Studies Women and Peace Studies Program

الأمن الإنساني للمرأة اليمنية في ظل التصعيد العسكري في باب المندب

Ahlam Abdullah PDF available
الأمن الإنساني للمرأة اليمنية في ظل التصعيد العسكري في باب المندب

الملخص التنفيذي

يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، لربطه البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ودوره الحيوي في حركة التجارة والإمدادات الإنسانية. وفي 10 سبتمبر 2026 شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا تمثل في سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزيرة ميون ومن ثم مضيق باب المندب، بما أثار مخاوف بشأن أمن الملاحة واستقرار التجارة والإمدادات. وأسفر التصعيد عن نزوح نحو 130,000 شخصًا حتى 22 سبتمبر 2026، وسقوط 3,672 قتيلاً وجريحاً، فضلًا عن تضرر سبع منشآت صحية وخدمية.

تنطلق الدراسة من مقاربة تتجاوز مفهوم الأمن البحري التقليدي الذي يركز على حماية الملاحة والتجارة، إلى تحليل انعكاساته على الأمن الإنساني للمرأة اليمنية، من خلال أبعاد الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والشخصي، وربطها بأجندة المرأة والسلام والأمن وقرار مجلس الأمن 1325.

وتبين النتائج أن التصعيد العسكري أدى إلى تدهور مركب في أوضاع النساء؛ إذ أسهم اضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد في ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، بينما أدى تضرر المنشآت الصحية وتعطل الخدمات إلى زيادة المخاطر الصحية، خصوصًا للحوامل والمرضعات. كما أدى النزوح واتساع العمليات العسكرية إلى ارتفاع احتياجات الحماية ومخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتراجع قدرة النساء والمنظمات النسوية على المشاركة في الاستجابة وبناء السلام.

وتخلص الدراسة إلى وجود علاقة مباشرة بين استقرار باب المندب والأمن الإنساني للمرأة، لأن اضطراب الملاحة والموانئ يؤثر في وصول الغذاء، والدواء والوقود والمساعدات. وتوصي بتعزيز الاستجابة الإنسانية الحساسة للنوع الاجتماعي، ودعم النساء النازحات والمعيلات، وتوسيع خدمات الحماية والصحة الإنجابية والدعم النفسي والاجتماعي، وضمان مشاركة النساء في إدارة الأزمات وبناء السلام، وإدماج المنظور الجندري في سياسات الأمن البحري وإدارة الموانئ والممرات البحرية.

الكلمات المفتاحية: المرأة اليمنية، الأمن الإنساني، باب المندب، النزوح، المرأة والسلام والأمن، النوع الاجتماعي، النزاعات المسلحة، اليمن.

 

المقدمة

يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية. وفي 10 سبتمبر 2026 شهدت المنطقة تطورًا عسكريًا مؤثرًا تمثل في السيطرة على مدينة المخا الاستراتيجية وجزيرة ميون الأكثر قربًا من المضيق، الأمر الذي أثار مخاوف إقليمية ودولية بشأن أمن الملاحة الدولية وتداعيات الصراع على الاستقرار الإقليمي[1].

ورغم أن النقاشات السياسية والأمنية غالبًا ما تركز على الأبعاد العسكرية والاستراتيجية لهذه التطورات، فإن البعد الإنساني لا يقل أهمية، خاصة فيما يتعلق بأوضاع النساء اللواتي يتحملن أعباء مضاعفة خلال فترات الصراع والنزوح وانهيار الخدمات العامة. وتشير الأدبيات المتعلقة بالنزاعات المسلحة إلى أن النساء يتأثرن بصورة غير متكافئة بالنزاعات بسبب الأدوار الاجتماعية التي يقمن بها وضعف فرص الحماية الاقتصادية والمؤسسية المتاحة لهن[2].

الإطار النظري والمنهجي

تنطلق هذه الدراسة من التساؤل الرئيسي: كيف يؤثر التصعيد العسكري في باب المندب على أبعاد الأمن الإنساني للمرأة اليمنية، بما يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي، والشخصي، والمجتمعي، والسياسي؟ وتفترض الدراسة أن التصعيد العسكري يؤدي إلى تراجع مستويات الأمن الإنساني للنساء بصورة أكبر من بقية الفئات السكانية نتيجة تداخل آثار النزاع مع أوجه الهشاشة القائمة المرتبطة بالنوع الاجتماعي. وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من تناولها لتداعيات التطورات العسكرية الأخيرة في منطقة ذات أهمية استراتيجية دولية من منظور يركز على المرأة، باعتبارها من أكثر الفئات تأثرًا بالنزاعات المسلحة وما تخلّفه من آثار إنسانية، واجتماعية، واقتصادية، وأمنية. كما تسعى الدراسة إلى الإسهام في إثراء النقاشات المرتبطة بأجندة المرأة والسلام والأمن في اليمن من خلال تحليل انعكاسات التصعيد العسكري على الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

ورغم أن العلاقة بين المرأة والأمن البحري ليست موضوعًا جديدًا بالكامل في الأدبيات الدولية، فإنها لا تزال تمثل حقلًا بحثيًا ناشئًا نسبيًا مقارنة بالدراسات المتعلقة بالأمن التقليدي والنزاعات البرية. فقد تناولت بعض الدراسات آثار القرصنة والنزاعات الساحلية والهجرة البحرية على النساء في مناطق متعددة، مثل القرن الإفريقي والبحر المتوسط، وأظهرت أن النساء غالبًا ما يتأثرن بصورة غير متكافئة بالتحديات المرتبطة بانعدام الأمن البحري، سواء من خلال تراجع سبل العيش، أو تفاقم انعدام الأمن الغذائي، أو زيادة الأعباء الاجتماعية والأسرية في المجتمعات المتضررة من النزاعات والجرائم البحرية. وعلى الرغم من التطور النسبي في هذا المجال البحثي، فإن الدراسات التي تناولت العلاقة المباشرة بين التحولات العسكرية في الممرات البحرية الاستراتيجية والأمن الإنساني للمرأة ما تزال محدودة، ولا سيما في الحالة اليمنية [3].

ومن ثم، تسعى هذه الدراسة إلى الإسهام في سد هذه الفجوة البحثية من خلال تحليل تأثير التطورات العسكرية في مضيق باب المندب على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للمرأة اليمنية، واستكشاف الروابط بين الأمن البحري وتدفقات التجارة والمساعدات الإنسانية من جهة، والأمن الاقتصادي والصحي والاجتماعي للمرأة اليمنية من جهة أخرى. كما تسهم الدراسة في تطوير الأدبيات المتعلقة بالأمن البحري من خلال نقل مستوى التحليل من الدولة وأمن الملاحة الدولية إلى مستوى الأمن الإنساني للأفراد، وتحديدًا النساء في بيئات النزاع، وتقديم إطار تحليلي يربط بين الأمن البحري والأمن الإنساني وأجندة المرأة والسلام والأمن في الحالة اليمنية.

كما أن الأدبيات الخاصة باليمن لم تتناول بصورة مباشرة ومفصلة تأثير التطورات العسكرية والأمنية في باب المندب، وسيطرة الفاعلين المسلحين على الموانئ والممرات البحرية، وانعكاسات ذلك على الأمن الإنساني للمرأة اليمنية. إذ تركز معظم الدراسات المتاحة إما على قضايا الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب، أو على أوضاع النساء في سياق النزاع اليمني بصورة عامة، في حين يظل الربط بين المجالين محدودًا. ومن ثمّ، تبرز فجوة بحثية تتمثل في غياب الدراسات التي تستكشف أثر التفاعلات بين الأمن البحري والتحولات العسكرية من جهة، والأمن الإنساني للمرأة اليمنية من جهة أخرى، وهي الفجوة التي تسعى هذه الدراسة إلى الإسهام في معالجتها.

وقد بدأت بعض الدراسات الحديثة في إبراز أهمية دمج المنظور الجندري في قضايا الأمن البحري، انطلاقًا من أن استقرار الممرات البحرية لا يقتصر على حماية التجارة الدولية، بل يمتد أثره إلى تعزيز الأمن الإنساني للمجتمعات الساحلية والسكان المدنيين[4]. كما تؤكد هذه الدراسات أن النساء يتأثرن بصورة مختلفة بالتحديات المرتبطة بالمجال البحري، بما في ذلك اضطراب سبل العيش الساحلية، وتراجع الفرص الاقتصادية، وانعكاسات الهجرة البحرية وانعدام الأمن على المجتمعات المحلية. وترى هذه الأدبيات أن قضايا الملاحة والموانئ والتجارة البحرية ليست قضايا محايدة جندريًا، بل تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي للنساء، لاسيما في المجتمعات الهشة والمتأثرة بالنزاعات[5].

وتوجد أدبيات دولية ركزت على الأبعاد الجندرية للأمن البحري، بما في ذلك تأثير التهديدات البحرية على المجتمعات الساحلية، ودور المرأة في تعزيز الاستقرار المحلي. وتشير هذه الدراسات إلى أن التهديدات البحرية لا تقتصر آثارها على الملاحة والتجارة الدولية، بل تمتد لتشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والاجتماعي للمجتمعات الساحلية، حيث تتأثر النساء بصورة غير متكافئة بتعطل سبل العيش المرتبطة بالصيد والتجارة والخدمات البحرية، فضلًا عن زيادة الأعباء المعيشية والأسرية الناتجة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

كما بينت الأدبيات المتعلقة بالهجرة البحرية والنزوح القسري أن النساء والفتيات يواجهن تحديات خاصة أثناء التنقل عبر الممرات البحرية، تشمل محدودية الحماية، وارتفاع مخاطر الاستغلال والعنف، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما يعكس الترابط الوثيق بين الأمن البحري والأمن الإنساني. ومع ذلك، ما تزال الدراسات التي تبحث بصورة مباشرة في تأثير التحولات العسكرية في الممرات البحرية الاستراتيجية على الأمن الإنساني للمرأة محدودة، ولا سيما في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، وهو ما يبرز الحاجة إلى مزيد من البحث في هذا المجال.

وتُعد دراسة «رسم مسار جديد: المرأة والسلام والأمن والمجال البحري» (Charting a New Course: Women, Peace and Security, and the Maritime Domain) من أبرز الدراسات التي ربطت بين أجندة المرأة والسلام والأمن والأمن البحري، مؤكدة أن القضايا البحرية ليست محايدة جندريًا، وأن استقرار الممرات البحرية يرتبط بصورة مباشرة بحماية الأمن الإنساني للمجتمعات الساحلية. كما أوضحت دراسة «استراتيجيات الأمن البحري من منظور جندري» (Maritime Security Strategies from a Gender Perspective) أن سياسات الأمن البحري يمكن أن تؤثر في فرص التمكين الاقتصادي والمشاركة المجتمعية للنساء، وأن دمج المنظور الجندري يسهم في تعزيز المساواة والاستدامة ضمن هذا القطاع.

وعلى الرغم من هذا التطور في الأدبيات الدولية، ما تزال الدراسات التي تناولت العلاقة المباشرة بين التحولات العسكرية في الممرات البحرية الاستراتيجية والأمن الإنساني للمرأة محدودة، ولا سيما في الحالة اليمنية. فمعظم الدراسات ركزت إما على الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب، أو على أوضاع النساء في سياق النزاع اليمني بصورة عامة، بينما ظل الربط بين المجالين محدودًا.

ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة من خلال تحليل تأثير التصعيد العسكري في باب المندب على الأبعاد الاقتصادية والغذائية والصحية والمجتمعية والسياسية للأمن الإنساني للمرأة اليمنية، وإبراز العلاقة بين الأمن البحري وأجندة المرأة والسلام والأمن في سياق النزاع اليمني. كما تسهم الدراسة في تطوير الأدبيات المتعلقة بالأمن البحري من خلال نقل التحليل من مستوى الدولة والملاحة الدولية إلى مستوى الأمن الإنساني للأفراد، وتحديدًا النساء في بيئات النزاع.

تعتمد هذه الدراسة على مفهوم الأمن الإنساني (Human Security) بوصفه الإطار التفسيري الرئيس لفهم انعكاسات التصعيد العسكري في باب المندب على أوضاع المرأة اليمنية. وقد برز هذا المفهوم منذ صدور تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1994، والذي نقل مفهوم الأمن من التركيز على حماية الدولة والحدود إلى التركيز على حماية الأفراد وحقوقهم الأساسية. ووفقًا لهذا المنظور، لا يقتصر الأمن على غياب التهديدات العسكرية، بل يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والبيئي، والشخصي، والمجتمعي، والسياسي.

ويُعد هذا الإطار ملائمًا لتحليل تداعيات التصعيد العسكري في باب المندب، نظرًا لقدرته على تفسير الآثار غير المباشرة للنزاعات على حياة المدنيين، ولا سيما النساء اللاتي يواجهن تحديات متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل والحماية الاجتماعية.[6] وانطلاقًا من هذا المنظور، فإن آثار التصعيد العسكري في باب المندب لا تُقاس فقط بحجم المكاسب أو الخسائر العسكرية، بل بمدى انعكاسها على الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والشخصي للمدنيين. ويمثل النزوح القسري، وتدهور الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر، واتساع مخاطر العنف مؤشرات رئيسة على تراجع مستويات الأمن الإنساني للمرأة اليمنية في سياق النزاع.

كما تستند الدراسة إلى النظرية النسوية في العلاقات الدولية (Feminist Theory) بوصفها إطارًا مكمّلًا يفسر الكيفية التي تؤثر بها الحروب والنزاعات المسلحة بصورة غير متكافئة على النساء[7]. وتنتقد هذه النظرية المقاربات الأمنية التقليدية التي تركز على الدولة والقدرات العسكرية مع إغفال التجارب اليومية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء. وترى أن الهياكل الاجتماعية والثقافية القائمة على التفاوت بين الجنسين تجعل النساء أكثر عرضة للحرمان الاقتصادي والعنف والتهميش السياسي خلال فترات الصراع، مما يفاقم من هشاشتهن وقدرتهن المحدودة على التكيف مع الأزمات [8].

وفي الحالة اليمنية، تساعد النظرية النسوية على تفسير التأثير غير المتكافئ للتصعيد العسكري في باب المندب على النساء، ليس فقط نتيجة التعرض المباشر للعنف والنزوح، وإنما أيضًا بسبب تراكم أشكال التمييز الاجتماعي والاقتصادي التي تحد من فرص الوصول إلى الموارد والخدمات والحماية. كما تسهم هذه المقاربة في فهم تزايد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وضعف تمثيل النساء في عمليات صنع القرار والاستجابة الإنسانية وبناء السلام[9]. وبالتالي من خلال الجمع بين مفهوم الأمن الإنساني والنظرية النسوية، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم إطار تحليلي يربط بين التحولات العسكرية في باب المندب وأبعاد الأمن الإنساني للمرأة اليمنية، ويوضح كيف يؤدي اضطراب الأمن البحري وسلاسل الإمداد والنزوح وتدهور الخدمات الأساسية إلى تعميق هشاشة النساء وتراجع مستويات أمنهن الإنساني.

واعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي من خلال مراجعة الأدبيات العلمية المتعلقة بالأمن الإنساني والنظرية النسوية والأمن البحري، وتحليل التقارير الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية حتى منتصف سبتمبر 2026، إضافة إلى توظيف البيانات الكمية والنوعية المتاحة لفهم انعكاسات التصعيد العسكري في باب المندب على المرأة اليمنية. كما اعتمدت أيضا الدراسة على متابعة التطورات الميدانية والتقارير الإخبارية والإنسانية المتعلقة بالأزمة، مع الإشارة إلى أن محدودية الوصول الميداني إلى بعض مناطق النزاع واحتمال تغير مؤشرات النزوح والخسائر البشرية قد أثران في دقة بعض التقديرات المنشورة.

أولا: الأمن البحري كمدخل لتعزيز الأمن الإنساني

وفق مقاربة الأمن الإنساني، لا يقتصر الأمن على حماية الحدود أو الممرات البحرية، وإنما يمتد إلى حماية الأفراد وضمان حصولهم على الغذاء والصحة والدخل والأمان الشخصي. ومن هذا المنطلق، فإن استقرار الملاحة في باب المندب يمثل أحد العوامل المؤثرة في الأمن الإنساني للسكان اليمنيين، وخاصة النساء، نظرًا لاعتماد اليمن بصورة كبيرة على الواردات والمساعدات الإنسانية القادمة عبر الموانئ البحرية. وعليه، فإن أي تهديد للأمن البحري في باب المندب ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية والإنسانية للسكان.  وتكشف التطورات الأخيرة في باب المندب أن الأمن البحري والأمن الإنساني ليسا مجالين منفصلين، بل يرتبطان بعلاقة تفاعلية مباشرة. فاستقرار الممرات البحرية يمثل شرطًا أساسيًا لتدفق الغذاء والوقود والأدوية والمساعدات الإنسانية إلى اليمن، بينما يؤدي تدهور الأمن البحري إلى تقويض الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والشخصي للسكان، وخاصة النساء. ومن ثم، فإن باب المندب لا يمثل فقط قضية أمن إقليمي ودولي، بل قضية أمن إنساني تؤثر بصورة مباشرة في حياة المرأة اليمنية وقدرتها على الوصول إلى مقومات العيش الكريم والحماية والأمان. وبالتالي كيف أثرت السيطرة على باب المندب على أبعاد الأمن الإنساني المرأة؟

  1. أبعاد الأمن الانساني:
    1. الأمن الاقتصادي

لا تقتصر أهمية باب المندب على كونه ممرًا استراتيجيًا للملاحة الدولية، بل يمثل أيضًا شريانًا اقتصاديًا حيويًا لتدفق السلع والوقود والمساعدات الإنسانية إلى اليمن. وقد أدى التصعيد العسكري منذ 10 سبتمبر 2026 إلى زيادة المخاوف المرتبطة بحركة النقل البحري وسلاسل الإمداد، الأمر الذي انعكس على تكاليف النقل والشحن وتوافر السلع الأساسية في الأسواق المحلية. وفي ظل الاعتماد الكبير لليمن على الواردات الخارجية لتلبية احتياجاته من الغذاء والوقود والدواء، فإن أي اضطراب في حركة الموانئ والممرات البحرية ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية للسكان. وتتحمل النساء، ولا سيما المعيلات للأسر، نصيبًا أكبر من هذه التداعيات الاقتصادية بحكم مسؤولياتهن المباشرة في تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة وإدارة الموارد المحدودة. كما يسهم ارتفاع الأسعار وتراجع مصادر الدخل واتساع رقعة النزوح في تعميق مستويات الفقر والهشاشة الاقتصادية بين النساء، وزيادة صعوبة الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية والرعاية الصحية. ويسهم اضطراب الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن في زيادة أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر، مما يفاقم مستويات الفقر والهشاشة الاقتصادية بين السكان.

 وتتحمل النساء نصيبًا غير متناسب من هذه التداعيات بحكم مسؤولياتهن في إدارة الاحتياجات المعيشية وتوفير الغذاء والرعاية اليومية لأفراد الأسرة، خاصة في ظل اتساع النزوح وفقدان مصادر الدخل وغياب بعض أفراد الأسرة نتيجة النزاع. ومع اتساع النزوح وفقدان مصادر الدخل وغياب بعض أفراد الأسرة نتيجة النزاع، ارتفعت مسؤوليات النساء المعيلات للأسر بصورة ملحوظة (الأسر أحادية الإعالة). وتواجه النساء المعيلات للأسر تحديات مركبة تتعلق بتأمين الغذاء والمسكن والرعاية الصحية والتعليم للأطفال في ظل محدودية فرص العمل وتراجع المساعدات الإنسانية، الأمر الذي يجعل هذه الفئة من أكثر الفئات هشاشة خلال فترات التصعيد العسكري. كما يؤدي تراجع نشاط الموانئ وتعطل حركة التجارة والنقل والصيد البحري إلى تقليص فرص العمل والدخل في القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الساحلي، بما ينعكس سلبًا على النساء العاملات في تسويق الأسماك وتجهيز المنتجات البحرية والأنشطة التجارية الصغيرة المرتبطة بالموانئ والأسواق المحلية.

 وتؤكد التقارير الأممية أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن تحديات متزايدة نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن استمرار النزاع والتصعيد العسكري، الأمر الذي يضاعف أعباءهن المعيشية ويقيد فرص التعافي الاقتصادي للأسر المتضررة  [10] . وتواجه النساء المعيلات للأسر تحديات مضاعفة في ظل التصعيد العسكري الحالي، إذ يتحملن مسؤولية تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهن في بيئة تتسم بارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل والوصول إلى المساعدات الإنسانية. كما يؤدي النزوح وفقدان مصادر الدخل إلى زيادة اعتماد الأسر على آليات تكيف سلبية، الأمر الذي يفاقم هشاشة النساء اقتصاديًا واجتماعيًا ويحد من قدرتهن على الصمود أمام الأزمات المتكررة.

وتظهر هذه التأثيرات بصورة أكثر وضوحًا في المجتمعات الساحلية الواقعة على امتداد الساحل الغربي اليمني، حيث تعتمد أعداد كبيرة من الأسر على الصيد البحري والتجارة والخدمات المرتبطة بالموانئ كمصدر رئيس للعيش. وقد أدى التصعيد العسكري إلى تعطيل هذه الأنشطة الاقتصادية وتقليص مصادر الدخل، الأمر الذي أسهم في اتساع دائرة الفقر وانعدام الأمن الغذائي وزيادة هشاشة النساء في تلك المجتمعات. وإلى جانب ذلك، تتزايد أعباء الرعاية غير المدفوعة التي تتحملها النساء، بما يشمل رعاية الأطفال والمرضى وكبار السن وتأمين المياه والغذاء والاحتياجات الأساسية، لا سيما في سياقات النزوح وتراجع الخدمات العامة، مما يحد من فرص مشاركتهن الاقتصادية والمجتمعية ويضاعف الضغوط النفسية والاجتماعية الواقعة عليهن.

وأدى أيضا التصعيد العسكري إلى تعطيل أنشطة الصيد البحري والتجارة الساحلية المرتبطة بالموانئ، الأمر الذي أثر على النساء العاملات في تسويق الأسماك، وتجهيز المنتجات البحرية، والأنشطة التجارية الصغيرة المرتبطة بالاقتصاد الساحلي، بما أدى إلى فقدان مصادر دخل إضافية كانت تمثل عنصرًا مهمًا في الصمود الاقتصادي للأسر الساحلية. ويؤدي تعطيل النشاط الاقتصادي وتراجع حركة الموانئ إلى ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية وتراجع فرص العمل[11].  ومن ثم، فإن تأثيرات التصعيد العسكري في باب المندب لا تقتصر على الجوانب الأمنية أو التجارية، وإنما تمتد لتؤثر بصورة مباشرة في الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي للمرأة اليمنية، بما يعكس الترابط الوثيق بين الأمن البحري والأمن الإنساني في سياقات النزاع والهشاشة المستمرة.

وتتأثر النساء بشكل خاص بهذه الأوضاع لعدة أسباب، منها انخفاض مشاركتهن في سوق العمل الرسمي واعتماد كثير من الأسر اليمنية على أنشطة اقتصادية محدودة. كما أن النساء المعيلات لأسرهن يواجهن تحديات أكبر في تأمين الاحتياجات الأساسية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات الإنسانية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات يواجهن عقبات متزايدة في الوصول إلى مصادر الدخل والخدمات نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية[12].

    1. الأمن الغذائي

يسهم تعطل سلاسل الإمداد البحرية في تقليص تدفق المواد الغذائية ورفع أسعارها، مما يزيد من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بين النساء والأطفال. وأدى التصعيد العسكري الذي شهدته منطقة باب المندب منذ 10 سبتمبر 2026 إلى زيادة المخاوف بشأن تدفق السلع التجارية والمساعدات الإنسانية إلى اليمن، نظرًا للأهمية الاستراتيجية للمضيق في حركة التجارة الإقليمية والدولية. وينعكس أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو النقل البحري بصورة مباشرة على أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية، مما يضاعف الأعباء المعيشية على الأسر اليمنية، ولا سيما النساء المسؤولات عن إدارة الاحتياجات اليومية للأسر في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة. كما يفاقم تقييد الوصول الإنساني من مخاطر انعدام الأمن الغذائي وتراجع القدرة الشرائية لدى النساء في المجتمعات المتضررة من النزاع[13]. 

وأثرت التطورات العسكرية على الأنشطة الاقتصادية المحلية المرتبطة بالموانئ والصيد البحري والتجارة والخدمات، وهي قطاعات تشكل مصدر دخل رئيس للعديد من الأسر. وانعكست هذه التطورات بصورة مباشرة على النساء العاملات في المشاريع الصغيرة والأنشطة المنزلية والأسواق المحلية، حيث أدى النزوح وفقدان مصادر الدخل إلى زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية. كما أسهمت القيود الأمنية وتعطل الأسواق في تراجع فرص النساء للوصول إلى الدخل وفرص العمل، الأمر الذي عمّق هشاشتهن الاقتصادية.

    1. الأمن الصحي

أدى التصعيد العسكري إلى زيادة صعوبة وصول النساء إلى الخدمات الصحية الأساسية، خصوصًا خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الحوامل والمرضعات. كما تسبب تضرر البنية التحتية وانقطاع الإمدادات الطبية في تفاقم التحديات الصحية التي تعاني منها النساء في المناطق المتأثرة بالنزاع. وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن آلاف النساء والأطفال تأثروا مباشرة بتضرر المنشآت الصحية وشبكات المياه. كما تؤثر القيود على حركة الواردات والمساعدات الإنسانية في توافر الأدوية والمستلزمات الطبية وخدمات الصحة الإنجابية، الأمر الذي يهدد الأمن الصحي للنساء، ولا سيما الحوامل والمرضعات. كما تؤثر الاضطرابات التي تصيب الموانئ على تدفق المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على وصول النساء إلى خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الحوامل والمرضعات والأدوية الأساسية. وتزداد حدة هذه التداعيات في المناطق الساحلية ومواقع النزوح التي تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية والخدمات المقدمة من المنظمات الدولية. وأدى التصعيد العسكري إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية الخدمية وعرقلة وصول المساعدات، بما في ذلك خدمات المياه والصرف الصحي. وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر في توفير المياه للأسر، خصوصًا في مناطق النزوح، الأمر الذي يزيد من الضغوط الجسدية والنفسية الواقعة عليهن ويؤثر على أمنهن الإنساني وصحتهن العامة.

كما لا تقتصر آثار النزاع على الأبعاد المادية، بل تمتد إلى الصحة النفسية للنساء والفتيات. فالتعرض للنزوح المتكرر وفقدان أفراد الأسرة واستمرار الخوف من العنف يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر والصدمات النفسية. وتواجه النساء المعيلات للأسر أعباء إضافية مرتبطة بالحفاظ على تماسك الأسرة ورعاية الأطفال في ظل بيئات تفتقر إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، الأمر الذي يزيد من هشاشتهن النفسية ويؤثر على قدرتهن على التكيف مع الأزمات.

ومن الناحية الاجتماعية، يؤدي النزوح وتردي الأوضاع الاقتصادية إلى تصاعد ظواهر سلبية مثل الزواج المبكر والتسرب من التعليم والعنف الأسري. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة للمرأة أن الصراعات الممتدة تدفع بعض الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف ضارة تمس الفتيات والنساء بصورة مباشرة. [14]  كما تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بين النساء والفتيات في البيئات المتأثرة بالنزاع والنزوح[15].

كما أدى النزوح المتكرر وتفكك المجتمعات المحلية إلى إضعاف شبكات الدعم الاجتماعي التي تعتمد عليها النساء في مواجهة الأزمات او ما يسمى تآكل رأس المال الاجتماعي للمرأة. وتُعد هذه الشبكات أحد أهم عناصر الصمود المجتمعي في اليمن، حيث توفر الدعم النفسي والاقتصادي والرعائي للأسر. ومع اتساع النزوح وتشتت الأسر، تعرضت هذه الروابط الاجتماعية للتآكل، مما زاد من هشاشة النساء وقدرتهن المحدودة على مواجهة الضغوط الإنسانية والاقتصادية.

    1. الأمن الشخصي وعسكرة المجتمعات الساحلية وتأثيرها على النساء

أدى التصعيد العسكري في باب المندب إلى زيادة الطابع العسكري للمجتمعات الساحلية، حيث تحولت بعض المناطق إلى مسارح للعمليات العسكرية وحركة النازحين. وأدى ذلك إلى تقييد حركة النساء، وتراجع وصولهن إلى الأسواق والخدمات الأساسية، وزيادة الأعباء المرتبطة بالرعاية الأسرية في البيئات غير المستقرة. كما أسهمت حالة عدم اليقين الأمني في الحد من فرص النساء للمشاركة الاقتصادية والمجتمعية، خاصة في المناطق القريبة من خطوط التماس. كما زادت مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والاتجار بالبشر، ما ينعكس على الأمن الشخصي للنساء والفتيات.  وتشير دراسات حقوق الإنسان إلى أن النزاعات المسلحة غالبًا ما تؤدي إلى زيادة معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك التحرش والاستغلال والابتزاز. وفي السياق اليمني، تواجه النساء تحديات إضافية مرتبطة بقيود الحركة والمشاركة المجتمعية المفروضة في بعض المناطق، وهو ما يحد من قدرتهن على الوصول إلى فرص العمل والمساعدات والخدمات العامة  [16].

ويؤدي هذا التمثيل غير الكافي إلى ضعف إدماج احتياجات النساء في الاستجابات الإنسانية والسياسات المتعلقة بإدارة النزاعات وبناء السلام. وتزداد هذه المخاطر في المناطق التي تشهد مواجهات عسكرية مباشرة، حيث تتراجع الرقابة القانونية وتضعف مؤسسات الدولة، مما يترك النساء والفتيات أمام تهديدات متعددة تتعلق بالأمن الشخصي والاقتصادي والاجتماعي.[17]  وتشير البيانات الإنسانية الحديثة إلى أن النساء والأطفال يمثلون نسبة مرتفعة من الضحايا المدنيين الناتجين عن التصعيد العسكري. فقد أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن النساء والأطفال شكّلوا نصف القتلى وأكثر من نصف الجرحى المدنيين المسجلين خلال النصف الأول من سبتمبر 2026، وهو ما يعكس تآكل الأمن الشخصي للمرأة اليمنية في مناطق النزاع وتزايد تعرضها للتهديدات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالعنف المسلح.

    1. الأمن المجتمعي

يسهم النزوح الناتج عن التصعيد في المناطق الساحلية في تفكيك الشبكات الاجتماعية والأسرية وإضعاف آليات الحماية المجتمعية التقليدية التي تعتمد عليها النساء في مواجهة الأزمات. وامتدت آثار التصعيد العسكري إلى قطاع التعليم، حيث أسهم النزوح الواسع النطاق وإغلاق المدارس في حرمان آلاف الأطفال من مواصلة تعليمهم. وتشير البيانات الحديثة إلى توقف الدراسة أو إغلاق 243 مدرسة، الأمر الذي أثر على أكثر من 137 ألف طالب وطالبة. وتُعد الفتيات من أكثر الفئات عرضة لخطر التسرب من التعليم في ظل النزاع، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنزوح وارتفاع احتمالات الزواج المبكر، وهو ما يهدد مستقبلهن التعليمي وفرص تمكينهن الاقتصادي والاجتماعي لاحقًا[18].

    1. الأمن السياسي

أدى التصعيد العسكري إلى تراجع الاهتمام بالقضايا المرتبطة بمشاركة المرأة في الشأن العام، حيث تهيمن الأولويات الأمنية والعسكرية والإنسانية على أجندة صناع القرار. وقد انعكس ذلك على فرص مشاركة النساء في عمليات صنع القرار المحلية والاستجابات الإنسانية ومبادرات بناء السلام، على الرغم من الحاجة المتزايدة لإشراك النساء في إدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

  1. ⁠الأمن الرقمي والمعلوماتي للنساء

أدى التصعيد العسكري إلى زيادة اعتماد السكان على وسائل الاتصال الرقمية للحصول على المعلومات الإنسانية والخدمات الأساسية. إلا أن النساء اليمنيات ما زلن يواجهن فجوات رقمية تتعلق بالوصول إلى وسائل الاتصال والمعلومات، مما يحد من قدرتهن على الاستفادة من برامج المساعدات أو الحصول على المعلومات المتعلقة بالحماية والخدمات الإنسانية أثناء الأزمات.

  1. القيود الأمنية على عمل المنظمات النسوية

أدى التصعيد العسكري في باب المندب منذ سبتمبر 2026 إلى فرض قيود أمنية متزايدة على حركة المنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات النسوية العاملة في مجالات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي للنساء. وأثرت القيود الأمنية وتدهور إمكانية الوصول إلى المناطق المتضررة على قدرة المنظمات النسوية المحلية ومنظمات المجتمع المدني التي تقودها النساء على تقديم خدمات الحماية، والدعم النفسي، والاجتماعي للنساء، والفتيات. كما حدّت هذه الظروف من تنفيذ البرامج المتعلقة بالتمكين الاقتصادي وبناء السلام وحماية النازحات في المجتمعات المتأثرة بالنزاع. فقد ساهمت حالة عدم الاستقرار الأمني، وإغلاق بعض الطرق، وتضرر البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزوح والاشتباكات، في الحد من قدرة هذه المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى النساء والفتيات الأكثر احتياجًا. كما أثرت القيود المفروضة على الحركة والوصول الإنساني على عمليات الرصد والتوثيق وتقديم خدمات الحماية والإحالة للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

كما أدت التحديات الأمنية إلى تعطيل عدد من الأنشطة المرتبطة ببناء السلام والوساطة المجتمعية التي تقودها النساء، وإلى تقليص المساحات الآمنة المخصصة للنساء والفتيات في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع. وفي ظل تزايد أعداد النازحين والمتضررين، تواجه المنظمات النسوية ضغوطًا إضافية تتمثل في زيادة الاحتياجات الإنسانية مقابل محدودية الموارد وإمكانيات الوصول، الأمر الذي يؤثر على فعالية الاستجابة الإنسانية الحساسة للنوع الاجتماعي. وتنعكس هذه القيود بصورة مباشرة على النساء والفتيات، إذ تؤدي إلى تراجع فرص الحصول على خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي وبرامج التمكين الاقتصادي والمعلومات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية، مما يزيد من مستويات الهشاشة ويضعف قدرة النساء على مواجهة آثار النزاع والتكيف مع الأزمات المتفاقمة.

ثانيا: الترابط بين أمن الملاحة والأمن الإنساني للمرأة اليمنية

تكشف التطورات الأخيرة في باب المندب عن وجود علاقة وثيقة بين الأمن البحري والأمن الإنساني للسكان المحليين. فكلما ازداد التوتر العسكري في المضيق، ارتفعت تكلفة الواردات وتراجعت قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المجتمعات المتضررة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي، والصحي، والاقتصادي للنساء، والأطفال. ومن ثم فإن استقرار باب المندب لا يمثل فقط قضية أمن إقليمي ودولي، بل يعد شرطًا أساسيًا لتعزيز الأمن الإنساني في اليمن. فاستقرار الممرات البحرية لا يقتصر على ضمان حرية التجارة الدولية، بل يشكل شرطًا أساسيًا لاستمرار تدفق الغذاء والوقود والأدوية والمساعدات الإنسانية إلى اليمن. وعندما يتعرض هذا الاستقرار للاهتزاز نتيجة التصعيد العسكري، فإن التداعيات تنتقل من المجال الأمني والعسكري إلى المجال الإنساني، لتؤثر بصورة مباشرة على معيشة السكان المدنيين، وخاصة النساء اللاتي يتحملن أعباء مضاعفة في مجالات الرعاية الأسرية وتأمين الاحتياجات الأساسية، ولا سيما النساء اللاتي يواجهن أصلًا أعباءً مضاعفة نتيجة النزاع الممتد[19]. وفي هذا السياق، تتجلى آثار انعدام الأمن البحري في ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الرعاية الصحية، وزيادة مخاطر النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي، مما يجعل المرأة اليمنية من أكثر الفئات تأثرًا بالتطورات الأمنية في باب المندب. كما تبرز هذه التطورات أهمية دمج المنظور الجندري في مقاربات الأمن البحري، انطلاقًا من أن حماية الممرات البحرية ليست قضية استراتيجية أو اقتصادية فحسب، بل ترتبط أيضًا بحماية الأمن الإنساني وحقوق الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والفتيات.

وتؤكد التطورات الأخيرة في الساحل الغربي اليمني أن اضطراب حركة النقل والإمدادات يؤثر بصورة مباشرة على الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي للأسر اليمنية، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والشحن وتعطل سلاسل الإمداد إلى زيادة أسعار السلع الأساسية وتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات والمساعدات الإنسانية[20]. ومن هذا المنطلق، فإن حماية الأمن البحري في باب المندب لا تمثل قضية استراتيجية أو تجارية فحسب، بل تعد أحد المتطلبات الأساسية لتعزيز الأمن الإنساني للمرأة اليمنية والحد من تفاقم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالنزاع، خاصة في ظل تزايد معدلات النزوح وتراجع الخدمات الأساسية واتساع الاحتياجات الإنسانية[21].

ثالثا: التصعيد العسكري في باب المندب وأبعاده الإنسانية

  1. المؤشرات الرئيسية للتصعيد العسكري
  • بلغ إجمالي الخسائر البشرية منذ 6 أغسطس حتى 18 سبتمبر 2026 نحو 3,672 ضحية، بينهم 2,998 مصابًا و674 قتيلًا.
  • سُجلت 680 ضحية جديدة خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر، بينهم 516 مصابًا و164 قتيلًا، بمتوسط يقارب 113 ضحية يوميًا.
  • ارتفعت نسبة الوفيات إلى الإصابات خلال الفترة 13–18 سبتمبر إلى نحو 24%، مقارنة بـ17% في الفترة السابقة، مع تسجيل 35 وفاة مقابل 43 إصابة في 15 سبتمبر.
  • سجلت لحج 284 ضحية خلال الفترة 13–18 سبتمبر، وهي أعلى حصيلة خلال الفترة، لترتفع حصيلتها التراكمية إلى 433 ضحية، أي نحو ثلاثة أضعاف حصيلتها السابقة البالغة 149 ضحية.
  • سجلت مأرب 277 ضحية خلال الفترة نفسها، وحافظت على أعلى حصيلة تراكمية بـ1,690 ضحية (46%).
  • بلغت الحصيلة التراكمية في تعز والساحل الغربي 1,349 ضحية (37%)، فيما بلغت في لحج 433 ضحية (12%).
  • تركزت 42% من ضحايا الفترة الأخيرة في لحج، و41% في مأرب، و15% في تعز.
  • امتد التصعيد إلى 10 محافظات منذ 6 أغسطس، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للعمليات والاشتباكات.
  • انتقل مركز الثقل الميداني خلال الفترة الأخيرة من أجزاء من الساحل الغربي وتعز باتجاه لحج، ولا سيما المضاربة ورأس العارة وكهبوب، على محور الطريق الساحلي المؤدي باتجاه عدن.
  • سجلت مديرية المضاربة ورأس العارة 284 ضحية خلال ستة أيام، بينها 226 إصابة و58 وفاة، وسجلت في 16 سبتمبر وحده 123 ضحية، وهي أعلى حصيلة يومية على مستوى المحافظات خلال الفترة.
  • استمرت العمليات العسكرية في مأرب، ولا سيما في الجوبة وحريب ورغوان ووادي مأرب، إلى جانب حوادث في الجوف وشبوة والضالع.
  • شهدت تعز انتقالًا في بؤر الإبلاغ عن الخسائر باتجاه المديريات الجنوبية والوسطى، بما في ذلك الشمايتين/التربة، المعافر، مقبنة، صبر الموادم والمِسراخ.
  • استمرت الغارات الجوية في مناطق الساحل الغربي وتعز، بالتزامن مع استمرار العمليات البرية على عدة جبهات.
  • سجل مشروع مراقبة الأثر المدني 53 ضحية مدنية في 45 حادثة خلال الفترة 10–16 سبتمبر، بينهم 14 قتيلًا و39 مصابًا.
  • بلغ إجمالي الخسائر المدنية التي رصدها المشروع منذ بداية عام 2026 نحو 1,256 ضحية.
  • تضررت 65 منزلًا، وجسران، ومطاران، وميناء بحري، ومنشأتان للمياه ومدرسة نتيجة الحوادث المرتبطة بالتصعيد خلال فترة الرصد.
  • تعرضت سيارات إسعاف للاستهداف في جبهة كهبوب في 18 سبتمبر، ما أدى إلى مقتل اثنين من طواقم الإسعاف.
  • تضررت أو خرجت عن الخدمة أو أغلقت أو تعرضت للاستهداف المباشر 9 مرافق أو أصول صحية في تعز ولحج والحديدة، بما يعكس امتداد آثار العمليات العسكرية إلى البنية التحتية المدنية الحيوية.
  • أسفر قصف موقع الهامة للنازحين في مأرب في 9 سبتمبر عن مقتل 3 أطفال وإصابة 6 أشخاص، فيما أدى استهداف مخيم أسداس في رغوان إلى مقتل طفلين وإصابة 8 أطفال.
  • أدى تدهور عدد من الطرق الرئيسية، ومنها طريق هيجة العبد بين تعز وعدن، إلى زيادة القيود على الحركة والوصول، بينما تعرض ميناء المخا لأضرار كبيرة وتوقف عن العمل.
  • أدت التحولات في خطوط التماس وتدهور طرق الإمداد إلى زيادة الاعتماد على عدد محدود من محاور الحركة، بما يرفع مخاطر استمرار التصعيد واتساع آثاره الجغرافية والإنسانية.

المصدر:

world Health Organization (WHO), Yemen Conflict Escalation Situation Report No. 4, September 20, 2026. https://www.emro.who.int/images/stories/yemen/Yemen-Conflict-Escalation-Situation-Report-04.pdf

أدت السيطرة على مدينة المخا إلى تغيرات ميدانية مهمة في الساحل الغربي اليمني، وسط تحذيرات من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من اتساع نطاق الصراع وتزايد المخاطر الإنسانية. وقد نتج عن المواجهات المسلحة موجات نزوح واسعة شملت عشرات الآلاف من المدنيين خلال أيام قليلة. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى نزوح أكثر من 46 ألف شخص نتيجة التصعيد العسكري الأخير  [22]. ويؤدي النزوح الجماعي عادة إلى ضغوط هائلة على النساء، حيث يتحملن مسؤوليات إعالة الأسرة ورعاية الأطفال وكبار السن في بيئات تفتقر إلى الخدمات الأساسية والأمان الاقتصادي. كما تتزايد مخاطر تعرض النساء للاستغلال والعنف والحرمان من الخدمات الصحية والتعليمية أثناء عمليات النزوح الطويلة.[23]  

وتشير التقارير الإنسانية الحديثة إلى أن التصعيد العسكري أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا من الأطفال، وهو مؤشر مباشر على تآكل الأمن الإنساني للأسر اليمنية والنساء على وجه الخصوص. فقد أفادت منظمة "أنقذوا الأطفال" (Save the Children) بمقتل ما لا يقل عن 19 طفلًا وإصابة 49 آخرين خلال أربعين يومًا من أعمال العنف المتصاعدة في اليمن. وتنعكس هذه الخسائر بصورة مضاعفة على النساء اللاتي يتحملن مسؤولية الرعاية النفسية والاجتماعية للأطفال وأفراد الأسرة، كما تؤدي إلى زيادة مستويات الصدمات النفسية وعدم الاستقرار الأسري في المجتمعات المتأثرة بالنزاع. وتشير هذه المعطيات إلى أن آثار التصعيد لا تقتصر على الخسائر العسكرية، بل تمتد إلى تقويض مقومات الأمن الإنساني الأساسية للمجتمع اليمني[24].

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بأن الأعمال العسكرية المستمرة أدت إلى نزوح ما لا يقل عن 18 ألف أسرة، أي نحو 125 ألف شخص منذ بداية سبتمبر 2026، كما وثقت الأمم المتحدة 40 ضحية مدنية خلال الفترة من 1 إلى 14 سبتمبر، بينهم نساء وأطفال يشكلون نصف القتلى وأكثر من نصف المصابين، بما يعكس التأثير غير المتكافئ للنزاع على الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النساء والأطفال. كما تُظهر بيانات منظمة Save the Children أن الأطفال يمثلون أكثر من خمس الضحايا المدنيين جراء موجة العنف الأخيرة في اليمن، حيث قُتل ما لا يقل عن 19 طفلًا وأصيب 49 آخرون خلال الفترة بين 1 أغسطس و9 سبتمبر 2026. كما سُجلت 43 إصابة ووفيات بين الأطفال خلال أسبوع واحد فقط (3-9 سبتمبر)، وهو أعلى معدل أسبوعي لضحايا الأطفال خلال الاثني عشر شهرًا الماضية. وتكشف هذه المؤشرات عن تدهور متسارع في مستوى الحماية المدنية، بما ينعكس بصورة مباشرة على النساء بوصفهن المسؤول الرئيس عن الرعاية الأسرية والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال في السياق اليمني. ولا يقتصر أثر سقوط الأطفال ضحايا للنزاع على الخسائر البشرية المباشرة، بل يمتد إلى زيادة الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية الواقعة على النساء، وخاصة الأمهات والنساء المعيلات للأسر، الأمر الذي يفاقم من تراجع مؤشرات الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

  1. التصعيد العسكري ومخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي

يشير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن 6.2 مليون امرأة وفتاة في اليمن معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، في حين تفتقر أكثر من 90% من المناطق الريفية إلى خدمات الوقاية والاستجابة، الأمر الذي يجعل النساء النازحات والأسر التي تعيلها نساء من أكثر الفئات هشاشة في ظل الأزمة الراهنة. أدت القيود الأمنية المصاحبة للتصعيد العسكري إلى الحد من قدرة المنظمات النسوية المحلية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للنساء والفتيات، وخاصة في مجالات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي، في وقت تشهد فيه احتياجات النساء ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة النزوح وتدهور الخدمات الأساسية.

وتكشف هذه المعطيات أن السيطرة على الموانئ لا تمثل قضية عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل ترتبط بصورة مباشرة بمستويات الأمن الإنساني للمرأة اليمنية، من خلال تأثيرها على الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل استقرار الموانئ والممرات البحرية أحد المتطلبات الأساسية لتعزيز قدرة النساء على الصمود في ظل النزاع.

رابعا: المرأة اليمنية وانعكاسات التصعيد على ركائز أجندة المرأة والسلام والأمن

تؤكد التطورات الأخيرة في باب المندب أهمية تعزيز مشاركة النساء في جهود منع النزاعات وبناء السلام والاستجابة الإنسانية. ورغم التقدم الذي حققته أجندة المرأة والسلام والأمن منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 1325 عام 2000، ما تزال مشاركة النساء اليمنيات في عمليات صنع القرار المرتبطة بالأمن والسلام محدودة. ويؤدي هذا التمثيل غير الكافي إلى ضعف إدماج احتياجات النساء في الاستجابات الإنسانية والسياسات المتعلقة بإدارة النزاعات وبناء السلام.  

ويؤثر التصعيد العسكري في باب المندب بصورة مباشرة على الركائز الأربع لأجندة المرأة والسلام والأمن. فمن ناحية المشاركة، تتراجع فرص مشاركة النساء في عمليات صنع القرار وإدارة الأزمات. ومن ناحية الحماية، ترتفع مخاطر العنف ضد النساء والفتيات. أما فيما يتعلق بالوقاية، فإن استمرار النزاع يقوض الجهود الرامية إلى منع العنف وبناء الثقة المجتمعية.

وفي جانب الإغاثة والتعافي، تتزايد احتياجات النساء للخدمات الإنسانية والدعم الاقتصادي، بما يستدعي استجابات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي. وتكشف التطورات الأخيرة أن الفجوة الأساسية لا تتمثل فقط في تدهور أوضاع النساء الإنسانية، بل في استمرار ضعف تمثيلهن في آليات الاستجابة وصنع القرار المرتبطة بالأزمة. ويشير ذلك إلى استمرار التحديات التي سعى قرار مجلس الأمن 1325 إلى معالجتها منذ عام 2000، وخاصة فيما يتعلق بالمشاركة، والحماية، والإغاثة والتعافي.

جدول رقم (5) 
انعكاسات التصعيد العسكري في باب المندب على ركائز أجندة المرأة والسلام والأمن (قرار مجلس الأمن 1325(

الركيزة

مضمون الركيزة وفق قرار مجلس الأمن 1325

انعكاسات التصعيد العسكري في باب المندب

المشاركة

تعزيز المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء في صنع القرار وعمليات السلام والأمن.

تراجع فرص مشاركة النساء في إدارة الأزمات وصنع القرار المحلي نتيجة تصاعد الأولويات الأمنية والإنسانية.

الحماية

حماية النساء والفتيات من جميع أشكال العنف والانتهاكات أثناء النزاعات المسلحة.

ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والنزوح القسري وضعف الوصول إلى الحماية والخدمات الأساسية.

الوقاية

منع النزاعات والعنف ومعالجة أسباب انعدام الأمن وعدم الاستقرار.

إضعاف جهود بناء السلام والتماسك المجتمعي وتراجع المبادرات المحلية للوقاية من النزاعات.

الإغاثة والتعافي

إدماج احتياجات النساء والفتيات في برامج الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار.

زيادة الاحتياجات الإنسانية والصحية والنفسية والاقتصادية للنساء والفتيات خاصة في مناطق النزوح.

المصدر: قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن لعام 2000

  1. الأمن الإنساني للمرأة اليمنية في ظل التصعيد العسكري

تكشف المعطيات الواردة في هذه الدراسة أن التصعيد العسكري في باب المندب لم يؤثر على النساء اليمنيات في بعد واحد، بل انعكس على مختلف أبعاد الأمن الإنساني. فقد تراجع الأمن الاقتصادي نتيجة فقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار، وتعرض الأمن الصحي للتهديد بسبب تضرر المنشآت الصحية وصعوبة الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية، كما تراجع الأمن الشخصي بفعل تصاعد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي وازدياد أعداد الضحايا المدنيين. كذلك أدى النزوح الواسع إلى إضعاف الأمن المجتمعي من خلال تفكك الروابط الأسرية والمجتمعية، في حين ظل الأمن السياسي محدودًا نتيجة ضعف تمثيل النساء في عمليات صنع القرار المتعلقة بالأمن والسلام. وتشير هذه المعطيات إلى أن التصعيد العسكري أدى إلى تراجع شامل في مستويات الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

وعلى الرغم من التحديات الإنسانية والاقتصادية المتفاقمة الناتجة عن التصعيد العسكري في باب المندب، أظهرت النساء اليمنيات مستويات ملحوظة من القدرة على التكيف والصمود من خلال إدارة الموارد المحدودة والمشاركة في شبكات الدعم المجتمعي والمبادرات المحلية، بما يسهم في الحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات المتضررة. كما لعبت النساء أدوارًا مهمة في دعم الأسر النازحة وتنظيم الاستجابات المجتمعية للأزمات وتقديم المساعدة للفئات الأكثر هشاشة، الأمر الذي يعكس أهمية تعزيز مشاركتهن في عمليات التعافي وبناء السلام. وبالرغم من محدودية الموارد، طورت النساء آليات متنوعة للتكيف شملت تنويع مصادر الدخل وتعزيز شبكات التضامن المجتمعي والانخراط في الأنشطة الاقتصادية الصغيرة للتخفيف من آثار النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي.

  1. الحماية القانونية للمرأة أثناء النزاعات المسلحة

يكفل القانون الدولي الإنساني حماية خاصة للنساء أثناء النزاعات المسلحة، بما في ذلك الحماية من العنف والاستغلال وضمان الوصول إلى المساعدات الإنسانية. وتؤكد اتفاقيات جنيف على ضرورة حماية المدنيين وعدم استهدافهم وضمان وصول الإغاثة الإنسانية إلى الفئات المحتاجة [25]. كما يدعو قرار مجلس الأمن رقم 1325 إلى تعزيز مشاركة النساء في عمليات السلام والأمن وحمايتهن أثناء النزاعات المسلحة، والتأكد من إدماج احتياجاتهن في جهود التعافي وإعادة الإعمار.

خامسًا: التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية للتصعيد العسكري على المرأة اليمنية

لا تقتصر آثار التصعيد العسكري في باب المندب والساحل الغربي لليمن على التداعيات الإنسانية المباشرة، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية وأمنية وصحية متشابكة، تؤثر في الأمن الإنساني للمرأة اليمنية على المدى القصير والطويل. وتزداد حدة هذه التداعيات في ظل هشاشة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، وطول أمد النزاع، وتكرار موجات النزوح، وضعف قدرة المؤسسات والخدمات الأساسية على الاستجابة للضغوط المتزايدة. كما أن أثر التصعيد لا ينتقل إلى النساء بصورة مباشرة فقط، وإنما عبر مسارات متعددة تشمل اضطراب الملاحة والموانئ وسلاسل الإمداد، وتعطل المساعدات الإنسانية، وفقدان مصادر الدخل، والنزوح، وتراجع الوصول إلى الصحة والتعليم والحماية، بما يجعل المرأة أكثر تعرضًا لتراكم المخاطر الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.

  1. التداعيات الإنسانية والحماية والنزوح

يمثل النزوح أحد أبرز مسارات انتقال أثر التصعيد العسكري إلى الأمن الإنساني للمرأة اليمنية. فقد أدى اتساع رقعة المواجهات إلى دفع أعداد متزايدة من الأسر إلى مغادرة مناطقها بحثًا عن الأمان، في ظروف غالبًا ما تفتقر إلى وسائل النقل الآمنة، ومواقع الاستقبال المجهزة، والخدمات الأساسية. ويؤثر النزوح بصورة غير متكافئة على النساء والفتيات نتيجة فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وزيادة مخاطر الاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلًا عن الأعباء الإضافية المرتبطة بإدارة شؤون الأسرة ورعاية الأطفال في بيئات تفتقر إلى الحماية والخدمات الأساسية.[26]

وقد أظهرت التطورات الإنسانية خلال سبتمبر 2026 سرعة اتساع حركة النزوح المرتبطة بالتصعيد. فقد أعلنت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن عدد النازحين الجدد في اليمن بلغ نحو 94 ألف شخص منذ تصاعد العمليات العسكرية، في حين أشارت تقديرات ميدانية لاحقة إلى تسجيل نحو 77,789 نازحًا، أي ما يعادل 11,096 أسرة، حتى 11 سبتمبر 2026[27]. ثم أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى ارتفاع العدد إلى ما لا يقل عن 125 ألف شخص، أي نحو 18 ألف أسرة، منذ بداية الشهر. كما أظهرت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) لاحقًا ارتفاع العدد إلى نحو 130 ألف نازح جديد منذ تصاعد الأحداث في سبتمبر[28]. ويعكس هذا التسلسل التصاعدي سرعة تطور الأزمة واتساع نطاقها، ويؤكد الحاجة إلى استجابة إنسانية قادرة على التوسع السريع ومواكبة الاحتياجات المتغيرة.

ولا تتوقف تداعيات النزوح عند فقدان المسكن، وإنما تمتد إلى فقدان مصادر الدخل والروابط الاجتماعية والقدرة على الوصول المنتظم إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية. وتتحمل النساء في الأسر النازحة جانبًا كبيرًا من أعباء الرعاية وإدارة الموارد المحدودة، في حين تواجه الأسر التي تعيلها نساء تحديات إضافية تتعلق بالحصول على المساعدة والحماية وسبل العيش. كما أن النساء الحوامل والمرضعات والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بأمراض مزمنة يحتاجون إلى استجابات أكثر تخصصًا داخل مواقع النزوح.

ومن ثم، فإن مواقع النزوح لا ينبغي أن تكون مجرد أماكن مؤقتة لتجميع الأسر، وإنما ينبغي أن تكون مواقع آمنة ومجهزة بالمياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة، والمأوى والرعاية الصحية والحماية. كما ينبغي أن تتضمن الاستجابة آليات تراعي النوع الاجتماعي، وخدمات صحية وإنجابية، ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا، وآليات آمنة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات والوصول إلى المساعدة.

ويرتبط ذلك بقدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى السكان المتضررين. فقد أكدت الأمم المتحدة أن استمرار الأعمال العسكرية وتدهور الوضع الأمني يمكن أن يعرقلا وصول المساعدات الإنسانية إلى المجتمعات المتضررة، ويحدّا من قدرة المنظمات على تقديم الخدمات الأساسية. ويؤدي ذلك إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي والحرمان من الرعاية الصحية والمياه النظيفة، وهي أبعاد أساسية من أبعاد الأمن الإنساني تعتمد عليها النساء والأطفال بصورة مباشرة. كما أن تراجع وصول المساعدات يضاعف من هشاشة الأسر التي تعيلها النساء في مناطق النزاع والنزوح[29].

وتؤكد التقارير الدولية أن النساء والفتيات اليمنيات يتحملن نصيبًا غير متكافئ من تداعيات الأزمة الإنسانية المرتبطة بتدهور الأوضاع الأمنية وتعطل الممرات البحرية وسلاسل الإمداد. وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نحو 9.6 مليون امرأة وفتاة في اليمن يحتجن إلى المساعدة الإنسانية، وأن الهجمات على البنية التحتية الحيوية والموانئ وممرات الإمداد تؤثر في الخدمات الصحية والإنسانية الأساسية، وتزيد من مخاطر النزوح والحماية والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما يشير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة نتيجة النزاع الممتد والأزمة الاقتصادية، مع تقدير أعداد النساء والفتيات المعرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بنحو 6.2 مليون امرأة وفتاة، في حين تفتقر نسبة كبيرة من المناطق الريفية إلى خدمات الوقاية والاستجابة لهذا النوع من العنف.

  1. التداعيات الاقتصادية والاجتماعية وسبل العيش

تمثل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية مسارًا رئيسيًا آخر لانتقال أثر التصعيد العسكري والبحري إلى الأمن الإنساني للمرأة. فاضطراب حركة الملاحة والموانئ وسلاسل الإمداد يمكن أن ينعكس على توافر الغذاء والوقود والدواء وأسعار السلع الأساسية، كما يؤثر في الأنشطة الاقتصادية الساحلية وفي مصادر الدخل المرتبطة بالتجارة، والنقل، والصيد والخدمات.

وتنعكس هذه الضغوط بصورة خاصة على النساء والأسر ذات الدخل المحدود والأسر التي تعيلها نساء، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل إلى تقليص القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية. وفي ظل النزوح، تفقد كثير من الأسر مصادر دخلها وشبكات الدعم الاجتماعي، بينما تتحمل النساء مسؤوليات إضافية في توفير احتياجات الأطفال وأفراد الأسرة وإدارة الموارد المحدودة.

كما يمكن أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تعميق ظاهرة تأنيث الفقر وتوسيع الفجوات الاقتصادية بين الجنسين، خصوصًا عندما تتزامن خسارة الدخل مع محدودية فرص العمل والتعليم والتدريب. ولا تقتصر هذه التداعيات على الدخل النقدي، وإنما تشمل أيضًا زيادة أعباء العمل غير المدفوع الذي تؤديه النساء، ولا سيما أعمال الرعاية المنزلية ورعاية الأطفال والمرضى وكبار السن.

وتتصل التداعيات الاقتصادية كذلك بفقدان الممتلكات والوثائق أثناء النزوح. ففقدان وثائق الهوية أو المستندات المتعلقة بالملكية والعمل والتعليم يمكن أن يحد من قدرة النساء على الوصول إلى الخدمات أو إثبات الحقوق أو استعادة مصادر الدخل. ولذلك فإن حماية الوثائق والممتلكات، وتوفير آليات ميسرة لاستخراج البدائل، ينبغي أن تكون جزءًا من الاستجابة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للتصعيد.

وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤدي استمرار النزوح وتعطل التعليم وفقدان مصادر الدخل إلى آثار أعمق على رأس المال البشري النسائي. فارتفاع معدلات التسرب المدرسي، وتراجع فرص التعليم والتدريب، وزيادة مخاطر الزواج المبكر، كلها عوامل قد تقلص فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي للفتيات، وتؤثر في قدرة المجتمعات المحلية على التعافي. كما أن تراكم الفقر والصدمات النفسية والاجتماعية قد يمتد إلى الأجيال القادمة، بما يحد من فرص التنمية والاستقرار وبناء السلام.

  1. التداعيات الصحية والنفسية والأمن الإنساني

يُعد القطاع الصحي من أكثر القطاعات تعرضًا للضغط في ظل التصعيد والنزوح. فاستقبال أعداد متزايدة من النازحين، إلى جانب المصابين والمرضى القادمين من مناطق المواجهات، يفرض أعباء إضافية على المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية اليمنية أصلًا من نقص الموارد والكوادر والتجهيزات.

وتواجه النساء والفتيات تداعيات خاصة نتيجة اضطراب الخدمات الصحية، ولا سيما خدمات الصحة الإنجابية والأمومة والطفولة. فالنساء الحوامل والمرضعات يحتجن إلى خدمات مستمرة لا يمكن تأجيلها بسهولة، كما أن صعوبة الوصول إلى مرافق صحية آمنة أو انقطاع الرعاية السابقة واللاحقة للولادة يمكن أن يزيد المخاطر الصحية في ظروف النزوح والتصعيد.

كما يفرض النزوح والتصعيد ضغوطًا نفسية واجتماعية متراكمة على النساء، تبدأ بفقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، وتمتد إلى الخوف على أفراد الأسرة وفقدان المنزل أو مصدر الدخل والانفصال عن شبكات الدعم الاجتماعي. وقد تؤدي هذه الظروف إلى زيادة مستويات القلق والضغط النفسي والصدمات، خصوصًا عندما يستمر النزوح لفترات طويلة أو يتكرر بصورة متعاقبة.

ومن منظور الأمن الإنساني، ينبغي ألا ينظر إلى الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي باعتبارهما خدمات ثانوية أو تكميلية، وإنما باعتبارهما جزءًا أساسيًا من الاستجابة. ويتطلب ذلك توفير مستويات متدرجة من الدعم تبدأ بالمساندة المجتمعية والدعم النفسي الأولي، وتصل إلى خدمات متخصصة وإحالات للحالات التي تحتاج إلى رعاية متقدمة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر.

وتزداد أهمية هذا المسار في ظل مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي. فالنزوح وفقدان مصادر الدخل وضعف الحماية قد تزيد من تعرض النساء والفتيات للعنف والاستغلال. ولذلك ينبغي أن تتضمن الاستجابة للتصعيد تدابير واضحة للوقاية من العنف والاستغلال، وقنوات آمنة وسرية للإبلاغ والإحالة، وضمان وصول الناجيات إلى الخدمات الصحية والقانونية والنفسية.

  1. الموانئ والملاحة والنزوح العابر للحدود

يمثل اضطراب الملاحة والموانئ إحدى القنوات الرئيسية التي تربط الأمن البحري بالأمن الإنساني. فالموانئ اليمنية تؤدي دورًا حيويًا في دخول الغذاء والوقود والدواء والسلع الأساسية، كما ترتبط بحركة المساعدات الإنسانية والأنشطة الاقتصادية الساحلية. ولذلك فإن تعطل الموانئ أو تقييد الحركة البحرية أو ارتفاع مخاطر النقل البحري يمكن أن يؤدي بصورة غير مباشرة إلى زيادة الضغوط على الأسر، ولا سيما الأسر ذات الدخل المحدود.

ولا يقتصر أثر التصعيد على الداخل اليمني، بل يمكن أن يمتد إلى أنماط النزوح واللجوء عبر البحر. وقد حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن تصاعد الأعمال العسكرية في اليمن قد يؤدي إلى مزيد من النزوح الداخلي وحركات اللجوء عبر البحر باتجاه جيبوتي. وأشارت المفوضية إلى أن أكثر من 2,400 شخص عبروا البحر إلى جيبوتي خلال أربعة أيام فقط، وأن أكثر من 60 في المائة من الوافدين كانوا من النساء والأطفال وكبار السن[30].

ويكشف هذا التطور عن بُعد إقليمي للأزمة الإنسانية المرتبطة بباب المندب؛ فالممر البحري لا يمثل فقط قناة لحركة التجارة الدولية، وإنما أصبح أيضًا مسارًا لحركة مدنيين فارين من مناطق الخطر بحثًا عن الحماية والأمان. وتحمل هذه الحركة مخاطر إضافية، من بينها مخاطر الرحلات البحرية غير الآمنة، والانفصال الأسري، والاستغلال، وفقدان مصادر الدخل، وضعف الوصول إلى خدمات الحماية والرعاية الصحية في مناطق العبور والاستقبال.

ومن ثم، فإن أمن باب المندب لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أمن المجتمعات الساحلية والسكان المتأثرين بالنزاع. فاستقرار حركة الملاحة والموانئ يرتبط بتوافر السلع والخدمات وفرص العمل، بينما يمكن أن يؤدي اضطرابها إلى زيادة الضغوط الإنسانية والاقتصادية التي تؤثر بصورة خاصة في النساء والفئات الأكثر هشاشة. كما أن ضمان استمرار تدفق المساعدات والسلع الأساسية عبر الموانئ يمثل عنصرًا مهمًا في حماية الأمن الغذائي والصحي للسكان المدنيين.

  1. التداعيات الممتدة على المدى الطويل

لا تتوقف آثار التصعيد العسكري عند التداعيات الإنسانية المباشرة، وإنما تمتد إلى آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية قد تستمر لسنوات بعد انتهاء المواجهات. فمن المتوقع أن يسهم استمرار النزوح وتعطل التعليم وفقدان مصادر الدخل في تعميق هشاشة النساء وتوسيع الفجوات الاقتصادية بين الجنسين، كما قد يؤدي ارتفاع معدلات التسرب المدرسي والزواج المبكر إلى خسارة جزء من رأس المال البشري النسائي وتقليص فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي للفتيات.

وتتجاوز هذه الآثار الفرد والأسرة لتؤثر في قدرة المجتمعات المحلية على التعافي. فالنزوح المطول وفقدان سبل العيش وتراجع الخدمات يمكن أن يضعف الروابط الاجتماعية ويزيد الاعتماد على المساعدات، في حين أن محدودية فرص التعليم والعمل قد تجعل استعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أكثر صعوبة حتى بعد تراجع العمليات العسكرية.

كما أن الآثار النفسية والاجتماعية للنزاع والنزوح قد تستمر بعد انتهاء المواجهات، خاصة عندما لا تتوافر خدمات متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج. ويمكن أن تتراكم هذه الآثار عبر الزمن، وقد تنتقل بعض انعكاساتها إلى الأجيال القادمة، بما يؤثر في فرص التعليم والعمل والاستقرار الأسري والمشاركة المجتمعية، ويحد من قدرة المجتمعات على بناء السلام والتعافي المستدام.

وعليه، فإن التعامل مع تداعيات التصعيد العسكري على المرأة اليمنية يتطلب الانتقال من مفهوم الاستجابة الإنسانية قصيرة الأجل إلى مقاربة أوسع تجمع بين الحماية والإغاثة والتعافي المبكر وبناء القدرة على الصمود والتنمية وبناء السلام. كما ينبغي أن تراعي سياسات التعافي احتياجات النساء بوصفهن من الفئات الأكثر تأثرًا بالنزاع، وفي الوقت نفسه بوصفهن فاعلات في إعادة بناء الأسرة والمجتمع والاقتصاد المحلي.

وتكشف التداعيات مجتمعة أن العلاقة بين الأمن البحري والأمن الإنساني ليست علاقة مباشرة أو خطية، وإنما تمر عبر مجموعة من القنوات المترابطة تشمل الملاحة والموانئ وسلاسل الإمداد والأسعار وسبل العيش، والنزوح، والصحة، والحماية. وتتحمل النساء جانبًا مهمًا من آثار هذه التحولات بسبب موقعهن الاقتصادي والاجتماعي ومسؤوليات الرعاية ومحدودية الوصول إلى الموارد وآليات الحماية.

وبناءً على ذلك، فإن حماية الأمن الإنساني للمرأة اليمنية في ظل التصعيد في باب المندب تتطلب سياسات تربط استقرار الملاحة بحماية المدنيين، واستمرارية وصول الغذاء والدواء والمساعدات، وحماية سبل العيش، وضمان الخدمات الصحية والاجتماعية، وتوفير مسارات آمنة للنزوح واللجوء، وإدماج النساء في عمليات صنع القرار والاستجابة والتعافي. وبهذا المعنى، يصبح الأمن البحري أحد مكونات البيئة اللازمة للأمن الإنساني، بينما يمثل الأمن الإنساني أحد الاعتبارات الأساسية عند تقييم تداعيات التصعيد وسياسات الاستجابة له.

سادسًا: النتائج والتوصيات

  1. النتائج الرئيسية

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

  1. أظهر التصعيد العسكري في باب المندب تراجعًا متزامنًا في عدد من أبعاد الأمن الإنساني للمرأة اليمنية، بما في ذلك الأمن الاقتصادي والصحي والشخصي والمجتمعي والسياسي، نتيجة الآثار المباشرة وغير المباشرة للتصعيد، ومنها تعطل الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وفقدان مصادر الدخل، وتراجع فرص الحماية والمشاركة في صنع القرار.
  2. كشفت الدراسة عن ترابط بنيوي بين الأمن البحري والأمن الإنساني للمرأة اليمنية، إذ تنتقل آثار اضطراب الملاحة والموانئ وسلاسل الإمداد إلى الحياة اليومية للسكان المدنيين، ولا سيما في مجالات الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والاجتماعي، بما يؤكد أهمية إدماج المنظور الجندري في سياسات الأمن البحري.
  3. تجاوزت تداعيات التصعيد نطاق العمليات والمواقع العسكرية إلى مجالات الحياة المدنية، من خلال النزوح، وتعطل الخدمات، وارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع فرص كسب العيش، وزيادة مخاطر العنف والاستغلال، الأمر الذي يجعل قياس أثر التصعيد مرتبطًا ليس فقط بالخسائر المباشرة، وإنما أيضًا بمدى تراجع قدرة النساء على الوصول إلى الغذاء والصحة، والتعليم، والدخل والحماية.
  4. أظهرت الدراسة أن النساء والفتيات من أكثر الفئات تعرضًا لتداعيات النزوح، نتيجة فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وتفكك شبكات الحماية الاجتماعية، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، بما يجعل النزوح أحد المكونات الأساسية للأزمة الإنسانية وليس مجرد أثر ثانوي للنزاع.
  5. اتخذت الأزمة بعدًا إقليميًا خطيرًا ومقلقًا من خلال تصاعد حركة النزوح واللجوء عبر البحر باتجاه دول الجوار؛ إذ وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والسلطات المحلية وصول أكثر من 3,100 شخص من اليمن إلى جيبوتي في غضون أيام قليلة تزامناً مع حدة التصعيد الميداني واستمرار موجات الفرار الجماعي عبر مياه باب المندب الخطرة. واستمرت نسبة النساء والأطفال والفئات الأكثر هشاشة في تشكيل نحو 60% من إجمالي الوافدين، مما يعمق الأبعاد الإنسانية والجندرية للنزوح البحري، ويزيد من حدة المخاطر المرتبطة برحلات الموت غير الآمنة، واحتمالات الانفصال الأسري وضعف شبكات الحماية المتاحة.  
  6. أظهر تدهور الوضع الأمني واضطراب حركة الموانئ والممرات البحرية قدرة أقل على ضمان الوصول المنتظم إلى المساعدات والخدمات الأساسية، بما يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي والصحي وزيادة الضغوط على الأسر، وخاصة الأسر التي تعيلها نساء.
  7. تتحمل النساء النازحات والنساء المعيلات لأسرهن أعباء إضافية تتعلق بتوفير الاحتياجات الأساسية ورعاية الأطفال وكبار السن والمرضى وإدارة الموارد المحدودة، إلى جانب مخاطر فقدان الدخل والحماية، وتتضاعف هذه الهشاشة مع فقدان الممتلكات والوثائق أو انقطاع التعليم والخدمات الصحية.
  8. أسهم اضطراب الأسواق والموانئ وسلاسل الإمداد وفقدان فرص العمل في تعميق الفجوات الاقتصادية بين الجنسين، كما أدى فقدان مصادر الدخل وتزايد أعباء الرعاية غير المدفوعة إلى الحد من قدرة النساء على المشاركة الاقتصادية وزيادة اعتماد بعض الأسر على المساعدات.
  9. أظهر التصعيد أن النزوح وفقدان الدخل وضعف الحماية وتراجع الوصول إلى الخدمات يمكن أن تزيد من تعرض النساء والفتيات للعنف والاستغلال، مما يجعل الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له جزءًا أساسيًا من حماية الأمن الإنساني للمرأة.
  10. تمثل المنظمات النسوية المحلية فاعلًا مهمًا في الوصول إلى النساء والفتيات وتقديم خدمات الحماية والاستجابة المجتمعية، إلا أن القيود الأمنية المرتبطة بالتصعيد ومحدودية التمويل والموارد تحد من قدرتها على الوصول المنتظم إلى الفئات المتضررة، الأمر الذي يستدعي تعزيز دورها بوصفها شريكًا مؤسسيًا في الاستجابة.
  11. تكشف الدراسة عن فجوة بين حجم تأثر النساء بالنزاع وبين مستوى تمثيلهن في عمليات صنع القرار المتعلقة بالأمن والسلام وإدارة الأزمات، رغم التأكيد الدولي، ولا سيما في أجندة المرأة والسلام والأمن وقرار مجلس الأمن رقم 1325، على أهمية المشاركة الفاعلة للنساء.
  12. ترتبط سلامة الموانئ والممرات البحرية واستمرارية عملها للأغراض المدنية والإنسانية بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي للسكان، وبالتالي فإن اضطراب الملاحة أو تعطل الموانئ ينبغي النظر إليه أيضًا من زاوية آثاره على وصول الغذاء والدواء والمساعدات وعلى سبل عيش المجتمعات الساحلية.
  13. لا تنتهي تداعيات التصعيد بانتهاء العمليات العسكرية، إذ يمكن أن يؤدي استمرار النزوح وتعطل التعليم وفقدان مصادر الدخل والضغوط النفسية والاجتماعية إلى تعميق الفقر، وتوسيع الفجوات الاقتصادية، وزيادة مخاطر التسرب من التعليم والزواج المبكر، وتراجع فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء والفتيات.
  1. ⁠التوصيات
    1.  توصيات للحكومة والسلطات الوطنية والمحلية
  • إنشاء وتطوير آلية وطنية للإنذار المبكر والاستجابة السريعة في المناطق الساحلية والمناطق المعرضة للنزوح، على أن تتضمن مؤشرات خاصة باحتياجات النساء والفتيات، مثل مخاطر النزوح، وانقطاع الخدمات الصحية، وارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتعطل سبل العيش.
  • ضمان أن تتضمن خطط الطوارئ وإدارة النزوح على المستوى الوطني والمحلي تدابير محددة للنساء والفتيات، بما في ذلك المأوى الآمن، والمياه والصرف الصحي، والصحة الإنجابية، وخدمات الحماية، والدعم النفسي والاجتماعي، وآليات الإبلاغ الآمن عن الانتهاكات.
  • تعزيز الترتيبات التي تضمن استمرار تدفق الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية عبر الموانئ والممرات البحرية، وتجنب تعريض المنشآت والممرات ذات الوظائف المدنية والإنسانية لمخاطر تؤدي إلى تعطيل الخدمات الأساسية للسكان.
  • ضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والمنشآت والخدمات الأساسية، والعمل على إزالة العوائق غير الضرورية أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة. وتؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني حماية المدنيين والفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر، كما تنظم قواعد الإغاثة الإنسانية ووصول المساعدات للسكان المتضررين.
  • إدماج المنظمات النسوية المحلية بصورة مؤسسية في التخطيط والاستجابة الإنسانية والتعافي وبناء السلام، وتوفير بيئة آمنة تسمح لها بالوصول إلى النساء والفتيات في المناطق المتأثرة بالنزاع.
  • ضمان تمثيل النساء بصورة فاعلة في لجان إدارة الأزمات والاستجابة الإنسانية والهيئات المحلية المعنية بالنزوح، وكذلك في مسارات السلام والتعافي وإعادة الإعمار، بما يحول مشاركة النساء من حضور استشاري محدود إلى مشاركة مؤثرة في صياغة السياسات والقرارات.
  • توسيع برامج الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والحماية القانونية، والإحالة الصحية للنساء والفتيات والأطفال المتضررين من النزاع والنزوح.
  • تطوير برامج عاجلة ومتوسطة الأجل لدعم النساء المعيلات لأسرهن والنساء في المجتمعات الساحلية، من خلال التدريب المهني، والمنح الصغيرة، ودعم المشروعات المنزلية والمحلية، وربط برامج المساعدة الإنسانية بمسارات التعافي الاقتصادي.
  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية تراعي النوع الاجتماعي لرصد النزوح، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وفقدان سبل العيش، واحتياجات النساء والفتيات في المناطق الساحلية ومواقع النزوح.
    1.  توصيات للمنظمات الدولية والإنسانية
  • رفع مستوى التمويل المخصص لبرامج الحماية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، مع إعطاء الأولوية للمناطق المتأثرة مباشرة بالتصعيد والنزوح.
  • ضمان استمرارية خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ورعاية الحوامل والمرضعات، وخدمات الأمومة والطفولة في مواقع النزوح والمناطق الساحلية المتضررة.
  • توفير خدمات نفسية واجتماعية متدرجة للنساء والأطفال والأسر المتضررة، مع تطوير آليات إحالة للحالات التي تحتاج إلى تدخلات متخصصة.
  • توفير مساحات آمنة للنساء والفتيات في مواقع النزوح، وربطها بخدمات الحماية والدعم النفسي والصحي والقانوني.
  • توجيه جزء أكبر من التمويل مباشرة إلى المنظمات المحلية والنسوية القادرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة، مع بناء قدراتها المؤسسية والإدارية والأمنية.
  • التنسيق مع جميع الأطراف لضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومنتظمة إلى المناطق المتضررة، وعدم تحويل القيود الأمنية إلى عائق دائم أمام تقديم الخدمات المنقذة للحياة.
    1. توصيات للجهات المانحة
  • الانتقال من التمويل قصير الأجل إلى تمويل متعدد السنوات لبرامج حماية النساء والتعافي الاقتصادي وبناء القدرة على الصمود.
  • توجيه تمويل مستدام إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومشروعات سبل العيش الخاصة بالنساء المعيلات لأسرهن والنساء في المجتمعات الساحلية.
  • ربط التمويل الإنساني ببرامج التعافي المبكر، بما يتيح للأسر الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على المساعدات إلى استعادة مصادر الدخل والقدرة على الاعتماد على الذات.
  • تخصيص موارد لدعم جمع البيانات المصنفة حسب الجنس والعمر والموقع، وإجراء دراسات دورية حول أثر الأمن البحري واضطراب الموانئ والملاحة على الأمن الإنساني للمرأة.
    1. توصيات للمجتمع الدولي والجهات الفاعلة في السلام
  • ضمان المشاركة الفاعلة للنساء اليمنيات في مسارات التفاوض والوساطة وصنع القرار المتعلقة بوقف إطلاق النار والتسوية السياسية وبناء السلام.
  • ضمان ألا تقتصر الترتيبات المتعلقة بأمن باب المندب والبحر الأحمر على الأبعاد العسكرية وحماية الملاحة، وإنما تتضمن اعتبارات حماية المدنيين واستمرارية تدفق الغذاء والدواء والمساعدات.
  • توسيع الدعم للمبادرات النسائية المحلية في الوساطة المجتمعية، ومنع النزاعات، وبناء السلام، وحل النزاعات المحلية، ولا سيما في المجتمعات الساحلية ومناطق النزوح.
  • ضمان أن تراعي خطط التعافي وإعادة الإعمار الآثار غير المتكافئة للنزاع على النساء، وأن تتضمن أهدافًا ومؤشرات واضحة لتمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.
    1. توصيات خاصة بالأمن البحري والنوع الاجتماعي
  • إدماج آثار التهديدات البحرية واضطراب الملاحة والموانئ على النساء والفتيات ضمن الاستراتيجيات والسياسات المتعلقة بالأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب.
  • تطوير قنوات اتصال مؤسسية بين الجهات المعنية بالأمن البحري والموانئ والجهات الإنسانية، بما يضمن تبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر واحتياجات السكان المدنيين.
  • ضمان تمثيل النساء والمنظمات النسوية في اللجان المحلية والوطنية المعنية بإدارة الأزمات والاستجابة الإنسانية في المناطق الساحلية.
  • إطلاق برامج تستهدف النساء العاملات في الصيد والتجارة والخدمات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموانئ والمناطق الساحلية، بما يساعد على الحد من الآثار الاقتصادية طويلة المدى للتصعيد.
  • ربط أنظمة الإنذار المبكر الخاصة بالأمن البحري والنزوح بمؤشرات خاصة بالنساء والفتيات، بحيث لا يقتصر الإنذار على تحديد المخاطر العسكرية والأمنية، وإنما يشمل آثارها الإنسانية والاجتماعية.
  • تشجيع مراكز الدراسات والجامعات والمنظمات الدولية على إجراء دراسات دورية حول العلاقة بين أمن الملاحة والأمن الإنساني والنوع الاجتماعي في اليمن، وبناء قاعدة بيانات تساعد صانعي السياسات على تصميم استجابات قائمة على الأدلة.
 

⁠⁠الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن التصعيد العسكري في منطقة باب المندب لا يقتصر تأثيره على الأبعاد العسكرية والأمنية التقليدية، بل يمتد بصورة مباشرة إلى مختلف أبعاد الأمن الإنساني للمرأة اليمنية. فقد أظهرت المعطيات الإنسانية أن السيطرة على المواقع الاستراتيجية والممرات البحرية وما رافقها من اضطراب في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد أسهمت في تفاقم تحديات النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية وارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، الأمر الذي انعكس سلبًا على أوضاع النساء والفتيات في المناطق المتأثرة بالنزاع. كما أظهرت المؤشرات الإنسانية ارتفاع أعداد النازحين إلى 77,789 شخصًا بحلول 11 سبتمبر 2026، بينهم 2,685 امرأة وفتاة في سن الإنجاب و240 امرأة حامل، إلى جانب تضرر عدد من المرافق الصحية والخدمية، بما يؤكد اتساع التداعيات الإنسانية للتصعيد العسكري.

وتؤكد الدراسة وجود ترابط وثيق بين الأمن البحري والأمن الإنساني؛ فاستقرار الموانئ والممرات البحرية لا يرتبط فقط بحماية التجارة الدولية وحرية الملاحة، وإنما يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار تدفق الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية إلى اليمن. وعليه، فإن أي اضطراب في أمن باب المندب ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والاجتماعي للمرأة اليمنية، بما يجعل الأمن البحري أحد المحددات الرئيسة للأمن الإنساني في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات. كما أظهرت الدراسة أن آثار التصعيد العسكري لا تتجلى فقط في الخسائر البشرية المباشرة، وإنما في تعميق أوجه الهشاشة وعدم المساواة القائمة أصلًا بين الجنسين.

كما بينت الدراسة أن الأزمة الراهنة تؤثر بصورة مباشرة على ركائز أجندة المرأة والسلام والأمن، من خلال زيادة احتياجات الحماية، وتراجع فرص المشاركة في صنع القرار، وإضعاف جهود الوقاية وبناء السلام، واتساع متطلبات الإغاثة والتعافي. وفي المقابل، أظهرت النساء اليمنيات مستويات مهمة من الصمود والتكيف من خلال دعم أسرهن والمساهمة في شبكات الاستجابة المجتمعية، الأمر الذي يؤكد أهمية تعزيز دورهن كشريكات فاعلات في الاستجابة الإنسانية وبناء السلام وليس بوصفهن فئة متضررة فقط.

وتخلص الدراسة إلى أن باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي أو نقطة ارتكاز للتنافس العسكري والإقليمي، بل أصبح عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في مستويات الأمن الإنساني للمرأة اليمنية. ومن ثم، فإن تعزيز الحماية الإنسانية للنساء والفتيات، وضمان استمرار تدفق المساعدات والخدمات الأساسية، ودعم مشاركة النساء في عمليات صنع القرار والاستجابة للأزمات، وإدماج المنظور الجندري في سياسات الأمن البحري وإدارة الموانئ والممرات البحرية، تمثل جميعها متطلبات أساسية لبناء الصمود المجتمعي وتحقيق أمن إنساني أكثر استدامة في اليمن. كما تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من البحوث التي تستكشف العلاقة بين الأمن البحري والأمن الإنساني من منظور جندري، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات الممتدة، بما يسهم في تطوير فهم أكثر شمولًا للأبعاد الإنسانية للتحولات الأمنية والعسكرية المعاصرة.

 

[1] UN Women. Gender Alert: Crisis Upon Crisis: Impact of the Recent Escalation on Women and Girls in Yemen..

[2] International Organization for Migration (IOM). (2026). Displacement in Yemen Alarmingly Surges Past 46,000 Amid Escalating Fighting. Available at: https://www.iom.int/news/displacement-yemen-alarmingly-surges-past-46000-amid-escalating-fighting-iom-chief.

[3] Lirola-Delgado, I. (2019). ‘Maritime Security Strategies from a Gender Perspective: Implications for United Nations SDG 5 Implementation’, WMU Journal of Maritime Affairs, 18(4), pp. 577-592.

[4] Burroughs, L.C., Egorova, S., Šadić, E. and Soeth, K. (2018). Women in Maritime. Broomfield, CO: One Earth Future Foundation. https://development.oneearthfuture.org/sites/default/files/2022-05/stable_seas_women_maritime_discussion_paper-V2.pdf

[5] Dharmapuri, S., Tansey, P. and Van Buskirk, L. (2020). Charting a New Course: Women, Peace and Security, and the Maritime Domain. Our Secure Future.

[6] UNDP. (1994). Human Development Report 1994: New Dimensions of Human Security. New York: United Nations Development Programme.

[7] Enloe, C. (2014). Bananas, Beaches and Bases. Berkeley: University of California Press.

[8] Tickner, J.A. (1992). Gender in International Relations: Feminist Perspectives on Achieving Global Security. New York: Columbia University Press.

[9] UN Women. (2026). Gender Alert: The Immediate and Long-Term Impact of the Military Escalation in the Middle East on Women and Girls.    https://www.unwomen.org/en/digital-library/publications/2026/04/gender-alert-the-immediate-and-long-term-impact-of-the-military-escalation-in-the-middle-east-on-women-and-girls

[10] United Nations Security Council. (2000). Resolution 1325 on Women, Peace and Security. New York: United Nations.

[11] Al Jazeera. (2026). Yemen's Houthis Seize Strategic Red Sea City of Mocha. 10 September. Available at: https://www.aljazeera.com/news/2026/9/10/yemens-houthis-seize-strategic-red-sea-city-of-mocha (Accessed: 12 September 2026).

[12] UN Women. (2025). Airstrikes Push Women and Girls in Yemen to the Brink, UN Women Warns in New Gender Alert. https://arabstates.unwomen.org/en/stories/press-release/2025/05/airstrikes-push-women-and-girls-in-yemen-to-the-brink-un-women-warns-in-new-gender-alert

[13] UN Women. (2025a). Gender Alert: Crisis Upon Crisis: Impact of the Recent Escalation on Women and Girls in Yemen. Cairo: UN Women Regional Office for the Arab States.

[14] United Nations Population Fund (UNFPA). (2025). Gender-Based Violence in Yemen: Situation Overview. https://arabstates.unwomen.org/en/digital-library/publications/2025/05/gender-alert-facing-crisis-upon-crisis-impact-of-airstrikes-on-women-and-girls-in-yemen. UN Women. (2025) Gender Alert: Crisis Upon Crisis: Impact of the Recent Escalation on Women and Girls in Yemen. Available at: https://arabstates.unwomen.org/en/digital-library/publications/2025/05/gender-alert-facing-crisis-upon-crisis-impact-of-airstrikes-on-women-and-girls-in-yemen (Accessed: 12 September 2026).

[15] Human Rights Watch. (2024). Yemen: Warring Parties Restrict Women's Movement. Available at: https://yemen.unfpa.org (Accessed: 12 September 2026).

[16] Human Rights Watch. (2024) Yemen: Warring Parties Restrict Women’s Movement. 4 March. Available at: https://www.hrw.org/news/2024/03/04/yemen-warring-parties-restrict-womens-movement (Accessed: 12 September 2026).

[17] Amnesty International. (2025). Human Rights in Yemen. Available at: https://www.amnesty.org/en/location/middle-east-and-north-africa/middle-east/yemen/report-yemen/ (Accessed: 12 September 2026).

[18] UNICEF. (2026). Renewed Hostilities in Yemen Push Over 12 Million Children Deeper into Crisis.

[19] UNHCR. (2026). Yemen: Escalating Conflict Drives New Displacement and Refugee Arrivals in Djibouti.

[20] WHO. (2026). Yemen Conflict Escalation Situation Report.

[21] UN Women. 2025a. Gender Alert: Crisis Upon Crisis: Impact of the Recent Escalation on Women and Girls in Yemen. Cairo: UN Women Regional Office for the Arab States.

[22] United Nations News. (2026). Surge in Displacement Following Fighting in Southwest Yemen. Available at: https://news.un.org/en/story/2026/09/1168314 (Accessed: 12 September 2026).

[23]UN Women. (2025) Airstrikes Push Women and Girls in Yemen to the Brink, UN Women Warns in New Gender Alert. 20 May. Available at: https://arabstates.unwomen.org/en/stories/press-release/2025/05/airstrikes-push-women-and-girls-in-yemen-to-the-brink-un-women-warns-in-new-gender-alert (Accessed: 12 September 2026).

[24] Save the Children. (2026). At Least 19 Children Killed and 49 Injured in 40 Days of Violence in Yemen. https://www.savethechildren.net/news/yemen-least-19-children-killed-and-49-injured-40-days-violence

[25] International Committee of the Red Cross (ICRC). (1949). Geneva Conventions of 12 August 1949 and Their Additional Protocols..

[26] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). (2026). Today's Top News: Yemen. https://www.unocha.org/news/todays-top-news-yemen-occupied-palestinian-territory-sudan-ukraine

[27] International Organization for Migration (IOM). (2026). Number of Displaced in Yemen Reaches Nearly 94,000. https://www.iom.int/news/iom-spokesperson-numbers-displaced-yemen-reaches-nearly-94000

[28] أرمين يِدغاريان، ممثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في اليمن، «تصاعد القتال في اليمن قد يسرّع وتيرة النزوح ويزيد من تدفقات اللاجئين»، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إيجاز صحفي، 22 سبتمبر 2026، https://www.unhcr.org/ar/news/briefing-notes/escalating-conflict-yemen-could-fuel-more-displacement-refugee-movement

[29] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). “Today’s Top News: Yemen, Occupied Palestinian Territory, Sudan, Ukraine.” 2026.
https://www.unocha.org/news/todays-top-news-yemen-occupied-palestinian-territory-sudan-ukraine

[30] UNHCR. (2026). Yemen Escalating Conflict Drives New Displacement and Refugee Arrivals to Djibouti. https://www.unhcr.org/news/press-releases/yemen-escalating-conflict-drives-new-displacement-and-refugee-arrivals-djibouti

Read Download
Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.