Studies Environment and Climate Studies Program

التنمية البحرية وإدارة المصايد في اليمن (نحو اقتصاد أزرق مستدام)

Dr. Ali Mohammed Ali Al-Qabili PDF available
التنمية البحرية وإدارة المصايد في اليمن (نحو اقتصاد أزرق مستدام)

أولًا: المقدمة والأهمية الاستراتيجية للموارد البحرية

يُعدّ الاقتصاد الأزرق أحد المكونات المهمة للاقتصاد العالمي؛ إذ تُقدَّر قيمة أصوله بنحو 24 تريليون دولار، فيما تُقدَّر عوائده الاقتصادية السنوية بنحو 2.5 تريليون دولار، بما يعكس القدرة الاستثنائية للقطاعات البحرية على الإسهام في دفع النمو الاقتصادي العالمي[1]. وكما ذُكر سابقًا، تتجاوز القيمة الإجمالية للأصول البحرية 24 تريليون دولار، وهو ما يضع المنظومة البحرية في المرتبة الثامنة بين أكبر القوى الاقتصادية عالميًا.

ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على الأرقام والتقييمات المالية، بل تمتد لتلامس سبل معيشة ملايين البشر والمجتمعات؛ إذ تُعد الموارد البحرية مصدرًا رئيسيًا للغذاء لأكثر من ثلاثة مليارات إنسان، كما توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأكثر من 600 مليون عامل حول العالم[2].

وعلى صعيد التجارة والتواصل الدولي، تمثل المحيطات والبحار شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة العالمية وتدفق المعلومات؛ إذ يُنقل عبرها أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، فيما تمتد في أعماقها شبكات الكابلات البحرية التي تحمل نحو 98% من حركة البيانات والاتصالات عبر القارات.

وتشكّل هذه الأهمية المحورية للموارد والقطاعات البحرية دافعًا استراتيجيًا يحث الدول على توجيه استثماراتها نحو الاستغلال الأمثل والمستدام لهذه الثروة، بما يعزز النمو الاقتصادي، ويدعم الأمن الغذائي، ويوسع فرص العمل، ويحافظ في الوقت ذاته على النظم البيئية البحرية واستدامتها للأجيال القادمة.

وفي اليمن، تُعدّ الثروة السمكية أحد أهم الموارد الاقتصادية والغذائية، وأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي الوطني. ويمتلك اليمن مقومات جغرافية وبيئية وحيوية تجعل مياهه الإقليمية من مناطق الصيد المهمة في شبه الجزيرة العربية والإقليم؛ إذ يمتد شريطه الساحلي لأكثر من 2,500 كيلومتر[3]. ويطل هذا الشريط الساحلي على مسطحات مائية حيوية، أبرزها البحر الأحمر والبحر العربي، فضلًا عن امتداده الاستراتيجي على خليج عدن والمحيط الهندي ومضيق باب المندب.

ويمتلك اليمن أكثر من 180 جزيرة موزعة بين البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، وتُعد هذه الجزر من المناطق الغنية بالتنوع الحيوي البحري ومصايد الأسماك في جنوب شبه الجزيرة العربية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي، واتساع جرفها القاري، وغنى بيئاتها وشعابها المرجانية. ويأتي أرخبيل سقطرى في مقدمة هذه المناطق، إذ يضم الجزيرة الرئيسية سقطرى، إلى جانب جزر عبد الكوري ودرسة وسمحة.

وتتجاوز الأهمية البحرية لأرخبيل سقطرى ما يتمتع به من معالم سياحية وخصائص بيئية نادرة؛ إذ يمثل موقعه نقطة التقاء بين البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، كما يتميز بظاهرة التيارات المائية الصاعدة التي تنقل المغذيات من الأعماق إلى المياه السطحية، بما يسهم في تعزيز الإنتاجية البحرية وثراء المصايد. ويُعد الأرخبيل مركزًا مهمًا لصيد أنواع الأسماك الكبيرة، مثل التونة (الثمد) والكنعد (الديرك)، فضلًا عن إنتاج أنواع أخرى ذات قيمة اقتصادية، مثل الروبيان والحبار والسرطان الصخري (الاستاكوزا).

ولا تقتصر أهمية الجزر اليمنية على أرخبيل سقطرى؛ فهناك جزر حنيش وكمران وميون وعبد الكوري ودرسة والفيشت والزبير وغيرها، ولكل منها موقعها الجغرافي وخصائصها البيئية ومواردها البحرية ومصايدها السمكية. وإلى جانب هذه الجزر، تنتشر على امتداد الساحل اليمني مراكز ومجتمعات صيد عديدة، تمثل مكونات أساسية في منظومة الاقتصاد البحري اليمني (انظر الصورة رقم 1).