، ونفوق كميات كبيرة من الجمبري (الروبيان) والأسماك القاعية، كما لوحظ في بعض مناطق حضرموت وسواحل محمية ديطوح في سقطرى. ويمكن أن ترتبط هذه الظواهر بعدة عوامل بيئية، من بينها انخفاض مستويات الأكسجين الذائب، أو التغير المفاجئ في درجة حرارة المياه القاعية، أو وصول كميات كبيرة من المواد العضوية إلى البحر نتيجة جريان السيول.

ويؤدي تراكم المواد العضوية في البيئات الساحلية إلى زيادة استهلاك الأكسجين الذائب أثناء عمليات التحلل، الأمر الذي قد يؤدي إلى تشكل مناطق منخفضة الأكسجين أو خالية منه، بما يهدد الكائنات البحرية القاعية بطيئة الحركة، مثل الجمبري، ويؤدي إلى نفوقها. كما يمكن أن ترتبط حالات النفوق الجماعي في بعض الظروف بظاهرة المد الأحمر وازدهار أنواع من العوالق النباتية الضارة، التي قد تنتج سمومًا بيولوجية تؤثر في الوظائف الحيوية والجهاز التنفسي للكائنات البحرية، فضلًا عن إمكانية انسداد الخياشيم لدى الأسماك والقشريات، مما قد يؤدي إلى نفوقها وجرفها بأعداد كبيرة إلى الشواطئ.

  1. الصيد الجائر والتجريف القاعي

يمثل الصيد الجائر والتجريف القاعي غير القانوني أحد أبرز التحديات التي تهدد استدامة المصايد اليمنية، ولا سيما استخدام شباك الجرف في المناطق المحظورة أو الحساسة. ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على صيد الأنواع المستهدفة، مثل الجمبري، بل تمتد إلى تدمير الموائل القاعية الرملية والطينية والصخرية، والإضرار بالشعاب المرجانية، والقضاء على أعداد كبيرة من صغار الأسماك واليرقات قبل بلوغها مرحلة النضج والتكاثر.

ويؤدي استمرار هذه الممارسات إلى اختلال دورة التجدد الطبيعي للمخزون السمكي، ويقلل من قدرة المصايد على استعادة إنتاجيتها، كما يهدد بعض الأنواع ذات القيمة الاقتصادية والبيئية على المدى الطويل.

  1. التلوث البحري ومخلفات السفن

يمثل التلوث الكيميائي والنفطي ومخلفات السفن مصدرًا آخر للضغط على البيئة البحرية اليمنية. وتزداد حساسية هذا التحدي في المناطق الساحلية التي تقع بالقرب من الممرات الملاحية الدولية؛ إذ تمر قبالة سواحل محافظة المهرة حركة كثيفة نسبيًا من ناقلات النفط والسفن التجارية.

وقد يؤدي تسرب الزيوت والمواد البترولية أو تصريف المياه العادمة ومياه التوازن الملوثة (Ballast Water) إلى تدهور جودة المياه الساحلية، ولا سيما في المناطق الضحلة التي تمثل موائل مهمة للجمبري والأسماك والكائنات البحرية في مراحلها المبكرة.

  1. آثار الصراع والأنشطة العسكرية في البيئة البحرية

أضاف الصراع الدائر في اليمن ضغوطًا جديدة على البيئة البحرية، نتيجة المخاطر المرتبطة بالمعارك والأنشطة العسكرية والحوادث البحرية. وقد تؤدي غرق السفن أو تضررها، إلى جانب وجود الذخائر غير المنفجرة، إلى مخاطر بيئية طويلة الأمد، خصوصًا في حال تسرب الوقود والزيوت أو تحلل بعض المواد والمكونات في قاع البحر.

كما يمكن أن تؤدي بعض الملوثات، بما فيها المعادن الثقيلة، إلى تراكمها في أنسجة الكائنات البحرية من خلال عملية التراكم الأحيائي (Bioaccumulation)، بما قد يؤثر في صحة الكائنات البحرية ويثير مخاوف بشأن انتقال الملوثات عبر السلسلة الغذائية ووصولها إلى الإنسان.

  1. ضعف التنظيم وغياب الإدارة المستدامة للمصايد

يُعد ضعف التنظيم والرقابة على أنشطة الصيد من العوامل الأساسية التي تسهم في استنزاف المخزون السمكي. ويشمل ذلك محدودية الإرشادات والضوابط المتعلقة بمواسم الصيد، ولا سيما خلال فترات التكاثر، وغياب أو ضعف تطبيق فترات الإغلاق الموسمية التي تهدف إلى حماية الأمهات والأنواع في مراحل التكاثر والنمو.

كما أن ضعف الرقابة على جهد الصيد، وأعداد القوارب، وأنواع وأحجام الشباك المستخدمة، ومناطق الصيد وأعماقه، وكميات المصيد، يؤدي إلى صعوبة تقييم الضغط الحقيقي الواقع على المخزون السمكي، ويحد من قدرة الجهات المختصة على وضع سياسات فعالة لإدارة المصايد.

  1. الحاجة إلى إعادة بناء منظومة إدارة المصايد وتنمية الاقتصاد الأزرق

يتضح من مجمل ما سبق أن اليمن يمتلك ثروة بحرية هائلة وموردًا اقتصاديًا ووطنياً بالغ الأهمية، إلا أن هذه الثروة لا تزال تُستغل بصورة لا تتناسب مع حجم إمكاناتها، في ظل استمرار مظاهر الاستنزاف وضعف برامج إعادة تأهيل وتنمية النظم البيئية البحرية، ومحدودية النمذجة العلمية الدقيقة للمخزون السمكي.

ومن ثم، فإن حماية هذه الثروة وتنميتها تتطلب الانتقال من نمط الاستغلال غير المنظم إلى نظام متكامل للإدارة المستدامة للمصايد يقوم على العلم والبيانات والرقابة الفاعلة. ويتطلب ذلك تطوير برامج الإرشاد والتدريب والتأهيل للصيادين، وتعريفهم بأساليب الصيد السليم، وتوقيتات الصيد المناسبة، والأعماق المسموح بها، والأنواع والأحجام التي يمكن استهدافها، إلى جانب توعيتهم بأهمية حماية الأنواع الصغيرة ومناطق التكاثر والحضانة.

كما ينبغي وضع وتفعيل منظومة متكاملة من التشريعات واللوائح والضوابط المنظمة للصيد، تشمل إصدار تصاريح واضحة للمراكب، وتحديد جهد الصيد المسموح به لكل مركب، وإجراء معاينة دورية للقوارب والمعدات قبل الإبحار، وإنشاء نظام موحد لتسجيل بيانات المصيد، يتضمن الأنواع والكميات والأحجام ومواقع الصيد وأوقاته، بما يوفر قاعدة بيانات وطنية تساعد في بناء نماذج دقيقة لتقييم المخزون وإدارته.

وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لقطاع الثروة السمكية، وإنشاء أو تفعيل المراكز البحثية المتخصصة، وتطوير قدرات الرصد والمراقبة البحرية، وإنشاء المفرخات السمكية والبحرية لإعادة دعم المخزونات الطبيعية في المناطق المتضررة، إلى جانب التوجه المدروس نحو الاستزراع السمكي بوصفه أحد المسارات الواعدة لتنويع الإنتاج وتقليل الضغط على المصايد الطبيعية.

وبذلك، لا ينبغي النظر إلى الثروة السمكية اليمنية باعتبارها موردًا للاستخراج والاستهلاك فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من رأس المال الطبيعي الوطني الذي يتطلب حماية وإعادة تأهيل واستثمارًا طويل الأمد. فإدارة المصايد على أسس علمية، وربطها بالبحث العلمي والحوكمة والتشريعات والاستثمار في البنية التحتية، يمكن أن تشكل مدخلًا رئيسيًا لبناء اقتصاد أزرق يمني مستدام، قادر على تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وتعزيز الإيرادات، مع الحفاظ على النظم البيئية البحرية للأجيال القادمة.

 

خامسًا: التوجه نحو الاستزراع السمكي وتنمية المصايد

يمثل الاستزراع السمكي الساحلي (Aquaculture / Mariculture) أحد الخيارات الاستراتيجية الواعدة لتعزيز الأمن الغذائي وتنمية المناطق الساحلية في اليمن، ولا سيما في ظل الضغوط المتزايدة على المصايد الطبيعية نتيجة الصيد الجائر وتدهور بعض الموائل البحرية وضعف إدارة المخزون. ولا ينبغي النظر إلى الاستزراع السمكي بوصفه بديلًا للمصايد الطبيعية، وإنما باعتباره نشاطًا مكملًا يمكن أن يسهم في زيادة الإنتاج وتخفيف الضغط عن المخزون السمكي، إذا ما جرى تطويره وفق أسس بيئية وعلمية واقتصادية سليمة.

وتشير الخصائص الجغرافية والهيدروغرافية والبيئية للسواحل اليمنية إلى وجود إمكانات واعدة لتطبيق نظم الاستزراع السمكي الحديثة، إلا أن درجة الملاءمة تختلف من منطقة إلى أخرى، ولا يمكن تعميم نظام استزراع واحد على كامل السواحل اليمنية. ويتوقف تحديد مدى ملاءمة كل موقع على مجموعة من المتغيرات، من أهمها درجة حرارة المياه، والملوحة، وعمق المياه، وحركة التيارات، ومعدلات تجدد المياه، وجودة المياه، وتركيز الأكسجين الذائب، وتوافر المغذيات، وطبيعة القاع، والقرب من مصادر المياه، فضلًا عن البعد عن مصادر التلوث وممرات الملاحة والمناطق ذات الحساسية البيئية.

ومن ثم، فإن تطوير الاستزراع السمكي في اليمن ينبغي أن يبدأ بإعداد خرائط ملاءمة مكانية للمواقع الساحلية، تعتمد على البيانات الهيدروغرافية والبيئية والمناخية، وتحدد المناطق الأكثر ملاءمة لكل نظام من نظم الاستزراع، مع مراعاة القدرة الاستيعابية للبيئة الساحلية. ويُعد هذا الشرط ضروريًا لتجنب نقل الضغط من المصايد الطبيعية إلى البيئة الساحلية أو تحويل مشاريع الاستزراع نفسها إلى مصدر للتلوث وتدهور الموائل.

  1. ملاءمة الأقفاص العائمة للبيئة الساحلية اليمنية

تُعد الأقفاص العائمة (Floating Cages) من النظم التي يمكن دراسة إمكانية تطبيقها في بعض المناطق الساحلية اليمنية، خصوصًا في المواقع المحمية نسبيًا التي تتوافر فيها أعماق مناسبة وحركة مياه تساعد على تجديد المياه وتخفيف تراكم المخلفات. ويمكن أن تشمل هذه المواقع بعض الخلجان والأخوار والمناطق الساحلية المحمية نسبيًا على امتداد خليج عدن والبحر الأحمر، شريطة إجراء تقييمات بيئية وهيدروغرافية مسبقة لكل موقع[10].

وتكمن أهمية هذا النظام في إمكانية الاستفادة من البيئة البحرية الطبيعية دون الحاجة إلى إنشاء أحواض برية واسعة، إلا أن نجاحه يعتمد بصورة أساسية على اختيار الموقع المناسب، ومراعاة معدلات حركة المياه والأمواج والعواصف، وكثافة الأسماك داخل الأقفاص، وجودة الأعلاف، وإدارة المخلفات، والمسافة الآمنة من الشعاب المرجانية ومناطق التكاثر وممرات الملاحة.

وعليه، فإن استخدام الأقفاص العائمة في اليمن ينبغي ألا يتم بصورة عشوائية، وإنما ضمن مناطق استزراع بحرية محددة، وفق نظام ترخيص ومراقبة يضمن عدم تعارضها مع أنشطة الصيد والملاحة وحماية النظم البيئية الحساسة.

  1. نظم الاستزراع المغلقة ذات التدوير المائي (Marine RAS)

يمثل نظام التدوير المائي المغلق (Recirculating Aquaculture Systems RAS) خيارًا آخر يمكن أن يكون مناسبًا لبعض المناطق الساحلية اليمنية، خصوصًا في المواقع التي تتوافر فيها البنية الأساسية اللازمة للطاقة والمياه والخدمات الفنية.

وتتميز هذه النظم بقدرتها على إعادة استخدام المياه ومعالجة المخلفات والتحكم بدرجة أكبر في جودة المياه، بما في ذلك درجة الحرارة والملوحة والأكسجين والأمونيا، الأمر الذي يسمح بإنتاج الأسماك في بيئة أكثر تحكمًا وأقل تعرضًا للتقلبات الخارجية مقارنة ببعض النظم المفتوحة.

وتبرز أهمية هذا النظام بالنسبة لليمن في إمكانية إنشاء وحدات استزراع قريبة من الأسواق والمراكز الحضرية والموانئ، دون الاعتماد الكامل على المساحات الساحلية المفتوحة. كما يمكن استخدامه في المراحل الحساسة من دورة الإنتاج، مثل إنتاج الزريعة والحضانة والتسمين، وفي استزراع الأنواع البحرية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.

ومع ذلك، فإن ارتفاع التكلفة الاستثمارية والحاجة إلى الطاقة المستمرة والخبرات الفنية والصيانة الدورية تمثل تحديات ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم جدوى تطبيق هذه التقنية في اليمن. ولذلك، يجب أن يستند اختيارها إلى دراسة الجدوى الاقتصادية وتوافر الطاقة والبنية التحتية والقدرات الفنية في الموقع المستهدف.

  1. اختيار المواقع الساحلية ذات الإنتاجية الطبيعية المرتفعة

تمتلك بعض المناطق الساحلية اليمنية خصائص بيئية قد تجعلها جديرة بالدراسة كمواقع محتملة للاستزراع السمكي والمفرخات البحرية، ومن بينها المناطق القريبة من مصبات الأودية التي تحمل خلال مواسم السيول كميات من المواد العضوية والعناصر الغذائية إلى البيئة الساحلية.

ومن الأمثلة التي تستحق الدراسة بعض المناطق الواقعة على البحر العربي في محافظة أبين، ولا سيما المناطق القريبة من مصب وادي بنا. إذ يمكن أن تسهم المواد العضوية والمغذيات التي تحملها السيول في رفع الإنتاجية الأولية في المناطق الساحلية، وتعزيز نمو العوالق، وجذب بعض الأنواع السمكية إلى مناطق التغذية والتكاثر.

غير أن وجود مصب مائي أو ارتفاع الإنتاجية الطبيعية لا يعني بالضرورة أن الموقع مناسب بصورة مباشرة لإنشاء مزرعة سمكية. فقد تحمل السيول أيضًا رواسب وملوثات أو تغيرات مفاجئة في الملوحة والعكارة، ولذلك يجب إخضاع هذه المناطق لدراسات تفصيلية تشمل جودة المياه، والملوحة، والعكارة، وحركة التيارات، ومعدلات تجدد المياه، وتركيز الأكسجين، ونوعية القاع، والتغيرات الموسمية، ومدى تأثير السيول على النظام البيئي.

ويمكن، في حال أثبتت الدراسات ملاءمة الموقع، بحث إمكانية إنشاء مفرخ بحري بالقرب من هذه المناطق لإنتاج الزريعة واليرقات، وفقًا للأنواع المستهدفة والظروف البيئية والفنية المتاحة. كما يمكن دراسة تصميمات مختلفة للمزارع الساحلية، بما في ذلك المزارع شبه المغلقة أو التصميمات التي تسمح بتجدد المياه بصورة مستمرة، بدلًا من اعتماد نموذج هندسي واحد على جميع المناطق.

  1. اختيار الأنواع السمكية ذات الجدوى الاقتصادية

لا تقل أهمية اختيار النوع السمكي عن اختيار نظام الاستزراع والموقع؛ إذ ينبغي أن يستند الاختيار إلى مجموعة من المعايير، تشمل القدرة على التكيف مع الظروف البيئية المحلية، وسرعة النمو، ومقاومة الأمراض، وتوافر الزريعة، وكفاءة تحويل الغذاء، والطلب المحلي والإقليمي، والقيمة السوقية.

وفي هذا الإطار، يمكن دراسة إمكانية استزراع عدد من الأنواع البحرية ذات القيمة الاقتصادية، مثل السبيطي والهامور والباراموندي والسيجان، إلى جانب بعض أنواع البلطي القادرة على تحمل درجات متفاوتة من الملوحة في البيئات المناسبة.

كما يمثل الروبيان الأبيض الفانمي (Vannamei) أحد الأنواع التي يمكن دراسة جدوى استزراعها في اليمن، بالنظر إلى أهميته الاقتصادية وانتشاره عالميًا في قطاع الاستزراع، إلا أن إدخاله أو التوسع فيه يجب أن يخضع لتقييمات بيئية وصحية وتشريعية دقيقة، خصوصًا فيما يتعلق بالأمراض والتأثيرات المحتملة على الأنواع المحلية والبيئة الطبيعية.

وبالتالي، فإن التوجه الأنسب لا يتمثل في التركيز على نوع واحد، وإنما في بناء محفظة من الأنواع المستزرعة تتناسب مع اختلاف البيئات الساحلية والأسواق المستهدفة، مع إعطاء الأولوية للأنواع المحلية أو المتأقلمة بيئيًا كلما كان ذلك ممكنًا.

  1. المفرخات البحرية ودعم تنمية المصايد

يمثل إنشاء المفرخات البحرية الوطنية أحد العناصر الأساسية في بناء قطاع استزراع سمكي متكامل؛ إذ توفر المفرخات الزريعة اللازمة للمزارع، ويمكن أن تؤدي دورًا في دعم برامج إعادة تأهيل بعض المصايد المتدهورة، إذا ما تم استخدامها ضمن برامج علمية لإعادة الإطلاق تستند إلى تقييمات دقيقة للمخزون والأنواع المحلية.

ومن المهم أن يتم تصميم المفرخات وفق الأنواع المستهدفة والظروف البيئية المحلية، مع تطوير قدرات متخصصة في إنتاج اليرقات والحضانة والتغذية والأمن الحيوي. كما يمكن للمفرخات أن تصبح جزءًا من منظومة بحثية وطنية تتيح دراسة الأنواع المحلية وإمكانات استزراعها بدلًا من الاعتماد الكامل على الأنواع المستوردة.

  1. تطوير الأعلاف ومصادر البروتين البديلة

يمثل ارتفاع تكلفة الأعلاف أحد أهم التحديات التي يمكن أن تواجه توسع الاستزراع السمكي، ولذلك فإن نجاح هذا القطاع في اليمن يرتبط أيضًا بقدرة الدولة والقطاع الخاص والباحثين على تطوير مصادر علفية محلية ومستدامة.

ويمكن الاستفادة من الخامات العلفية التقليدية المتاحة، مثل مسحوق السمك وفول الصويا، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير بدائل محلية من خلال استزراع الطحالب والاستفادة من المنتجات الثانوية والمخلفات الزراعية والغذائية.

ومن المجالات التي تستحق البحث استخدام مخلفات الخضروات والفواكه، ومخلفات تصنيع الطماطم والعصائر، وقشور ومخلفات الموز وغيرها، بعد معالجتها ورفع قيمتها الغذائية باستخدام تقنيات مناسبة، ومن بينها التخمير الحيوي، بما قد يسمح باستخدامها كمكونات في أعلاف الأسماك والقشريات[11].

ولا تقتصر الفائدة على تقليل تكلفة الأعلاف؛ إذ يمكن لهذا النهج أن يسهم في تدوير المخلفات وتقليل العبء البيئي وتحويل المنتجات الثانوية الزراعية والغذائية إلى مدخلات ذات قيمة اقتصادية.

كما يمكن الاستفادة من المخلفات الناتجة عن أسواق الأسماك ومصانع تجهيزها في إنتاج مسحوق السمك ومكونات علفية أخرى، بعد جمعها وفرزها ومعالجتها وفق معايير فنية وصحية مناسبة، بما يتيح إنشاء سلسلة قيمة متكاملة داخل قطاع الثروة السمكية.

  1. نحو نموذج متكامل للاستزراع السمكي اليمني

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن البيئة الساحلية اليمنية تمتلك إمكانات واعدة، لكنها غير متجانسة، لتطوير الاستزراع السمكي الحديث. ولذلك فإن الخيار الأكثر ملاءمة لا يتمثل في تبني تقنية واحدة لجميع المناطق، وإنما في بناء نموذج متعدد الأنظمة يعتمد على خصائص كل منطقة.

فقد تكون الأقفاص العائمة أكثر ملاءمة لبعض الخلجان والأخوار والمناطق البحرية المحمية نسبيًا، في حين قد تكون نظم (RAS)[12] أكثر ملاءمة للمشاريع القريبة من المراكز الحضرية والأسواق، وقد تكون المزارع الساحلية والمفرخات مناسبة لبعض المواقع التي تتوافر فيها مصادر مياه وظروف بيئية وهيدروغرافية ملائمة.

ويقتضي ذلك إنشاء منظومة وطنية لتقييم ملاءمة المواقع للاستزراع السمكي، تعتمد على المسح الجغرافي والبيئي والهيدروغرافي، وتحدد لكل منطقة النظام والأنواع المناسبة، مع تحديد مناطق الاستزراع بعيدًا عن الشعاب المرجانية ومناطق الحضانة والتكاثر والممرات الملاحية ومصادر التلوث.

 

سادسًا: الخاتمة

إن الثروة البحرية والمصايد السمكية في اليمن ليست مجرد شريط ساحلي يمتد لأكثر من 2,500 كيلومتر، ولا مجرد رصيد طبيعي يتوزع على أكثر من 180 جزيرة، بل تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا وركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، وموردًا استراتيجيًا قادرًا على الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية إذا ما أُدير واستُثمر بصورة رشيدة.

وتشكل السواحل اليمنية وجزرها وموائلها البحرية المتنوعة كنزًا وطنيًا فريدًا، يمتلك إمكانات كبيرة لتطوير المصايد، والاستزراع السمكي، والسياحة البحرية والبيئية، والطاقة البحرية، والخدمات اللوجستية، وغيرها من مكونات الاقتصاد الأزرق. غير أن استمرار الاستنزاف والصيد الجائر والتلوث وتدهور الموائل البحرية، إلى جانب ضعف الحوكمة والرقابة ومحدودية البحث العلمي، يهدد بتحويل هذه الميزة الطبيعية إلى مورد آخذ في التراجع بدلًا من أن يكون محركًا للتنمية المستدامة.

ومن ثم، فإن الانتقال من واقع الاستنزاف والتدهور البيئي إلى آفاق اقتصاد أزرق يمني مستدام يتطلب تكاملًا حاسمًا بين حوكمة المصايد الطبيعية وحمايتها، وتطوير نظم الرصد والبحث العلمي، والتوسع المدروس في تقنيات الاستزراع الساحلي، وتطوير صناعة الأعلاف البديلة، والاستفادة من المخلفات الزراعية والسمكية، وتأهيل الصيادين ودمجهم في منظومة الإدارة المستدامة للموارد البحرية.

إن حماية الثروة البحرية اليمنية وإدارتها وفق رؤية علمية ورشيدة لا تمثل خيارًا تنمويًا فحسب، بل ضرورة وطنية واقتصادية وبيئية؛ فاستعادة التوازن البيئي للمصايد، وتنمية المخزون السمكي، والاستثمار في الموارد البحرية، يمكن أن تحول السواحل والجزر اليمنية من موارد مستنزفة إلى رافعة حقيقية للأمن الغذائي والنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحقيق الازدهار المستدام للأجيال القادمة.

سابعًا: التوصيات

لتطوير قطاع الثروة السمكية في اليمن، والانتقال به من حالة الاستنزاف إلى مسار الاستثمار الاقتصادي المستدام، يمكن تبني مجموعة من المحاور والإجراءات المتكاملة على النحو الآتي:

  • التنظيم التشريعي والحوكمة البحرية: تفعيل فترات الإغلاق الموسمية، وفرض حظر الصيد خلال مواسم التكاثر، بما يضمن حماية أمهات الأسماك والقشريات، ويتيح للمخزون السمكي فرصة التجدد الطبيعي، ويحد من تدهوره.
  • مكافحة الصيد الجائر والتجريف القاعي: حظر استخدام شباك الجرف في المناطق الحساسة، وتشديد الرقابة وتغليظ العقوبات على المخالفين، بما يسهم في حماية الشعاب المرجانية والموائل الصخرية والطينية والحد من تدمير البيئات القاعية.
  • الرقابة على الممرات الملاحية ورصد التلوث البحري: تعزيز مراقبة السفن وناقلات النفط، ولا سيما قبالة سواحل المهرة وخليج عدن، للحد من مخاطر التلوث البحري وتسرب المحروقات والتصريف غير القانوني لمياه التوازن وغيرها من الملوثات.
  • تنمية المصايد ونمذجة المخزون السمكي: إنشاء منظومة وطنية للرصد وجمع البيانات وتحليلها، وتطوير نماذج علمية دقيقة لتقدير حجم المخزون السمكي، ومعدلات التجدد، وجهد الصيد، بما يساعد على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة العلمية.
  • إدارة الموانئ والرصد والرقابة: إنشاء نقاط معاينة وتفتيش إلزامية في موانئ الصيد، وربط منح تصاريح الصيد بمتطلبات واضحة، مع إلزام كل مركب بتسجيل بيانات المصيد بصورة منتظمة، بما في ذلك الأنواع والكميات والأحجام ومواقع الصيد وأوقاته، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة.
  • التوسع في الاستزراع السمكي الحديث (Aquaculture): تبني أنظمة الاستزراع الملائمة للظروف البيئية والساحلية اليمنية، بما يرفع الإنتاجية ويخفف الضغط على المصايد الطبيعية، مع مراعاة القدرة الاستيعابية للبيئات الساحلية ومتطلبات الاستدامة البيئية.
  • استهداف الأنواع ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة: التركيز على استزراع الأنواع ذات الطلب والعائد الاقتصادي المرتفع، مثل السبيطي، والهامور، والباراموندي (القاروص الآسيوي)، والسيجان، والروبيان الفانمي، إلى جانب دراسة فرص الاستثمار في استزراع الطحالب البحرية واستخدامها كمصدر بديل ومستدام للبروتين والمكونات الغذائية في صناعة الأعلاف.
  • تطوير صناعة الأعلاف والاستفادة من المخلفات: استخدام الخامات العلفية التقليدية عند توافرها، مع التوسع في تدوير المخلفات الزراعية والغذائية وتطبيق تقنيات المعالجة والتخمير الحيوي لرفع قيمتها الغذائية وإدخالها في صناعة الأعلاف كمصادر بروتين نباتي منخفضة التكلفة. كما ينبغي الاستفادة من مخلفات الأسماك الناتجة عن الأسواق والمسالخ ومصانع التجهيز، وإنشاء وحدات أو معامل متخصصة لمعالجتها وإنتاج مسحوق سمك عالي الجودة يلبي احتياجات السوق المحلية ويفتح المجال أمام التصدير.
  • إنشاء وتفعيل المراكز البحثية ومراكز الرصد والإنذار المبكر: تطوير مراكز بحثية متخصصة في علوم البحار والمصايد، وإنشاء منظومة للرصد والإنذار المبكر لمتابعة التغيرات البيئية، بما في ذلك ظواهر المد الأحمر، والتغيرات المفاجئة في درجات حرارة المياه القاعية، وانخفاض مستويات الأكسجين الذائب، وغيرها من الظواهر التي قد تؤدي إلى نفوق جماعي للأسماك والقشريات والكائنات البحرية القاعية، بما يسمح بالتدخل المبكر والحد من الخسائر.
  • تأسيس المفرخات الوطنية: إنشاء مفرخات بحرية متخصصة لإنتاج الزريعة واليرقات من الأنواع السمكية والقشريات ذات الأهمية الاقتصادية، بما يدعم مشاريع الاستزراع السمكي، ويسهم في إعادة تأهيل وتنمية المناطق والمصايد المتضررة وفق برامج علمية مدروسة.
  • التأهيل والإرشاد الميداني للصيادين: تنفيذ برامج مستمرة للتوعية والتدريب والإرشاد الميداني للصيادين حول أساليب الصيد المستدام، ومواسم الصيد، والأحجام المسموح باصطيادها، ومناطق الحظر، واستخدام معدات الصيد الملائمة، بما يعزز مشاركة الصيادين في حماية الموارد البحرية وإدارتها.

 


[1] خالد عبدالجليل النجار، «ريادة الأعمال ومشاركة الشباب في الاقتصاد الأزرق في اليمن ودول الخليج والدول المطلة على البحر الأحمر»، يوليو/تموز 2025، OASIS، https://oasisye.org/blue_economy.php

[2] Foods and Agriculture Organization of the United Nations (FAO). (2022). The State of World Fisheries and Aquaculture 2022: Towards Blue Transformation. FAO. https://doi.org/10.4060/cc0461en

 

[3] Zajonz, U., E. Lavergne, S. V. Bogorodsky, F. N. Saeed, M. S. Aideed, and F. Krupp. “Coastal Fish Diversity of the Socotra Archipelago, Yemen.” Zootaxa 4636, no. 1 (2019): 1–108. And Alnedhary, A. A., M. M. Al-Hammadi, A. A. Numan, F. A. Murshed, and R. A. Alalie. “Baseline Study for the Total Mercury Determination in Yemeni Fish.” Heliyon 10, no. 10 (2024).

[4] A. M. Al-Fareh, “The Impact of the War in Yemen on Artisanal Fishing of the Red Sea,” LSE Middle East Centre Report (London: LSE Middle East Centre, 2018).

[5] Food and Agriculture Organization of the United Nations. “Fishery and Aquaculture Country Profiles: The Republic of Yemen.” Rome: FAO, 2020. https://www.fao.org/fishery/publication/87571/en?status=published

[6] Food and Agriculture Organization of the United Nations. Yemen Crisis Response Plan: Fisheries and Agriculture Livelihoods Restoration. Rome: FAO, 2021.

[7] Al-Fareh, “The Impact of the War in Yemen on Artisanal Fishing”.

[8] Schott, Friedrich A., and John P. McCreary Jr. “The Monsoon Circulation of the Indian Ocean.” Progress in Oceanography 51, no. 1 (2001): 1–123. https://doi.org/10.1016/S0079-6611(01)00083-0

[9] Maria V. Alvanou and Ioannis A. Giantsis, “Sparus aurata (Gilthead Seabream),” CABI Compendium, no. 88370 (2025), https://doi.org/10.1079/cabicompendium.88370

[10] Regional Organization for the Conservation of the Environment of the Red Sea and Gulf of Aden. (2010). Regional action plan for the sustainable development of aquaculture in the Red Sea and Gulf of Aden. PERSGA. https://www.persga.org/publications/regional-action-plan-for-the-sustainable-development-of-aquaculture-in-the-red-sea-and-gulf-of-aden/

[11] Alqabili, A. M., A. M. Eid, H. S. Dighiesh, and B. A. Alo. “Fermented By-Products from Fruits as a Protein Source in the Basa Fish (Pangasius bocourti) Diets.” Egyptian Journal of Aquatic Biology and Fisheries 29, no. 5 (2025): 667–690.

[12] نظم التدوير المائي (Recirculating Aquaculture Systems – RAS): نظم استزراع سمكي مغلقة أو شبه مغلقة تعتمد على إعادة تدوير مياه الاستزراع بعد معالجتها وتنقيتها، مع التحكم في جودة المياه، بما يشمل الأكسجين والحرارة والملوحة والأمونيا، بما يتيح تقليل استهلاك المياه وتحسين التحكم في ظروف التربية وتقليل تصريف المخلفات إلى البيئة المحيطة.

Read Download
Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.