Estimates Security Studies Program

من البحر الى البر: كيف يعيد التصعيد الحوثي تشكيل معادلة الامن في اليمن

Alaa Abu Bakr PDF available
من البحر الى البر: كيف يعيد التصعيد الحوثي تشكيل معادلة الامن في اليمن

المقدمة

شهدت الساحة اليمنية منذ اندلاع الصراع إعادة إنتاج مزمنة للمفهوم الأمني، الذي بات يُعَرَّف كحالة "ديناميكية متغيرة" خاضعة للتحولات الميدانية، وليس كمنظومة استراتيجية ثابتة. فمنذ الانقلاب الحوثي على مؤسسات الدولة الشرعية في 21 سبتمبر 2014، تمكنت الجماعة من التوغل عميقاً في مفاصل الدولة، مستفيدة في المراحل الأولى من تحالفها التكتيكي مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وعقب تصفيتها لصالح في ديسمبر 2017، انفردت الجماعة كلياً بالسيطرة على المناطق الشمالية والوسطى والغربية، لتتحول إلى الفاعل المسلح الرئيسي المناهض للحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، مستندة إلى دعم سياسي، وعسكري، واقتصادي مباشر من النظام الإيراني.

وقد تراوحت مجريات الحالة الأمنية والعسكرية في اليمن بين فترات من التصعيد المحموم والتهدئة الهشة، كانعكاس مباشر للتجاذبات الإقليمية والدولية وصراعات القوى الكبرى المحيطة بالبيئة اليمنية، ومع بروز التهديدات الحوثية الأخيرة العابرة للحدود والمستهدفة لخطوط الملاحة الدولية، بدأت مفاعيل هذا التصعيد البحري ترتد بصورة عكسية لتلقي بظلالها على الترتيبات الأمنية والخطوط الدفاعية داخل الجغرافيا اليمنية نفسها. بناءً على هذه المعطيات، تتمحور إشكالية تقدير الموقف حول سؤال جوهري: كيف يعيد التصعيد الحوثي تشكيل معادلة الأمن في اليمن مع انتقال ثقل تأثيره الجيوسياسي من البحر إلى البر؟

أولا: التحول في طبيعة التهديد الحوثي: من التمرد المحلي إلى الفاعل الجيوسياسي العابر للحدود

انتقلت جماعة الحوثي في بيئتها العملياتية من نموذج "حركات التمرد المحلية المسلحة" (Insurgency Operational Model) التي خاضت حروباً تقليدية في جبال صعدة، إلى مصاف "الفاعلين المسلحين من غير الدول الهجينين" (Hybrid Non-State Actors). هذا التحول لم يكن عسكرياً بحتاً، بل مثّل إعادة تموضع جيوسياسي واستراتيجي؛ حيث نجحت المليشيا الحوثية، مدفوعةً بتدفق الدعم التقني واللوجستي من النظام الإيراني وضمن استراتيجية "محور المقاومة"، في مراكمة ترسانة صاروخية وباليستية متطورة، طورت قدرات الهجوم بمسيرات بعيدة المدى، وزوارق مفخخة موجهة ذاتياً. هذا التطور النوعي غيّر ميزان القوى، ونقل التهديد الحوثي من نطاق الدفاع عن المعاقل الجغرافية الضيقة داخل اليمن، إلى القدرة على شن عمليات هجومية استباقية عابرة للحدود البرية والبحرية، واستهداف عمق دول الجوار، وممرات الملاحة الدولية وبذلك، تحول التهديد من خطر محلي يهدد شرعية الدولة اليمنية، إلى معادلة أمنية مركبة قادرة على فرض شروطها ضمن الصراعات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط.([1])

يتسق تمكين الحركة الحوثية واندماجها البنيوي في منظومة السلطة مع المصالح الإستراتيجية لإيران، حيث يُعد استثمار هذا الصعود رافعة محورية لتعزيز نفوذ طهران الإقليمي في غرب آسيا وشمال إفريقيا. ويترتب على انخراط الجماعة ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة" توسيع العمق الاستراتيجي الإيراني على حساب الحضور السعودي، إذ يشكل التمدد الإيراني في اليمن عبر الوكيل الحوثي جدار صد أمام النفوذ السعودي، وفي الوقت ذاته يوسع رقعة الهيمنة الأيديولوجية والجيوسياسية لطهران في منطقة الخليج العربي وبحر عمان. ونظراً للأهمية الأمنية البالغة التي يمثلها اليمن في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، تسعى طهران لفرض نفسها شريكاً أساسياً في أي ترتيبات مستقبلية تخص الساحة اليمنية لضمان مصالحها. وبناءً على ذلك، تحول الحوثيون إلى عنصر مؤثر في إعادة هندسة التوازنات الأمنية عبر الفضاء الممتد من الخليج العربي وصولاً إلى القرن الأفريقي([2]).

ثانياً: ميكانيزم الارتداد: الانتقال من التهديد البحري إلى البر

مَثَّلَ التصعيد الحوثي في البحر الأحمر وخليج عدن تحولاً استراتيجياً أعاد صياغة الأولويات الأمنية للجماعة؛ حيث لم تكن العمليات البحرية مجرد استعراض للقوة، بل وسيلة لفرض "معادلة ردع بحرية" وفصل مسارات الصراع. ومع ذلك، فإن هذا النفوذ البحري بدأ يرتد بصورة عكسية نحو الجغرافيا البرية لليمن بحسب ما تمليه المصلحة.

يتجسد هذا الانتقال في استغلال الجماعة لزخم المواجهة البحرية والتعاطف الشعبي المصاحب لها لإعادة حشد الموارد البشرية والعسكرية، وتوجيهها نحو جبهات البر الحيوية، ترى الجماعة أن تثبيت مكتسباتها الجيوسياسية في البحر يتطلب بالضرورة تأمين العمق البري الحاكم، والسيطرة على مصادر الطاقة والمنافذ الاستراتيجية. وبذلك، تحول الميزان العسكري من تهديد الملاحة الدولية إلى محاولة فرض واقع أمني وميداني جديد على الأرض، عبر الضغط على خطوط التماس ومحاولة قضم جغرافيا المحافظات النفطية في الشرق، مستفيدة من انشغال القوى الدولية بحماية الممرات المائية. ([3])

ثالثاً: مأرب، شبوة، وحضرموت: جغرافيا الطاقة وأولويات السيطرة في جبهات التماس البرية

تُمثل محافظات مأرب، شبوة، وحضرموت (المعروفة بـ "المثلث النفطي") العمق الاستراتيجي والاقتصادي الأهم في معادلة الصراع البري في اليمن، والهدف الرئيس لارتداد التصعيد الحوثي من البحر إلى البر. فمنظور الجماعة الأمني والعسكري لا يرى في السيطرة على العاصمة والمنافذ البحرية نفوذاً مستداماً ما لم يتم تدعيمه بالسيطرة على مصادر الطاقة والثروة السيادية، وهو ما يفسر تحول هذه المحافظات ومناطق التماس المحيطة بها إلى بؤر توتر عسكري دائم.

في محافظة مأرب، يتجلى الإصرار الحوثي في المحاولات المستمرة لاختراق خطوط الدفاع الشمالية والشرقية، حيث تمثل مأرب المعقل الرئيسي للحكومة الشرعية ومركز إنتاج الغاز والنفط؛ السيطرة عليها تعني للمليشيا إعلان الهيمنة الكاملة على شمال اليمن وتأمين موارد مالية ضخمة. أما في محافظة شبوة، فتشكل خطوط التماس في مديريات بيحان وعسيلان نقاط ارتكاز حاسمة لحقن الضغط العسكري، حيث يسعى الحوثيون عبر هذه الجبهة إلى قطع خطوط الإمداد الاستراتيجية بين مأرب والمحافظات الجنوبية، والوصول إلى موانئ التصدير على بحر العرب. وفيما يتعلق بـحضرموت، ورغم بعد مراكزها الحيوية عن المواجهة البرية المباشرة، إلا أنها تقع تحت طائلة التهديد الأمني المستمر عبر القصف بالطائرات المسيرة واستهداف المنشآت النفطية (مثل ميناء الضبة)، إلى جانب محاولات اختراق وادي حضرموت عبر التسلل أو زعزعة الاستقرار الأمني داخلياً.

إن ديناميكية المواجهة في مناطق التماس هذه تجاوزت النمط التقليدي لحرب الخنادق، لتتحول إلى "حرب استنزاف هجينة" تستخدم فيها الجماعة الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى لتعطيل المنظومات الدفاعية للقوات الحكومية، وشل قدرتها على تصدير النفط، بهدف فرض واقع اقتصادي وعسكري قاهر يجبر الأطراف المحلية والدولية على القبول بصيغة تسوية تضمن للحوثيين حصة الأسد من هذه الثروات.([4])

رابعاً: أمن المنشآت الحيوية، البنى التحتية، وشبكات الطرق البرية

انتقل التركيز العملياتي لمليشيا الحوثي نحو استهداف أمن المنشآت الاقتصادية وشبكات الطرق البرية، كجزء من استراتيجية "الخنق الاقتصادي" الرامية إلى حرمان الحكومة الشرعية من مواردها الذاتية. ولم يعد هذا الاستهداف يقتصر على المواجهات المباشرة، بل تحول إلى استخدام سلاح المسيرات والصواريخ الموجهة لفرض حصار بري واقتصادي موازٍ للحصار البحري، ويتجسد هذا التهديد في مستويين رئيسيين:

  • استهداف منشآت الطاقة السيادية: يتركز التهديد في قصف مصافي النفط، وخزانات التخزين، وموانئ التصدير الحيوية في المحافظات الشرقية والجنوبية (مثل موانئ الضبة والنشيمة). أدى هذا النمط من الهجمات "شبه العسكرية" إلى وقف الصادرات النفطية تماماً، مما تسبب في شلل مالي شبه كامل للحكومة الشرعية، وتحويل المنشآت الاقتصادية إلى رهائن أمنية لابتزاز المجتمع الدولي والمطالبة بتقاسم العائدات. ([5])
  • التحكم بشرايين النقل وحصار المدن: تعتمد الجماعة استراتيجية قطع الطرق الرئيسية، وتحويل ممرات التجارة الداخلية إلى خطوط تماس عسكرية مغلقة (كما هو الحال في حصار تعز المستمر، وقطع طرق مأرب-صنعاء). هذا التحكم لا يقتصر على الأبعاد العسكرية لمنع تحرك القوات الحكومية، بل يمتد لفرض نقاط جمركية ومستخلصات مالية غير قانونية على حركة البضائع والمواطنين، مما أدى إلى تفتيت السوق الاقتصادية اليمنية وإرهاق البنية التحتية للطرق البديلة الوعرة وغير المؤهلة أمنياً.([6])

كما ان الحوثيين استفادوا من المقولة العسكرية القديمة (اذا اردت ان تسيطر على المعركة فسيطر على خط الامداد)([7]) ولهذا نراها مستميته في السيطرة على محافظة البيضاء فهي بحق "بوصلة اليمن" فهي أول محافظة تم مهاجمتها من خارج انتمائهم المذهبي التقليدي فمحافظة البيضاء تتمتع بموقع جيواستراتيجي حاكم يمثل "مركز الثقل" (Center of Gravity) في مسرح العمليات اليمنية فهي تتحكم في خطوط المواصلات حيث تشكل المحافظة العقدة اللوجستية المحورية والوحيدة التي تربط العاصمة الإدارية الشمالية (صنعاء) بالعاصمة الساحلية الجنوبية (عدن)، مما يجعلها الشريان الرئيس لخطوط الإمداد والتحركات الاستراتيجية، كما يمنحها تموضعها الفريد بين ثماني محافظات (أربع شمالية وأربع جنوبية) ميزة المناورة على محاور عسكرية متعددة، والقدرة على عزل أو تهديد النطاقات الحيوية المحيطة بها (مثل مأرب وشبوة وأبين)، كذلك تمثل البيضاء منطقة انتقال تكتيكي تجمع بين التضاريس الجبلية الوعرة والامتداد الصحراوي والساحلي، مما يوفر مزايا دفاعية طبيعية ويمنح الطرف المسيطر عليها تفوقاً في الرصد والسيطرة بالنيران.([8])

بناءً على هذه المعطيات، تُصنف المحافظة عسكرياً كـ "مفتاح السيطرة العملياتية" على كامل الخريطة اليمنية؛ حيث إن تأمينها يتيح قطع خطوط إمداد الخصم وتفكيك جبهاته، بينما يشكل فقدانها تهديداً مباشراً لعمق المحافظات المجاورة، مما يفسر الاستماتة القتالية الحالية للاحتفاظ بها.

إن إعادة صياغة أمن المنشآت والطرق من منظور حوثي تهدف إلى تحويل الجغرافيا البرية اليمنية إلى جيوب معزولة مستنزفة اقتصادياً، بحيث يصبح تأمين أي منشأة أو طريق مرهوناً بتقديم تنازلات سياسية وسيادية للطرف المسيطر.

خامساً: دور القوات المحلية والترتيبات الأمنية الجديدة: إعادة هيكلة جبهات التصدي

أدى التطور النوعي في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين وانتقال تهديداتهم من البحر إلى البر إلى إحداث تغييرات جوهرية في هيكلية القوات المحلية المناهضة لهم. ولم تعد الترتيبات الأمنية في مناطق الشرعية تعتمد على النمط التقليدي للجيش الوطني، بل برزت شبكة معقدة من القوات المحلية والتشكيلات العسكرية ذات النفوذ المناطقية والسياسية المتمايزة، والتي تحاول التنسيق فيما بينها لسد الفجوات الدفاعية ويمكن تفكيك مشهد الترتيبات الأمنية الجديدة ودور هذه القوات في النقاط التالية([9]):

  • تعددية الفاعلين العسكريين وتوزيع المهام: برزت قوى ميدانية فاعلة باتت تتصدر جبهات التماس برياً؛ مثل قوات العمالقة الجنوبية التي تلعب دوراً حاسماً في جبهات شبوة وحريب بمأرب، وقوات حراس الجمهورية المتمركزة في الساحل الغربي، إلى جانب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل (الأحزمة الأمنية ومحاور المقاومة الجنوبية) التي تؤمن المحافظات الجنوبية والشرقية، جنباً إلى جنب مع وحدات الجيش اليمني التابع للحكومة الشرعية في مأرب وتعز.
  • تحدي القيادة والسيطرة المشتركة: تشكل "هيئة العمليات المشتركة" ومجلس القيادة الرئاسي المظلة السياسية والعسكرية لمحاولة مأسسة هذه القوات وتوحيد غرف العمليات. ورغم التباينات السياسية البينية، إلا أن استمرار الخطر الحوثي، خاصة بعد قصف منشآت الطاقة، فرض حداً أدنى من التنسيق العملياتي لتأمين المناطق النفطية في حضرموت وشبوة وحماية خطوط الإمداد البرية.
  • إعادة تموضع الدفاعات الجوية والأرضية: فرضت حرب المسيرات الحوثية على القوات المحلية الانتقال من استراتيجيات التحصين التقليدية إلى تبني ترتيبات أمنية تعتمد على محاولة نشر منظومات دفاع جوي قصيرة المدى، وتفعيل شبكات الإنذار المبكر لحماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في شبوة ومأرب وحضرموت بالتعاون مع التحالف العربي.

إن هذه الترتيبات الأمنية الجديدة تعكس واقعاً عسكرياً هجيناً، حيث تحاول القوات المحلية الموازنة بين الحفاظ على خصوصيتها ومكاسبها على الأرض، وبين حتمية الاندماج في جبهة موحدة لمواجهة استراتيجية القضم التدريجي التي يمارسها الحوثيون.

سادساً: السيناريوهات الأمنية المحتملة: مستقبل معادلة الأمن اليمني في ظل الارتداد من البحر إلى البر

تتأرجح البيئة الأمنية في اليمن بين مسارات معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة، حيث يرتبط مستقبل معادلة الأمن البري بشكل عضوي بمدى استمرار أو تهدئة التصعيد الحوثي في الممرات المائية، ومدى تماسك الجبهة المناهضة له. وبناءً على معطيات التحولات الميدانية الجارية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المشهد الأمني في اليمن

  1. سيناريو حرب الاستنزاف الهجينة والجمود النشط

يقوم هذا السيناريو على استمرار الوضع الراهن؛ أي غياب مواجهة عسكرية شاملة ومفتوحة، مقابل استمرار الحوثيين في شن هجمات تكتيكية متفرقة بالمسيرات والصواريخ على جبهات التماس في مأرب وشبوة، مع استمرار الحظر العسكري المفروض على منشآت وموانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة لابتزاز الحكومة الشرعية. يهدف الحوثيون من هذا السيناريو إلى إنهاك الحكومة اقتصادياً ودفعها لتقديم تنازلات سيادية ومالية (مثل دفع المرتبات من عائدات النفط وفق شروط الجماعة) دون الحاجة لخوض حرب برية مكلفة. ([10])

  1. سيناريو الانفجار البري الشامل (تصعيد الحسم العسكري)

يتشكل هذا السيناريو في حال فشل الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية تماماً، حيث يسعى الحوثيون إلى استغلال تعبئتهم العسكرية والتحولات البحرية لشن هجوم بري واسع النطاق لاجتياح مدينة مأرب أو السيطرة على حقول النفط في شبوة ووادي حضرموت. هذا السيناريو سيؤدي إلى انهيار تام للهدنة غير المعلنة، ويدفع القوات المحلية (العمالقة، الجيش الوطني، وحراس الجمهورية) إلى تفعيل غرف العمليات المشتركة وإطلاق هجمات مضادة بدعم من التحالف، مما يعيد الصراع إلى مربع المواجهات الشاملة ويهدد بانهيار مجلس القيادة الرئاسي أو إعادة تشكيله وفقاً لنتائج الميدان.([11])

  1. سيناريو التسوية الأمنية القسرية (تثبيت النفوذ)

ينطلق هذا السيناريو من فرضية رغبة الأطراف الإقليمية والدولية في تحييد خطر البحر الأحمر بأي ثمن، مما قد يدفع نحو رعاية اتفاق هدنة شامل أو تسوية سياسية انتقالية تفرض واقعاً أمنياً جديداً. بموجب هذا السيناريو، يتم تجميد الجبهات البرية الحالية، وفتح الطرق والممرات بين المدن تحت إشراف دولي، مع إجبار الحكومة الشرعية على تقاسم عائدات النفط والغاز مع الحوثيين مقابل وقف الهجمات على المنشآت الحيوية. هذا المسار قد يمنح اليمن استقراراً مؤقتاً، لكنه سيكرس نفوذ الحوثيين كقوة مهيمنة بحرياً وبرياً على المدى البعيد. ([12])

 

الخاتمة

خلص تقدير الموقف إلى أن التصعيد العسكري لجماعة الحوثي لم يعد مجرد تمرد محلي محكوم بحدود الجغرافيا اليمنية، بل تحول إلى استراتيجية أمنية مركبة قادرة على نقل ميزان القوى من البحر إلى البر. ومن ثم فإن العمليات البحرية الحوثية في البحر الأحمر وخليج عدن لم تكن منفصلة عن جبهات البر، بل شكلت رافعة جيوسياسية وظفتها الجماعة لإعادة التعبئة والتحشيد وفرض قواعد اشتباك جديدة على الأرض.

ومن خلال استهداف مثلث الطاقة في مأرب وشبوة وحضرموت وخنق المنشآت الحيوية وشبكات الطرق عبر السيطرة على محافظة البيضاء الاستراتيجية وسط اليمن للتحكم بطرق الشرق النفطي والغرب الساحلي، نجحت الجماعة في فرض حصار اقتصادي موازٍ وتحويل المكتسبات البحرية إلى أوراق ضغط برية لابتزاز الحكومة الشرعية والمجتمع الدولي.

بناءً على ذلك، فإن مستقبل الأمن في اليمن لم يعد رهناً بالتوازنات العسكرية التقليدية، بل بمدى قدرة القوات المحلية على صياغة استراتيجية دفاعية موحدة تكسر تكتيكات القضم التدريجي وحرب الاستنزاف الهجينة. وفي هذا السياق، يمثل الوجود الحوثي ورقة استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة لإيران، إذ تراه طهران أداة محورية لملء أي فراغ جيوسياسي وتعظيم مكاسبها الإقليمية، مما يجعل من استمرار هذه الجماعة ركيزة أساسية في شبكة تحالفاتها الإقليمية بالشرق الأوسط.

التوصيات

  • توحيد الغرف العملياتية: دمج كافة التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين (الجيش الوطني، الوية العمالقة، حراس الجمهورية، والقوات الجنوبية) تحت قيادة وسيطرة موحدة حقيقية لضمان التنسيق الدفاعي والهجومي في جبهات التماس الحيوية.
  • تأمين منشآت الطاقة: نشر منظومات دفاع جوي متطورة وقصيرة المدى (أنظمة مضادة للمسيرات والصواريخ الموجهة) لحماية موانئ التصدير ومصافي النفط في حضرموت وشبوة، لإعادة تفعيل الموارد السيادية للدولة.
  • تطوير استراتيجية الردع البري: الانتقال من وضعية الدفاع السلبي في جبهات مأرب وشبوة إلى تبني عمليات هجومية تكتيكية ترفع كلفة التصعيد الحوثي برياً، وتمنعه من استغلال فترات التهدئة البحرية.
  • تأمين الممرات البرية البديلة: إنشاء وحدات أمنية مشتركة متخصصة لحماية شبكات الطرق البرية الحيوية، والحد من الجبايات والتحكم الحوثي بحركة البضائع والمدنيين.
  • تعزيز الشراكة الإقليمية والدولية: ربط ملف أمن الملاحة الدولية بأمن الجغرافيا البرية لليمن، وإقناع الفاعلين الدوليين بأن استقرار البحر الأحمر يبدأ من تأمين وتثبيت معادلة الأمن على البر اليمني.
  • اعتماد مقاربة عابرة للمجالات لإدارة أمن البحر الأحمر عبر تبني عقيدة سياسية وعسكرية متكاملة (Cross-Domain Strategy)؛ تقترن فيها آليات إدارة الأزمات والردع الآني قصير المدى، بمبادرات الحوكمة وبناء الاستقرار المؤسسي طويل المدى.
 

[1] Raphael S. Cohen, “The Middle East’s Next Aftershocks,” RAND Corporation, January 2, 2025,https://www.rand.org/pubs/commentary/2025/01/the-middle-easts-next-aftershocks.html

[2] فاطمة الصمادي، «اليمن على سلم الأولويات الاستراتيجية الإيرانية»، مركز الجزيرة للدراسات، 28 فبراير 2020، https://studies.aljazeera.net/ar/article/4651

[3] Federico Donelli. Maritime Disruption in Yemen: The Making of a Hybrid Red Sea Order. Middle East Policy. 2025; 32: 35–50. https://doi.org/10.1111/mepo.70018

[4] علي جبلي، «مراكز الطاقة في اليمن وجغرافيا الصراع: دراسة في الأبعاد والتحديات»، مركز الفكر الاستراتيجي، 8 يونيو 2022، أنظر: https://tinyurl.com/225hbgbd

[5] البنك الدولي، المرصد الاقتصادي لليمن: تداعيات توقف الصادرات النفطية وإغلاق الطرق على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، (2025).

[6] كيسي كومبس وصلاح علي صلاح، «أوزار الحرب على طرق اليمن»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 26 يناير 2023، https://sanaacenter.org/ar/publications-ar/policy-research-ar/19410

[7] Sun Tzu, The Art of War, trans. Lionel Giles (New York: Dover Publications, 2002; originally published ca. 5th century BCE).

[8] أحمد الشلفي، «لماذا تُعد محافظة البيضاء مفتاح أي حرب برية في اليمن؟» (تحليل مستند إلى تقارير ميدانية لصحيفة الغارديان البريطانية)، 2026، لندن/صنعاء.

[9] Nadwa Al-Dawsari and Arman Mahmoudian, “Iran’s New Grand Design: The Next Evolution of the Axis of Resistance,” Middle East Institute, July 26, 2026, https://mei.edu/publication/irans-new-grand-design-the-next-evolution-of-the-axis-of-resistance/

[11] A Tale of Two Straits: Yemen’s Shifting Place in Post-War Regional Security, meddle east council on global affairs, July 30, 2026,  web: https://mecouncil.org/publication/a-tale-of-two-straits-yemens-shifting-place-in-post-war-regional-security/

[12] توفيق الحميدي، «الوضع اليمني.. قراءة في المؤشرات ومسارات التحول»، مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية، 8 أغسطس 2026، https://redseacenter-rsc.org/?p=8679

Read Download
Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.