Estimates

المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى: بين اتساع قاعدة التمثيل وتحديات بناء الشرعية التمثيلية

Naeemh Abdulrahman Alamoodi PDF available
المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى: بين اتساع قاعدة التمثيل وتحديات بناء الشرعية التمثيلية

يشير تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية إلى محاولة لإعادة تنظيم المجال السياسي في حضرموت عبر نقل التعدد القائم بين المكونات إلى طار تنسيقي مشترك. وتأتي هذه المحاولة في سياق يتزايد فيه تجزؤ التمثيل السياسي للمحافظة، رغم ما تتمتع به من ثقل جغرافي واقتصادي وجيوسياسي يجعلها طرفًا مؤثرًا في رسم ملامح التسوية السياسية المقبلة في اليمن. فحضرموت تعد أكبر محافظات البلاد مساحة، إذ تمثل نحو 36% من مساحة اليمن، وتمتد على شريط ساحلي يبلغ نحو 620 كيلومترًا على بحر العرب، فضلًا عن موقعها الحدودي مع المملكة العربية السعودية، وامتلاكها موارد نفطية وموانئ مهمة، أبرزها ميناء المكلا وميناء الشحر (الضبة) المرتبط بتصدير النفط الخام.[1] 

وفي مقابل هذا الوزن، تبدو الساحة السياسية الحضرمية أكثر تشتتًا في تمثيلها وتعددًا في الجهات التي تتحدث باسمها، مع تباين في المواقف والتصورات بشأن أولويات المحافظة وموقعها في المعادلة السياسية القادمة. إذ تكشف بعضا من نتائج الاستطلاع التي اجراها مركز مداد حضرموت حول واقع المكونات السياسية والاجتماعية في حضرموت عن جانب واضح من هذه الإشكالية، إذ يرى 82.1% من مختلف الفئات الحضرمية أن تعدد المكونات أدى إلى تشتت صوت حضرموت، بينما يرى 44.7% أن هذه المكونات تعاني ضعفًا في قدرتها على الدفاع عن قضايا وحقوق المحافظة، في حين يرى 41% أن تأثيرها في صناعة القرارات السياسية المحلية والمركزية الخاصة بحضرموت محدود أو منعدم.[2]

وبالنظر في ذلك، نرى أن مشكلة التمثيل الحضرمي لا ترتبط بتعدد المكونات بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بقدرتها على إنتاج موقف سياسي مشترك وتحويله إلى حضور مؤثر في العملية السياسية. وقد برزت هذه المسألة بوضوح عند النظر إلى تجربة مجلس حضرموت الوطني، الذي حظي منذ تأسيسه في عام 2023 بإسناد سعودي واحتفاء حضرمي بتشكيله، لكنه لم يتحول، حتى الآن، إلى مرجعية سياسية جامعة تحظى بتوافق مختلف القوى الحضرمية. وفي هذا السياق، يطرح ظهور المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، الذي أُنشئ بقرار من محافظ محافظة حضرموت في 2يوليو 2026، سؤالًا يتجاوز مسألة اتساع المشاركة فيه إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه وهو: إلى أي مدى يستطيع المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى تحويل اتساع التمثيل إلى شرعية تمثيلية وقدرة تفاوضية مؤثرة في ترتيبات التسوية السياسية المقبلة؟

أولًا: لماذا برز المجلس في هذه اللحظة؟

لا يمكن قراءة تأسيس المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى في هذه الفترة بمعزل عن الأزمة السياسية والأمنية التي شهدتها حضرموت خلال ديسمبر2025، والتي بلغت ذروتها في أواخر الشهر. فقد نشأ الصراع بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية في حضرموت والمهرة، وانعكس داخل المحافظة في صورة انقسام سياسي وأمني بين القوى الموجودة في الساحل والوادي والصحراء، إذ أيدت بعض الأطراف تحركات المجلس الانتقالي، فيما عارضت أطراف أخرى ما اعتبرته تحركات أحادية جرت خارج إطار الحكومة الشرعية والتوافق المحلي.

وبدأ التحول الميداني بسيطرة القوات التابعة للمجلس الانتقالي على سيئون ومقار المنطقة العسكرية الأولى، قبل أن تمتد تحركاتها إلى مناطق النفط وهضبة المسيلة، ما أدى إلى صدام مع حلف قبائل حضرموت الذي رفض فرض ترتيبات عسكرية من خارج المحافظة أو السيطرة على منشآتها النفطية من دون توافق مع القوى الحضرمية. وأسهمت هذه التطورات في نقل الخلاف من تنافس بين تشكيلات عسكرية إلى قضية أوسع تتصل بإدارة الحضارم لأمن محافظتهم ومواردها.[3]

ودفعت هذه التطورات الحكومة الشرعية إلى الاستعانة بالمملكة العربية السعودية لاحتواء تحركات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، بعد أن أخفقت الجهود السياسية في دفعه إلى الانسحاب من المحافظتين. وانتقلت الرياض على إثر ذلك إلى استخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة، ففي 30 ديسمبر 2025 نُفذت ضربة جوية على ميناء المكلا استهدفت وفق الرواية السعودية شحنة من الأسلحة والمركبات العسكرية قالت الرياض إنها وصلت من الإمارات لدعم قوات المجلس الانتقالي، في حين نفت أبو ظبي أن تكون الشحنة قد تضمنت أسلحة. وقد جاءت الضربة في سياق تصاعد الخلاف السعودي–الإماراتي بشأن تحركات المجلس الانتقالي في شرق اليمن، بما جعل التدخل السعودي يتجاوز كونه استجابة لتطور ميداني داخل اليمن بما يشير إلى أن الرياض تعاملت مع تمدد المجلس في حضرموت والمهرة بوصفه تطورًا يتجاوز التوازنات اليمنية الداخلية ليمس حساباتها الأمنية والحدودية.[4]

وقد أفضت هذه المتغيرات إلى تبدل في ميزان الحركة السياسية داخل حضرموت، فعلى الرغم من عجز المجلس الانتقالي في تثبيت بقاء سيطرته على المحافظة، فإن ذلك لم يؤدي إلى تراجع حضور أنصار القضية الجنوبية أو القوى التي تتمسك بحقوق الجنوب. وفي المقابل، برزت بصورة أوضح رؤية الحكم الذاتي التي طرحها حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع بقيادة عمرو بن حبريش. وتقوم هذه الرؤية على رفض أن تكون حضرموت تابعة للمشروع الجنوبي أو للمركز اليمني من دون ضمانات، والمطالبة بأن تكون إدارة المحافظة ومواردها وقرارها السياسي بيد أبنائها، إما من خلال حكم ذاتي أو عبر ترتيبات تضمن حقوقًا عادلة في السلطة والثروة.

ووفقا لذلك، يتضح أن هذه الأزمة كشفت عن تباين واضح في حسابات الأطراف المنخرطة في المشهد الحضرمي. فيمكن قراءة حسابات الحكومة الشرعية باعتبارها أكثر تركيزًا على إبقاء المسار العسكري والسياسي منسجمًا مع هدف مواجهة الحوثيين واستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، مع إبداء قدر أكبر من الحذر تجاه القضايا الداخلية التي قد تعيد رسم بنية الدولة أو تؤثر في وحدة الإطار السياسي والأمني الذي تتحرك من خلاله، سواء عبر الدعوة إلى انفصال الجنوب أو المطالبة بحكم ذاتي لحضرموت. وفي المقابل، تنطلق المكونات الحضرمية من أولويات ترتبط بتعزيز حضورها في إدارة شؤون المحافظة، وضمان نصيبها من مواردها، وتوسيع نطاق صلاحياتها المحلية، بينما يواصل مناصري القضية الجنوبية الدفع بمشروعهم السياسي الجنوبي. ولم تقتصر هذه التباينات على المستوى المحلي فقط، إذ تداخلت معها حسابات إقليمية، في مقدمتها التنافس السعودي–الإماراتي، الذي انعكس على مواقف الأطراف ورسائلها السياسية والإعلامية وتحركاتها على الأرض بشكل متباين بين الأطراف والمكونات السياسية الحضرمية.

وفي خضم هذا التحول، صدر في 2 يوليو 2026 القرار رقم (100) لسنة 2026 عن عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، بتشكيل اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، بعضوية 36 شخصية من خلفيات سياسية واجتماعية وقبلية ودينية ومهنية متنوعة. وجاءت الخطوة في بيئة تتعدد فيها المكونات وتتباين فيها تصوراتها لمستقبل حضرموت، من الحكم الذاتي والحقوق في السلطة والثروة، إلى القضية الجنوبية وعلاقة المحافظة بالدولة اليمنية.

ويزداد أهمية هذا التشكيل مع التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في الرياض برعاية سعودية.[5] فالمهمة المعلنة للجنة لا تقف عند إنشاء إطار محلي، بل تمتد إلى بلورة رؤية حضرمية للمؤتمر وللاستحقاقات السياسية اللاحقة. وبذلك يُراد للمجلس أن يكون قناة لتجميع المواقف الحضرمية وتحويلها إلى موقف تفاوضي أكثر اتساقًا داخل الحوار، بدل دخول حضرموت إليه بأصوات متفرقة ومطالب غير منسقة. لكن هذا الدور لا يُعد نتيجة محسومة، إذ إن تعدد القوى في المحافظة يجعل المجلس نفسه جزءًا من اختبار أوسع يتعلق بشرعية التمثيل وحدودها. فنجاحه في حمل رؤية حضرموت إلى الرياض يتوقف على مدى قدرته على استيعاب المكونات القائمة، وصوغ نقاط مشتركة بينها، من دون اختزال التباينات السياسية أو إقصاء القوى التي تمتلك تصورات مغايرة. ومن ثم، فإن المجلس أمام وظيفة مزدوجة وهي: (توحيد الموقف الحضرمي داخليًا، وتأمين حضور سياسي يعكس خصوصية حضرموت في أي ترتيبات تخص القضية الجنوبية ومستقبل اليمن).

ثانيًا: من تعدد المكونات إلى اختبار وحدة الموقف

كشفت تجربة مجلس حضرموت الوطني أن إنشاء كيان سياسي، مهما حظي به من رعاية وغطاء رسمي، لا يؤدي تلقائيًا إلى إنتاج تمثيل جامع. فقد أُعلن المجلس في الرياض عام 2023 برعاية سعودية، وطرح بوصفه إطارًا قادرًا على حمل المطالب الحضرمية سياسيًا، إلا أن حضوره لم يتطور إلى مرجعية تتوافق عليها مختلف القوى المحلية. فقد نشأ المجلس في الرياض قبل اكتمال تفاهم محلي بين القوى الحضرمية، في وقت ظلت فيه قوى ذات حضور مؤثر تعمل من خلال أطر مستقلة عنه، بما حدّ من قدرته على التحول إلى إطار جامع للتعدد السياسي الحضرمي. كما أن عدم الانتقال من المطالب العامة إلى برنامج سياسي يحدد بصورة عملية قضايا الموارد، والإدارة المحلية، والتمثيل السياسي، أضعف قدرة المجلس على تحويل حضوره التنظيمي إلى تأثير فعلي في إعادة ترتيب المجال السياسي بالمحافظة. وبذلك، أصبحت تجربة مجلس حضرموت الوطني اختبارًا مهمًا للمجلس التنسيقي الأعلى حول قدرته بتحويل تعدد المكونات من حالة التنافس على التمثيل إلى مصدر لصناعة موقف مشترك بينهم جميعا.

ويبدأ هذا الاختبار من مسألة المشاركة نفسها، فالمجلس التنسيقي الأعلى لم يدخل مرحلة التأسيس في ظل إجماع كامل، إذ لم تنضم بعض المكونات، وتحفظت أخرى على آلية تشكيله ووظيفته، ومن أبرزها مؤتمر حضرموت الجامع وحلف قبائل حضرموت، في ظل اعتذار رئيسهما عمرو بن حبريش عن عضوية اللجنة التحضيرية. ولا يعني ذلك أن المجلس قد حُكم عليه مسبقًا بالفشل، لكنه يكشف عن فجوة بين اتساع الطموح المعلن للمجلس وبين حدود المشاركة الفعلية فيه. وهذه الفجوة مهمة، لأن شرعية أي إطار يدّعي تمثيل حضرموت ستظل مرتبطة بقدرته على استيعاب مراكز الثقل المختلفة، لا بعدد الأسماء التي يضمها أو تنوعها الشكلي.

كما أظهرت واقعة تعليق أحمد سعيد بن بريك عضويته أن التحدي لا يتعلق فقط بمن يدخل المجلس، بل أيضًا بكيفية إدارة العلاقة بين أعضائه. فقد ارتبط اعتراضه، وفق بيانه، بطريقة إدارة اللجنة، وتوزيع الصلاحيات، ومعايير التمثيل، وحدود دور السلطة المحلية، قبل أن يعود إلى المشاركة عقب تلقيه تعهدات من المحافظ سالم الخنبشي باستيعاب ملاحظاته وتصحيح المسار. وتكشف هذه الواقعة أن وحدة الإطار لا تعني بالضرورة وحدة الموقف، فحتى داخل الكيان الواحد يمكن أن تتجدد الخلافات إذا لم تتوافر قواعد واضحة لصنع القرار، وضمانات فعلية للشراكة، ومساحة تسمح للمكونات بالتأثير في مخرجات المجلس بدل الاكتفاء بمنحها حضورًا اسميًا.

ومن ذلك، نرى أن فاعلية المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى يمكن أن تقاس عبر مؤشرات محددة، لا عبر اتساع قاعدة التمثيل فقط، وهذه المؤشرات هي كالتالي:

  1. اتساع التمثيل: ويعني ان تعكس بنية المجلس القيادية ومؤتمره التأسيسي التوزيع الجغرافي والاجتماعي للحضارم، بما يشمل الساحل والوادي والصحراء، والقبائل، والأحزاب، والفعاليات المدنية والمهنية، والشباب والمرأة.
  2. القبول السياسي: أن تحصل الوثائق والقرارات الأساسية على تأييد معلن من المكونات ذات الثقل، مع تراجع التحفظات والانسحابات، لا أن تقتصر المشاركة على شخصيات منفردة لا تمثل أطرًا سياسية أو اجتماعية قائمة.
  3. سلامة آليات القرار: أن تكون معايير اختيار الأعضاء والمندوبين معلنة، وأن تتوافر قواعد واضحة لتوزيع الصلاحيات، واتخاذ القرار، ومعالجة الاعتراضات.
  4. وضوح المشروع السياسي: أن يصدر عن المجلس تصور محدد لمطالب حضرموت في إدارة الموارد، وصلاحيات الإدارة المحلية، والتمثيل السياسي، مع توضيح القضايا التي تم الاتفاق عليها وتلك التي بقيت محل نقاش.
  5. القدرة على إنتاج أثر سياسي وتفاوضي: أن يترجم المجلس رؤيته إلى مواقف موحدة أو مبادرات مشتركة في قضايا محلية قابلة للرصد، وأن يحافظ على هذا الدور عند حدوث خلافات أو أزمات، بدل أن يتوقف عند إصدار البيانات.

ولا تعني هذه المؤشرات أن المجلس سيمثل جميع الحضارم تمثيلًا مطلقًا، وهو معيار يصعب تحققه في مشهد تعددي، لكنها تتيح الحكم على امتلاكه شرعية تمثيلية واسعة وقدرة فعلية على حمل قضايا المحافظة. وأما بالنسبة لمؤشرات التعثر فتظهر في اتساع المقاطعة، أو غلبة التمثيل الفردي، أو بقاء الوثائق في مستوى العموميات، أو عجز المجلس عن إدارة التباين بين أعضائه، كما يظل معيار الاستقلال عن السلطة المحلية عنصرًا حاسمًا في تفسير وتحقيق هذه المؤشرات ومصداقية نتائجها.

ثالثاࣰ: المؤتمر التأسيسي بوصفه اختبارًا للشرعية

لا يمثل المؤتمر التأسيسي المنعزم انعقاده في 31 أغسطس محطة إجرائية لإعلان المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، بل لحظة تأسيس تحدد طبيعة العلاقة بين المجلس والقوى التي يفترض أن يمثلها. فاللجنة التحضيرية تكتسب شرعيتها من قرار تشكيلها، أما المجلس الدائم فلا يكتسب شرعيته التمثيلية من قرار الإنشاء وحده، وإنما من الكيفية التي يُنشأ بها، ومن مدى قبول القوى والمكونات الحضرمية لقواعده ومخرجاته. وبذلك، لا ينحصر السؤال في حجم الحضور، بل في: من يملك حق اختيار المندوبين، ومن يضع جدول الأعمال، ومن يقرر النص السياسي الذي سيخرج به المؤتمر.

وتتكون الشرعية التمثيلية هنا من مستويين متلازمين: الأول هو الشرعية التوافقية، أي قدرة المؤتمر على إنتاج اتفاق بين المكونات ذات الحضور السياسي والاجتماعي. والثاني هو الشرعية الاجتماعية، أي أن يشعر المجتمع الحضرمي بأن التشكيل لا يعيد توزيع النفوذ بين النخب وحدها، بل يعكس تنوع المحافظة ومصالحها. ولا تكفي إحدى الشرعيتين من دون الأخرى، فتوافق النخب من دون امتداد مجتمعي يترك المجلس محدود القبول، بينما لا يتحول الحضور الواسع إلى تمثيل فعلي إذا بقي القرار محتكرًا داخل دائرة ضيقة.

لذلك، يكمن الاختبار الحقيقي في البنية الإجرائية للمؤتمر والتي تبدأ من إعلان معايير اختيار المندوبين وإتاحة مراجعتها، ثم ضمان ألا يهيمن طرف أو منطقة على إدارة الجلسات وصياغة الوثائق، وصولًا إلى اعتماد قاعدة واضحة لاتخاذ القرار تسمح بالتوافق حيثما أمكن، وتحمي المكونات الرئيسية من الإقصاء حيث يتعذر ذلك. كما تكتسب الوثيقة السياسية قيمتها من طريقة إعدادها: هل تُعرض للنقاش والتعديل قبل اعتمادها، أم تُقدَّم بوصفها نصًا جاهزًا للمصادقة؟

وعليه، لن تُقاس قيمة المؤتمر باكتمال انعقاده أو بعدد المقاعد التي يوزعها، بل بقدرته على إنتاج عقد سياسي حضرمي قابل للاستمرار. فإذا خرج بقواعد تمثيل معلنة، وآلية لاتخاذ القرار وإدارة الاعتراض، ووثيقة تحدد التفويض السياسي للمجلس وحدوده، فسيضع أساسًا لشرعية تمثيلية واسعة، حتى مع بقاء اختلافات طبيعية بين القوى. أما إذا غلبت عليه الترتيبات المسبقة وغابت قابلية المراجعة، فسيظل معرضًا لأن يُنظر إليه بوصفه مراسم إشهار، لا لحظة تأسيس لمؤسسة تمثيلية.

رابعاً: البعد الإقليمي في الحسابات الحضرمية

انعكس التنافس السعودي–الإماراتي على العملية السياسية في حضرموت عبر إعادة تشكيل موازين القوة بين الفاعلين المحليين. ويشير إبراهيم جلال، في دراسة له لدى Carnegie Middle East Center، إلى أن تباين أجندتي الرياض وأبو ظبي في حضرموت أوجد تنافسًا بين شبكات النفوذ المحلية المرتبطة بهما، بما ينذر بتحويل الخلاف الإقليمي إلى انقسام داخل المحافظة.[6] وتؤكد تطورات أواخر 2025 هذا الاتجاه بصورة عملية، إذ تحولت المنافسة على النفوذ إلى مواجهة بين قوى محلية مرتبطة بالطرفين، أعقبها تغير سريع في موازين السيطرة، ويكشف ذلك أن النفوذ الإقليمي لم يعد عاملًا محيطًا بالعملية السياسية، بل أصبح مؤثرًا في توزيع القوة داخلها.

وتتمثل المعضلة السياسية هنا في انتقال التأثير الخارجي من دعم الفاعلين المحليين إلى التأثير في قدرتهم على تحديد خياراتهم ومواقعهم التفاوضية. وقد خلص تقرير لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن التباعد السعودي–الإماراتي أسهم في تعميق الانقسامات بين الفاعلين المحليين، وأن تنافس الطرفين أصبح مرتبطًا بأهداف ومصالح تتجاوز إدارة الصراع اليمني نفسه.[7] ومن ثم، فإن تعدد مراكز النفوذ الخارجية يضيف طبقة أخرى إلى تجزؤ التمثيل الحضرمي، إذ لا تتنافس المكونات فقط على المصالح المحلية، وإنما تتحرك أيضًا ضمن بيئة تتباين فيها مصادر القوة والدعم، بما يجعل إعادة بناء موقف حضرمي مشترك أكثر تعقيدًا.

وفي المقابل، يكتسب المسار التنسيقي الحالي دلالة مؤسسية مختلفة، فالمجلس أُقر بقرار من السلطة المحلية في حضرموت، بما يمنحه منشأً مؤسسيًا محليًا، غير أن ذلك لا ينفي تأثر مساره بالبيئة والحسابات الإقليمية المحيطة بالمشهد الحضرمي. ويتسق ذلك مع الموقف السعودي المعلن الداعم لمجلس القيادة الرئاسي ومؤسسات الدولة اليمنية، فقد أكدت السعودية استمرار دعمها للحكومة اليمنية ومجلس القيادة، كما دعمت مسار الحوار لمعالجة القضية الجنوبية. ولا يثبت ذلك تبني الرياض للمجلس التنسيقي تحديدًا، لكنه يضع نشأته ضمن مسار سياسي مؤسسي تتوافق معه السياسة السعودية المعلنة، في مقابل مسارات تقوم على فرض تمثيل أحادي أو إعادة تشكيل المجال السياسي من خارج مؤسسات الدولة.

وعليه، فإن أهمية المسار التنسيقي للمجلس لا تكمن في كونه طرفًا في التنافس الإقليمي، وإنما في كونه محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين القوة والتمثيل والقرار داخل حضرموت. فإذا نجح في إنتاج تمثيل أوسع ومواقف مشتركة، فقد يقلل من قابلية المجال السياسي المحلي لإعادة تشكيله مع كل تغير في موازين النفوذ الإقليمي. أما إذا أعادت المكونات داخله إنتاج الاصطفافات الخارجية ذاتها، فسيظل التنافس الإقليمي عاملًا مؤثرًا في تحديد اتجاه العملية السياسية الحضرمية، حتى مع وجود إطار تنسيقي جديد.

خامسًا: فرص التحول إلى مركز سياسي حضرمي

تبدو أمام المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى فرصة للتحول من إطار لتنسيق القوى إلى مركز سياسي قادر على التأثير، لكن هذه الفرصة ليست نتيجة تلقائية لاتساع تركيبته أو لتوقيت تأسيسه. فأهمية المجلس ستتحدد بقدرته على تحويل ما يمتلكه من وزن تمثيلي ومقومات تفاوضية إلى قدرة فعلية على صناعة القرار. وعلى الرغم من أن اتساع المشاركة يمنحه أفضلية أولية مقارنة بالأطر التي تستند إلى مكون واحد، إلا أن هذه الأفضلية قد تنقلب إلى نقطة ضعف إذا أدى تعدد المصالح إلى إبطاء القرار أو منع الوصول إلى مواقف مشتركة.

وتمنح المرحلة السياسية الراهنة المجلس نافذة للتأثير في أي ترتيبات مستقبلية تتصل باليمن والجنوب، لكن قيمة هذه النافذة مرتبطة بقدرته على التحرك قبل أن تتبلور تلك الترتيبات خارج حضرموت. فالمفاوضات لا تكافئ بالضرورة أصحاب المطالب الأكثر مشروعية، وإنما تمنح وزنًا أكبر للفاعل القادر على تحديد مطالبه، وتقديمها في صورة موقف قابل للتفاوض، والحفاظ على تفويض داخلي يسمح له بالتحدث باسم قاعدة سياسية واجتماعية واضحة. ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن في إدراج حضرموت في أي تسوية مقبلة، بل في امتلاك القدرة على التأثير في شروط إدراجها.

وتضيف الموارد الاقتصادية والبشرية والموقع الجغرافي والوزن الاجتماعي للمحافظة عناصر قوة يمكن تحويلها إلى أوراق تفاوضية، لكن ذلك يتطلب إدارة سياسية لهذه الموارد لا مجرد امتلاكها. فالمورد لا يصبح قوة تفاوضية إلا عندما يرتبط بمطلب محدد، وبجهة تفاوضية قادرة على طرحه، وبقاعدة داخلية تمنح المجلس تفويضًا باستخدامه. ولذلك، فإن قدرة المجلس على ربط المصالح الاقتصادية والاجتماعية بمشروع سياسي واضح ستكون أكثر حسمًا من حجم الموارد نفسها في تحديد وزنه المستقبلي. وبناءً على ذلك، فإن مرحلة ما بعد المؤتمر هي الاختبار الحقيقي لفرضية تحول المجلس إلى مركز سياسي وما ينبغي مراقبته ليس عدد المكونات التي حضرت المؤتمر، وإنما ما سيحدث بعدها: هل تستمر القيادة في العمل بتماسك؟ هل توجد آلية مستقرة لصنع القرار؟ هل يستطيع المجلس إنتاج مواقف موحدة في القضايا الخلافية؟ كيف ستتحدد علاقته بالسلطة المحلية؟ وهل ستلتحق به المكونات التي بقيت خارجه أم ستنشأ مراكز تمثيل موازية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان المجلس بصدد بناء مركز سياسي جديد في حضرموت، أم مجرد إضافة إطار تنسيقي إلى بنية سياسية ما زالت موزعة بين مراكز متعددة.

سادسًا: المخاطر المحتملة لفاعلية المجلس

لا تكمن المخاطرة الأساسية أمام المجلس في فشل تأسيسه، وإنما في أن يتحول اتساعه التنظيمي إلى فاعلية شكلية لا تنتج وزنًا سياسيًا مماثلًا، ووفقا لما سبق ذكره يمكننا تحديد أبرز مصادر هذا الخطر في ثلاثة عوامل:

  • تضخم التمثيل على حساب القرار: قد يؤدي تعدد المكونات وتباين مصالحها إلى إبطاء عملية صنع القرار، خصوصًا في القضايا الخلافية. وتزداد هذه المشكلة تعقيدا إذا لم تُحسم مسبقًا قواعد التوافق والتصويت وآليات تجاوز الخلاف، بحيث يصبح التمثيل الواسع مصدر تعطيل بدل أن يكون مصدر قوة.
  • اختلال توازن السلطة داخل المجلس: يظهر الخطر عندما تتركز القدرة على تحديد الأجندة أو توجيه القرارات في الرئاسة أو في طرف محدد، بما يحول المجلس من مساحة لإدارة التعدد إلى مركز قرار أحادي. كما أن اتساع نفوذ السلطة المحلية داخل آليات عمله قد يثير شكوك حول استقلالية المجلس وقدرته على التعبير عن مواقف أعضائه.
  •  غموض المشروع السياسي: لا يكفي أن يتوافق المجلس على عناوين عامة للقضية الحضرمية، إذ يحتاج إلى تحديد المصالح والأولويات والمواقف التي يمكن تحويلها إلى سياسات ومطالب تفاوضية. وغياب هذا التحديد قد يبقي المجلس في وظيفة تنسيقية، دون أن يمنحه القدرة على التأثير في ترتيبات السلطة أو التمثيل المتعلقة بحضرموت.
  • استمرار مراكز التمثيل الموازية: قد يحد بقاء مكونات حضرمية ذات ثقل سياسي واجتماعي خارج المجلس من قدرته على التحول إلى مرجعية تمثيلية واسعة، ويبقي المجال السياسي الحضرمي موزعًا بين مراكز متعددة للتمثيل. ولا يتوقف هذا الخطر على حجم المشاركة داخل المجلس، بل على قدرته على توسيع دائرة التوافق واستيعاب القوى غير المنخرطة فيه أو بناء صيغ تنسيق مستقرة معها

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لفاعلية المجلس يتمثل في قدرته على تحويل التعدد إلى قرار، والقرار إلى موقف سياسي، والموقف إلى نفوذ تفاوضي.

السيناريوهات المتوقعة:

  • السيناريو المرجح: التوافق المرن

يحافظ المجلس على تماسك مكوناته، مع إبقاء القضايا الأكثر خلافًا خارج نطاق الحسم لتجنب تفكك الإطار. وفي هذه الحالة يستمر بوصفه إطارًا تنسيقيًا ذا وزن اجتماعي وسياسي، دون أن يكتمل تحوله إلى حامل سياسي ذو شرعية تمثيلية وتفاوضية كبرى لحضرموت، ويرجع ترجيح ذلك إلى أن المؤشرات المتاحة حتى الآن تثبت القدرة على جمع المكونات أكثر مما تثبت قدرتها على إنتاج قرارات سياسية مشتركة في القضايا الخلافية.

  • سيناريو المتفائل: التبلور السياسي

ينجح المجلس في تحويل اتساع تمثيله إلى مؤسسة ذات قواعد واضحة لصنع القرار، ويخرج من المؤتمر بوثيقة سياسية محددة وقيادة تحظى بقبول المكونات، عند تحقق ذلك، تتوافر له مقومات الانتقال من إطار تنسيقي إلى مركز سياسي ذي شرعية تمثيلية.

  • سيناريو التعثر: التنافس داخل إطار المجلس

تنتقل التباينات القائمة بين المكونات إلى داخل المجلس، خصوصًا حول القيادة والتمثيل وصلاحيات صنع القرار والمشروع السياسي، ويؤدي ذلك إلى إضعاف قدرته على إنتاج مواقف مشتركة، حتى مع بقاء هيكله التنظيمي قائمًا.

وفي ضوء ذلك، يرجح بقاء المجلس ضمن صيغة التوافق المرن في المدى القصير، مع قابلية هذا التوافق للانتقال نحو أحد المسارين الآخرين تبعًا لما سيكشفه عمل المجلس بعد المؤتمر. وتبرز هنا المتغيرات الأمنية والسياسية بوصفها عوامل اختبار لهذا التماسك، فتصاعد التهديد الحوثي، مثلًا، قد يدفع المكونات إلى توحيد أولوياتها إذا اتفقت على طبيعة الخطر وأسلوب مواجهته، لكنه قد يوسع التباين إذا اختلفت حول أولوية المواجهة الأمنية، أو دور السلطة المحلية، أو موقع القضية الحضرمية ضمن الاستجابة الأوسع للصراع.

التوصيات

  1. تحويل الرؤية الحضرمية إلى وثيقة سياسية محددة تتضمن أولويات حضرموت وموقعها ومواردها الاقتصادية والبشرية في التسويات السياسية المقبلة، بدل الاكتفاء بالمبادئ العامة.
  2. إقرار قواعد واضحة للتمثيل وصناعة القرار قبل المؤتمر التأسيسي، بما يمنع تحول الخلاف على الحصص إلى أزمة شرعية للمجلس.
  3. ضمان استقلالية القرار المؤسسي للمجلس عن السلطة المحلية مع الحفاظ على التعاون معها، بحيث تكون السلطة شريكًا سياسيًا ومؤسسيًا لا بديلًا عن المجلس.
  4. إدارة التعدد باعتباره مصدر شرعية، وعدم محاولة إزالة الاختلافات السياسية من داخل المجلس، فالمطلوب هو تنظيمها لا إخفاؤها.
  5. بناء آلية دائمة للتواصل مع القوى الحضرمية غير المنخرطة أو المتحفظة، لأن استدامة المشروع ستقاس بقدرته على توسيع التوافق لا بمجرد حجم المشاركة في المؤتمر التأسيسي.
  6. ربط الموقف السياسي بالمصالح المادية للمحافظة، خصوصًا قضايا الموارد والطاقة والخدمات والأمن، حتى لا يبقى المشروع السياسي منفصلًا عن أولويات المجتمع الحضرمي.

 

 [1] "حضرموت.. دوافع وتــــداعيات التصعيد العسكري بين الانتقالي والقبائل"، مركز ابعاد للدراسات والبحوث، ديسمبر،2025     

https://abaadstudies.org/policy-analysis/topic/60176

[2] "تمثيل حضرموت سياسيا تطلع المكونات ورؤى المجتمع”، مركز مداد حضرموت للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، 2025. https://midad-had.org/?p=2131

[3] وليام كلوف ونيد والي، "التطورات العسكرية والأمنية"، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، فبراير 2026.

[4]- -Reuters, “Yemen Strike Shows Depth of Distrust between Saudi Arabia and UAE,” Reuter, December 30, 2025. https://www.reuters.com/world/middle-east/yemen-strike-shows-depth-distrus-between-saudi-arabia-uae-2025-12-30/ 

نيد والي، "التطورات السياسية والدبلوماسية "، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تقرير اليمن الفصل:2025/2026  [5]

[6]- -Ibrahim Jalal, “Saudi-Emirati Divergences Lead Hadhramawt to a Crossroad,” Carnegie Middle East Center, December 23, 2024.

[7] خالد منصر، "التنافس الاقتصادي السعودي- الإماراتي وتداعياته في اليمن"، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، فبراير 2026.

https://sanaacenter.org/ar/the-yemen-review/oct-dec-2025/26487

Read Download
Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.