Articles Regional and International Studies Program

مضيق هرمز ومستقبل الهيمنة الأمريكية: التداعيات العسكرية والاقتصادية للتصعيد مع إيران وانعكاساته على البحر الأحمر

Dr. Mohammed Fadhl
مضيق هرمز ومستقبل الهيمنة الأمريكية: التداعيات العسكرية والاقتصادية للتصعيد مع إيران وانعكاساته على البحر الأحمر

تتجاوز تداعيات التصعيد الأمريكي-الإيراني حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتمتد إلى مستقبل النظام الدولي وتوازنات القوى العالمية، وذلك في ظل الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها مضيقا هرمز وباب المندب لحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. إن تهديد حرية الملاحة عبر هذين الممرين لا يقتصر على الضغط على الاقتصادات الإقليمية فحسب، بل يمتد ليختبر قدرة الولايات المتحدة على حماية النظام الدولي القائم على حرية التجارة والملاحة، والحفاظ على مكانتها بوصفها القوة المهيمنة، في وقت يتصاعد فيه التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا.

وفي هذا السياق، يثير احتمال اتساع رقعة المواجهة مع إيران تساؤلات جوهرية بشأن كلفة الاستنزاف العسكري الأمريكي، وحدود فاعلية الردع، والتداعيات الاقتصادية العالمية الناجمة عن اضطراب الممرات البحرية الحيوية. كما يسلط الضوء على الترابط المتزايد بين أمن الخليج العربي والبحر الأحمر، وانعكاسات الصراع على اليمن والتوازنات الإقليمية. وانطلاقاً من ذلك، يتناول هذا التحليل الأبعاد العسكرية والاقتصادية للتصعيد المحتمل، ويستكشف انعكاساته على مستقبل الهيمنة الأمريكية واستقرار النظام الدولي.

  1. أمن الممرات البحرية وتحديات الهيمنة الأمريكية

يقوم النظام الدولي الليبرالي، الذي أرست دعائمه الولايات المتحدة عقب الحرب الباردة، على نظرية "الاستقرار الهيمني" (Hegemonic Stability)، والتي ترتكز على عدة مقومات أساسية، في مقدمتها التزام الولايات المتحدة بضمان حرية التجارة، وإبقاء الأسواق العالمية مفتوحة أمام تدفق السلع[1]، وصون حرية الملاحة في المياه الدولية بما يكفل انسياب التجارة العالمية، فضلاً عن تأمين قدرة القوات المسلحة الأمريكية على الانتشار السريع والوصول إلى مختلف مناطق العالم[2].

إن مساعي إيران لإغلاق مضيق هرمز، بالتوازي مع استهداف الجماعة الحوثية للملاحة العابرة لمضيق باب المندب، تهدف في جوهرها إلى تكبيل الاقتصاد العالمي عبر شل الملاحة في هذين المضيقين اللذين يُعدان من أبرز الممرات البحرية الاستراتيجية (Maritime Chokepoints) في النظام العالمي[3].

وبناءً عليه، فإن عرقلة تدفق النفط عبر هذين الممرين تخلق ضغوطاً هيكلية حادة على الاقتصاد العالمي، بما يهدد الركائز التي أقامت عليها الولايات المتحدة النظام الدولي الليبرالي. وفي واقع الأمر، فإن زعزعة هذه القواعد وتحديها يضعفان الصورة الذهنية للقوة الأمريكية لدى الدول، ويهددان موقع الولايات المتحدة بصفتها قوة هيمنة عالمية؛ إذ إن اكتساب صفة القوة الكبرى يتطلب أن يدرك الفاعلون الدوليون هذه المكانة ويتصرفوا بناءً عليها، فالقوى الكبرى هي تلك التي يتوقع المجتمع الدولي منها السلوك وفق مقتضيات القوة الكبرى[4].

تدرك الإدارة الأمريكية، إلى جانب النخب السياسية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، أن تقاعس الولايات المتحدة عن اتخاذ إجراءات حاسمة لحماية حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب من شأنه أن يقوض أركان النظام العالمي الذي شيدته، ويحفز منافِسيها الاستراتيجيين—تحديداً الصين وروسيا—على اتخاذ خطوات أكثر جسارة لتحدي الهيمنة الأمريكية في المستقبل، فضلاً عن إضعاف ثقة الشركاء بالنظام الدولي القائم على القواعد[5]. وبعبارة أخرى، فإن استجابة رد الفعل الأمريكي تجاه قضية حماية الملاحة البحرية ستلعب دوراً محدداً في رسم ملامح النظام العالمي المستقبلي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يُعد سيناريو تنفيذ الولايات المتحدة لضربة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران—تتجاوز في نطاقها الضربات السابقة—احتمالاً راجحاً، سيما مع توفر مؤشرات ترجح انخراط عدد من القوى الدولية والإقليمية في هذه العملية؛ حيث أحبطت المملكة المتحدة مؤخراً محاولة لتفجير قاعدة سلاح الجو الملكي في فيرفورد (RAF Fairford)[6]، في حين تواجه المملكة العربية السعودية هجمات مكثفة من قبل وكلاء إيران في اليمن (الجماعة الحوثية)، مما قد يدفع هذه الأطراف إلى المشاركة بصورة أوسع في أي عمل عسكري مقبل ضد إيران.

  1. كلفة الاستنزاف العسكري الأمريكي وتحديات الردع

تدرك إيران محددات ميزان القوى التي تمنعها من خوض مواجهة تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة، نظراً لما تؤول إليه مثل هذه المواجهات من خسائر استراتيجية حتمية لطهران. وبناءً على ذلك، اعتمدت إيران استراتيجية "الحرب غير المتناظرة" (Asymmetric Warfare) عبر عرقلة حرية الملاحة في مضيق هرمز باستخدام الصواريخ، والألغام البحرية، والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة لاستهداف السفن العابرة. بالتوازي مع ذلك، وُظفت الشبكات الإقليمية الموالية لها لتنفيذ عمليات متعددة تستهدف إرباك الاستقرار الإقليمي.

وعقب انحسار القدرات الميدانية لحزب الله، برزت الجماعة الحوثية بصفتها الذراع الرئيسية لإيران في المنطقة، حيث اتجهت طهران إلى توظيفها لعرقلة الملاحة في البحر الأحمر[7]. وفي الواقع العملي، نجح هذا النمط من الحروب غير المتناظرة في استنزاف قدر ملموس من القدرات العسكرية الأمريكية، لا سيما تلك المخصصة لمسرح عمليات منطقة المحيطين الهندي والهادئ (Indo-Pacific)، والموجهة أساساً لكبح النفوذ الصيني.

وفيما يتصل بالاستنزاف العسكري، تشير المؤشرات الاستراتيجية إلى أن الانخراط الأمريكي المستمر في العمليات العسكرية بمحيط مضيق هرمز جاء على حساب الجاهزية القتالية لمواجهة أي تصعيد صيني محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتتجلى أبرز هذه المؤشرات في إعادة توجيه جزء رئيسي من الأسطول الحربي الأمريكي نحو مضيق هرمز، بما في ذلك قطع بحرية كانت تتمركز سابقاً في مسرح المحيطين الهندي والهادئ[8].

ففي مطلع شهر يناير 2026، أعادت الولايات المتحدة نشر مجموعة من سفنها الحربية من مسرح المحيطين الهندي والهادئ إلى منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، وفي مقدمتها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (USS Abraham Lincoln) ومجموعتها الضاربة التي تضم المدمرتين «سبروانس» (USS Spruance) و«مايكل ميرفي» (USS Michael Murphy) والمدمرة «فرانك إي بيترسن جونيور» (USS Frank E. Petersen Jr.). وفي المقابل، أبقت القيادة الأمريكية على حاملة طائرات واحدة في مسرح المحيطين الهندي والهادئ، هي حاملة الطائرات «جورج واشنطن» (USS George Washington)[9].

ومع حلول شهر أغسطس 2026، حركت الولايات المتحدة حاملة الطائرات «جورج واشنطن» ومجموعتها الضاربة بعيداً عن المنطقة، مما ترك مسرح العمليات في بحري الصين الشرقي والجنوبي دون تغطية من أي حاملة طائرات؛ وهي الحالة المعروفة في الأدبيات والدراسات العسكرية بـ "فجوة حاملات الطائرات" (Carrier Gap).

وعلى الرغم من الطبيعة المؤقتة لهذه الفجوة التشغيلية، إلا أنها تثير قلق حلفاء واشنطن في المنطقة—وفي مقدمتهم اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان—وتعزز الموقف العسكري للصين، كما تظهر الولايات المتحدة بمظهر القوة المشتتة العاجزة عن الوفاء الكامل بالتزاماتها الاستراتيجية في إطار سياسة "إعادة التوازن نحو آسيا" (Pivot to Asia) التي انتهجتها منذ عام 2011 لمنع الهيمنة الصينية الإقليمية.

وإلى جانب "فجوة حاملات الطائرات"، واجهت القوات البحرية الأمريكية ضغوطاً تشغيلية متزايدة أدت إلى إجهاد الأصول البحرية المنتشرة في المنطقة؛ إذ واجهت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» (USS Gerald R. Ford) تحديات صيانة معقدة، فضلاً عن المشكلات اللوجستية التي واجهتها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» والمتمثلة في سلاسل الإمداد للذخائر والمؤن، إلى جانب الإجهاد البشري للبحارة جراء الانتشار الممتد لأكثر من 260 يوماً متواصلة في البحر، وهو ما أثر سلباً على الجاهزية القتالية لأطقم السفن[10].

وإلى جانب قلق الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، تبرز الصين كأحد أبرز الأطراف المعنية والمتضررة بشكل مباشر من أزمات الملاحة الخليجية؛ نظراً لاعتماد الاقتصاد الصيني بصورة رئيسية على واردات النفط القادمة عبر مضيق هرمز لتلبية احتياجاتها الصناعية. ورغم هذا التهديد الوجودي لأمنها الطاقوي، تتبنى بكين مقاربة دبلوماسية حذرة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية، مع الاكتفاء بالضغط الدبلوماسي والدعوة لضبط النفس. ومع ذلك، فإن تفاقم أزمة الملاحة قد يدفع الصين تدريجياً نحو إعادة تقييم دورها الإقليمي، سواء عبر تعزيز حضورها البحري تحت غطاء حماية خطوط التجارة، أو ممارسة ضغوط مكثفة على طهران لاحتواء التصعيد بما لا يضر بالمصالح الاقتصادية الصينية الآسيوية.

وقد انعكست حالة التذبذب وإعادة التموضع هذه على ثقة الحلفاء؛ حيث صرّح وزير الدفاع الياباني السابق بأن تحريك القوات البحرية الأمريكية وتغيير أماكن تمركزها الاستراتيجي يسهمان في توسيع نطاق النفوذ الصيني، ويحدثان خللاً في ميزان القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مما يرفع احتمالات التوتر العسكري الذي قد يعطل الملاحة البحرية هناك[11].

ولم تتوقف التداعيات عند الحدود التشغيلية للأصول البحرية، بل امتدت لتشمل المخزونات الاستراتيجية من الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة. ففي جانب الصواريخ الاعتراضية، أشارت تقديرات غير رسمية إلى استهلاك نسبة كبرى من المخزون الأمريكي، بالتوازي مع تضرر بعض المنظومات الرادارية عالية التقنية المخصصة للتوجيه، مع الإشارة إلى أن الدورة الإنتاجية لإعادة تصنيع هذه الصواريخ والرادارات تتطلب مدى زمنياً يتراوح بين ثلاث إلى أربع سنوات[12].

كما اضطرت واشنطن إلى إعادة سحب بعض بطاريات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية المتمركزة في كوريا الجنوبية لتغطية المتطلبات المتزايدة للردع ضد الصواريخ الإيرانية، مما ولد مخاوف لدى سيول وبقية الحلفاء بشأن قدرة الولايات المتحدة على صون توازن الردع الإقليمي[13].

أما على صعيد الذخائر الدقيقة الموجهة بعيدة المدى، فقد أدى الاستهلاك المكثف في الاستهداف إلى تقليص المخزون المتاح، الأمر الذي يحد من قدرة القوات الأمريكية على تنفيذ عمليات موسعة بعيدة المدى في حال نشوب صراع مستقبلي في المحيطين الهندي والهادئ. وتلافياً للنفاد الحاد، لجأت الإدارة الأمريكية إلى تأجيل تسليم شحنات من الصواريخ التعاقدية لحلفائها، ومن ذلك تأجيل تسليم نحو 400 صاروخ دقيق لليابان كان من المقرر بدء توريدها اعتباراً من عام 2026[14].

وتأسساً على ما تقدم، وبصرف النظر عن الدقة الرقمية التفصيلية لحجم المخزونات، فإن مجرد تشكل انطباع استراتيجي لدى الصين ودول المنطقة بأن القدرات الأمريكية قد تعرضت للاستنزاف في مواجهات مضيق هرمز يُعد كافياً لإحداث اختلال في معادلة الردع؛ إذ إن الردع في جوهره مفهوم نفسي وإدراكي بقدر ما هو مادي.

غير أن هذه التداعيات يمكن احتواؤها وإعادة ترميمها في حال نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية حاسمة تعتمد فيها أدوات تكنولوجية متطورة واستراتيجيات حازمة—على نحو يعيد أثر العمليات الخاطفة حاسمة النتيجة—بما يوصل رسالة استراتيجية للفاعلين الدوليين مفادها أن واشنطن لا تزال تمتلك القدرة التشغيلية والدفاعية لحماية موقعها القيادي في النظام الدولي.

  1. التداعيات الاقتصادية العالمية واضطراب سلاسل الإمداد

تتحمل الولايات المتحدة، بصفتها القوة القيادية في النظام الدولي، مسؤولية حماية الاستقرار الاقتصادي العالمي؛ إذ تُعرف القوى الكبرى بمدى قدرتها على تسخير المقدرات المادية واللوجستية لحفظ توازن الاقتصاد الدولي وتأمين خطوط الملاحة. وإن نكوص القوة المهيمنة عن أداء دورها في ضمان الاستقرار المالي وحرية الملاحة البحرية يؤدي بالضرورة إلى انكماش إنتاج "المنافع العامة العالمية" (Global Public Goods)، مما يُدخل الاقتصاد الدولي في موجات حادة من الركود. وفي هذا السياق، تغدو القوة المهيمنة عرضة للسقوط فيما يُعرف بشرك "فخ كيندلبرغر" (Kindleberger Trap)، وهي الحالة الاستراتيجية التي تنكفئ فيها القوة العظمى عن تحمل تكاليف القيادة وتأمين النظم العابرة للحدود، مما يسرّع من تآكل شرعيتها ومكانتها الدولية، وهو عين ما تسعى طهران إلى استثماره[15].

تستند الاستراتيجية الإيرانية إلى الموقع الجغرافي الحاكم لمضيق هرمز كشريان حيوي تتشابك فيه تدفقات سلاسل التوريد العالمية، لا سيما الإمدادات المتعلقة بمنتجات الطاقة والأسمدة الزراعية. وتفيد التقديرات التحليلية في هذا الصدد بأن التعطيل المباشر لحركة الملاحة عبر المضيق يهدد بشل ما يقارب ربع الاحتياجات النفطية العالمية، ونحو 35% من التدفقات البحرية لمادة اليوريا، وزهاء 25% من إمدادات الأمونيا، فضلاً عن 20% من الأسمدة الفوسفاتية، و45% من الصادرات العالمية للكبريت الخام[16]. إن اختناق هذه التدفقات يلقي بظلاله المباشرة على سلاسل إمداد القطاع الزراعي، مما يرفع تكاليف الإنتاج الغذائي وينذر بنشوء أزمة أمن غذائي عالمية ممتدة الأثر.

ولا تتوقف ارتدادات إغلاق مضيق هرمز عند المنتجات الزراعية، بل تمتد لتضرب سلاسل توريد المواد الخام الاستراتيجية المستخدمة في معالجة المعادن الحيوية والنادرة، والتي تشكل العصب الأساسي لصناعة بطاريات الليثيوم والتقنيات المتقدمة. ويظهر ذلك جلياً في الأهمية المحورية للمضيق في تجارة الكبريت الخام المنقول بحراً؛ إذ يُعد الكبريت المدخل الأساسي لإنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في استخلاص ومعالجة معادن حيوية مثل النحاس والليثيوم والكوبالت والنيكل[17]. وعليه، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة يرفع أسعار الكبريت، مما يتسبب في قفزات السعر النهائية للمعادن المعالجة في المراكز الصناعية الرئيسية كالصين، وينعكس مستقبلاً على تكلفة السلع التكنولوجية النهائية.

امتداداً للتأثيرات القطاعية، يتأثر قطاع أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية باضطراب سلاسل توريد غاز الهيليوم الذي تُعد دولة قطر أحد كبار منتجيه ومصدريه عبر المضيق. ونظراً للاعتماد الحثيث للصناعات التقنية في تايوان والصين على هذا الغاز النادر في عمليات المعالجة الدقيقة، فإن التعقيدات اللوجستية المرتبطة بتخزينه ونقله تجعل هذه الصناعة شديدة الحساسية لأي اختلال في الملاحة البحرية؛ حيث تُشير التقديرات إلى تصاعد أسعار الهيليوم بنسبة 100% مع تقليص المعروض التجاري[18]، مما يهدد برفع تكاليف إنتاج الشريحة الإلكترونية وعرقلة خطوط التجميع في المحيطين الهندي والهادئ.

وفي السياق ذاته، يلقي إغلاق المضيق بظلاله على الصناعات البتروكيماوية، وتحديداً خامات البولي إيثيلين التي تمثل الركيزة الأساسية لصناعة البلاستيك. وتؤكد البيانات التحليلية أن الشرق الأوسط يصدر نحو 43% من الإمدادات العالمية للبولي إيثيلين[19]، يمر قرابة 84% منها عبر مضيق هرمز (ما يعادل 36% من الصادرات العالمية الإجمالية)[20]. وقد أدت الانقطاعات الراهنة إلى ارتفاع أسعار البولي إيثيلين بنسبة 37%[21]، مما اضطر المجمعات البتروكيماوية في الصين والهند وماليزيا واليابان إلى تقليص طاقتها التشغيلية لخفض الخسائر الناجمة عن ارتفاع تكاليف المدخلات[22].

وعلى الرغم من الخسائر الجسيمة التي يفرضها إغلاق مضيق هرمز على تجارة الطاقة، فإن تداعيات الصدمة تظل محكومة جزئياً بمدى فاعلية مسارات الالتفاف الاستراتيجي التي تمتلكها بعض دول الخليج العربي. فعلى صعيد الصادرات النفطية، تعتمد المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على خطوط أنابيب بديلة تتجاوز مياه الخليج ومضيق هرمز؛ إذ يربط "خط أنابيب النفط الخام شرق-غرب" (بترولاين) حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر في السعودية،[23] بينما ينقل خط "حبشان-الفجيرة" النفط الإماراتي مباشرة إلى خارج المضيق لتصديره عبر بحر عمان. ورغم قدرة هذه الخطوط على امتصاص جزء من الصدمة وتخفيف حدة انقطاع الإمدادات، إلا أن طاقتها الاستيعابية تظل عاجزة عن تعويض الحجم الكلي للتجارة البحرية المارة عبر المضيق، مما يُبقي الخطر الهيكلي قائماً على أسواق الطاقة العالمية.

تأسساً على ما سبق، فإن تضافر عوامل نقص الطاقة، وشح المواد الخام الاستراتيجية، وارتفاع تكاليف الشحن البحري، يدفع الاقتصادات المصنعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ نحو مرحلة من "الركود التضخمي" (Stagflation)، حيث تتزامن الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار المدخلات مع انخفاض الطلب العالمي على الصادرات. ويكشف هذا الواقع أن إيران تخوض حرباً غير متناظرة ذات كلفة منخفضة، تحول من خلالها التهديد البحري إلى أداة تفاوضية عالية التأثير لفرض شروطها الجيوسياسية على واشنطن والقوى الإقليمية.

ختاماً، ورغم الأعباء الاقتصادية المباشرة التي قد تنجم عن شن مواجهة عسكرية موسعة ضد إيران، فإن القبول باستدامة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يفرض تكاليف هيكلية أشد خطورة على الاقتصاد العالمي في المدى البعيد. ومن ثم، تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها أن إعادة فتح الممرات المائية وصون حرية التجارة تشكل ضرورة استراتيجية لحماية استقرار الأسواق؛ إذ إن تخصيص الدول لنسب أكبر من مواردها لتغطية فاتورة الطاقة المرتفعة يقلص بالضرورة الإنفاق على القطاعات الإنتاجية الأخرى، مما يحول الأزمات الإقليمية إلى انكماش استهلاكي واستثماري عابر للحدود.

 

خاتمة

لا يُختزل التصعيد المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران في إطار المواجهة العسكرية الثنائية، بل يمتد ليشمل اختباراً هيكلياً لقدرة النظام الدولي على صون حرية الملاحة وضمان استقرار الاقتصاد العالمي؛ فمضيقا هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين بحريين ذوي أبعاد جغرافية إقليمية فحسب، بل يمثلان عقدتين استراتيجيتين حرجتين (Strategic Chokepoints) تتقاطع عندهما المصالح الحيوية للقوى العظمى والفاعلين الإقليميين.

وتكشف المعطيات التحليلية عن ترابط عضوي وثيق بين أمن الخليج العربي وأمن البحر الأحمر، وبين التوازنات العسكرية الإقليمية في الشرق الأوسط ومسرح التنافس الاستراتيجي الكلي بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (Indo-Pacific). كما تبرز الدراسة أن توظيف الممرات البحرية أدواتِ ضغط استراتيجي يفرز ارتدادات بالغة السوء تتجاوز حدود الأطراف المباشرة في الصراع، لتضرب في عمق أسواق الطاقة، والأمن الغذائي، والصناعات التكنولوجية المتقدمة، فضلاً عن سلاسل التوريد العالمية.

وتأسساً على ذلك، فإن مآلات المواجهة الأمريكية-الإيرانية سترتهن لمدى قدرة الأطراف المعنية على إدارة التوازن الدقيق بين متطلبات الردع العسكري وتكلفة التصعيد الشامل، وبين حماية المصالح الاستراتيجية العليا وتجنب الانزلاق نحو أتون نزاع إقليمي ممتد الأثر. وفي كافة الأحوال، ستظل حرية الملاحة واستقرار الممرات البحرية الاستراتيجية المتغير الحاكم والبوصلة الأساسية في رسم ملامح التوازنات الإقليمية والدولية على المدى المنظور.

 

[1] Timothy Hopper, "America's 2025 National Security Strategy Is Dismantling Its Own Hegemonic Order," Foreign Policy in Focus, December 11, 2025, accessed October 26, 2026, https://fpif.org/americas-2025-national-security-strategy-is-dismantling-its-own-hegemonic-order/

[2] Amitai Etzioni, " Freedom of Navigation Assertions: The United States as the World’s Policeman," Armed Forces & Society 42, no.3 ( 2016) : 7. 

[3] Mohamad Ali Harisi and Nada AlTaher, "Houthis Seek Hezbollah-Like Role with Plan to Escalate Yemen Conflict in Support of Iran," The National, August 10, 2026, accessed October 26, 2026, https://shorturl.at/cHaLX

[4] Vesna Danilovic, When the Stakes Are High Deterrence and Conflict among Major Powers (USA: The University of Michigan Press, 2005), 228.

[5] Robert A. Pape, "Iran and the New Rules of Global Power," Foreign Affairs, July 24, 2026, accessed October 26, 2026, https://www.foreignaffairs.com/united-states/iran-and-new-rules-global-power-pape

[6] Sylvia Hui, "2 Men Rearrested in UK on Suspicion of Assisting Iran over Suspected Plot at a US-Run Air Base," Associated Press, October 20, 2026, accessed October 26, 2026, https://apnews.com/article/uk-arrests-iran-fairford-air-base-plot-108fde8770c87c7fab328e71940c3dfe

[7] Mohamad Ali Harisi and Nada AlTaher, "Houthis Seek Hezbollah-Like Role with Plan to Escalate Yemen Conflict in Support of Iran," The National, August 10, 2026, accessed October 26, 2026, https://shorturl.at/cHaLX

[8] Mina Pollmann, "The Iran-Israel-US War Is Reconfiguring US Force Posture in the Indo-Pacific," The Diplomat, March 14, 2026, accessed October 26, 2026, https://thediplomat.com/2026/03/the-iran-israel-us-war-is-reconfiguring-us-force-posture-in-the-indo-pacific

[9] Caitlyn Burchett, "Abraham Lincoln Carrier Strike Group Now in U.S. Central Command," USNI News, January 26, 2026, accessed October 26, 2026, https://news.usni.org/2026/01/26/abraham-lincoln-carrier-strike-group-now-in-u-s-central-command

[10] Connor Greene, "What to Know About the Growing Concerns Over Conditions on the Long-Deployed USS Abraham Lincoln," TIME, October 26, 2026, accessed August 7, 2026, https://time.com/article/2026/08/14/uss-abraham-lincoln-conditions-trump-iran-war

[11] Sakura Murakami and Takashi Umekawa, "US Focus on Iran May Impact Asia, Japan's Ex-Defense Chief Says," Bloomberg, October 26, 2026, accessed August 15, 2026, https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-18/us-focus-on-iran-may-impact-asia-japan-s-ex-defense-chief-says

[12] Seth G. Jones, "Is the United States Prepared for a War with China?" Center for Strategic and International Studies (CSIS), May 12, 2026, accessed October 26, 2026, https://www.csis.org/analysis/united-states-prepared-war-china

[13] Hal Brands, "U.S. Power Is Wrung Out," Foreign Policy, October 26, 2026, accessed August 7, 2026, https://foreignpolicy.com/2026/06/09/iran-war-trump-china-united-states-military-defense-weapons-geopolitics-strategy-taiwan/

[14] Chikako Kawakatsu Ueki, "China and CRINK: Implications for Japan and the United States," Center for Strategic and International Studies (CSIS), July 21, 2026, accessed October 26, 2026, https://www.csis.org/analysis/china-and-crink-implications-japan-and-united-states

[15] Joseph S. Nye, Jr., "The Kindleberger Trap," Project Syndicate, January 9, 2017, accessed August 26, 2026, https://www.project-syndicate.org/commentary/trump-china-kindleberger-trap-by-joseph-s--nye-2017-01

[16] "A Narrow Strait, Global Consequences: Hormuz Strait and Fertilizer Markets," Food Security Portal, April 23, 2026, accessed August 7, 2026, https://www.foodsecurityportal.org/node/3852

[17] "Global Critical Minerals Outlook 2026: Executive Summary," International Energy Agency (IEA), July 16, 2026, accessed August 9, 2026, https://www.iea.org/reports/global-critical-minerals-outlook-2026/executive-summary

[18] Eduardo Baptista, "Helium Shortage Has Started Impacting Tech Supply Chains, Execs Say," Reuters, March 26, 2026, accessed August 16, 2026, https://www.reuters.com/world/asia-pacific/helium-shortage-has-started-impacting-tech-supply-chains-execs-say-2026-03-26/

[19] "How to Pivot Resin and Material Sourcing during the Strait of Hormuz Crisis," Trademo, accessed August 16, 2026, https://www.trademo.com/blog/how-to-pivot-resin-and-material-sourcing-during-the-strait-of-hormuz-crisis

[20] Joseph Chang, "Strait of Hormuz Closure Affects Chemicals and Plastics Exports," IOM3, March 4, 2026, accessed August 7, 2026, https://www.iom3.org/resource/strait-of-hormuz-closure-affects-chemicals-and-plastics-exports.html

[21] Pooja Menon and Pranav Mathur, "Iran War Chokes Petrochemical Supply, Sends Plastic Prices Soaring," Reuters, March 26, 2026, accessed August 17, 2026, https://www.reuters.com/business/energy/iran-war-chokes-petrochemical-supply-sends-plastic-prices-soaring-2026-03-26/

[22] Ruth Chai, "Asian Refineries, Petchem Firms Cut Runs as Iran War Disrupts Supplies," Reuters, March 5, 2026, accessed August 17, 2026, https://www.reuters.com/business/energy/asia-refineries-cut-runs-middle-east-oil-disruption-2026-03-16

[23] Ahmad Ghaddar, Jonathan Saul, and Nerijus Adomaitis, "Crude Exports from Saudi's Yanbu Port Surged to Near 4 Million Bpd Last Week, Data Shows," Reuters, March 24, 2026, accessed August 26, 2026, https://www.reuters.com/business/energy/crude-exports-saudis-yanbu-port-surged-near-4-mln-bpd-last-week-data-shows-2026-03-24

 

Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.