Articles

كيف يمكن إفشال التصعيد الحوثي ضد الشرعية والرياض والملاحة الدولية؟

Dr. Ali Al-Assad
كيف يمكن إفشال التصعيد الحوثي ضد الشرعية والرياض والملاحة الدولية؟

يبدو التصعيد الحوثي في اليمن، سواء تجاه الحكومة الشرعية أو المملكة العربية السعودية أو الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، للوهلة الأولى وكأنه مجموعة من الملفات المنفصلة التي تبدأ بهجوم مباغت يعقبه رد عسكري أو سياسي لتتجدد بعدها دورة الصراع بلا نهاية واضحة، غير أن قراءة المشهد بهذه الطريقة تظل مضللة وخادعة؛ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في كل هجوم على حدة، وإنما في قدرة الجماعة على تحويل أدوات محدودة إلى تأثير سياسي وأمني يفوق بكثير حجمها الفعلي. ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل في اعتراض كل صاروخ أو إسقاط كل طائرة مسيّرة أو حماية كل سفينة فحسب، وإنما في إفساد المنظومة الكلية التي تمنح هذه الأدوات قدرتها على إنتاج التأثير والتصعيد، فالمسألة في جوهرها ليست مسألة أدوات صماء، بل مسألة قدرة جيدة على توظيف تلك الأدوات ضمن استراتيجية متكاملة الأركان تستحضر رؤية كلاوزفيتز في الوصول إلى "مركز الثقل" واستراتيجية سن تزو في إفساد خطط الخصم وإرباك قدرته على استخدام قوته بفاعلية، وهو ما يحتم علينا التساؤل المباشر عن كيفية جعل هذا التصعيد عاجزاً عن تحقيق أهدافه حتى لو استمرت التهديدات بلا انقطاع.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال حصر الأزمة في الصاروخ الباليستي أو الطائرة المسيّرة أو الزورق المفخخ باعتبارها أصل الداء، فهذه الأشياء ليست سوى أدوات وواجهات ظاهرية تقف خلفها منظومة شديدة التعقيد تضم قيادة مركزية تصدر القرار، وأجهزة أمنية وعسكرية تنفذه وشبكات استخبارات تجمع المعلومات وموارد مالية تمول النشاط المحظور، ومؤسسات توفر الأغطية السياسية والأيديولوجية، وشبكات محلية تساعد على فرض السيطرة بالقوة، فضلًا عن دعم خارجي يعزز القدرات التقنية والعسكرية. وإذا كان الهدف الاستراتيجي هو إفشال التصعيد من جذوره، فلا تقف المعالجة عند حدود اعتراض الصواريخ أو تدمير منصات الإطلاق وحدها؛ فهذه الإجراءات على أهميتها وضرورتها تظل إدارة لأعراض المشكلة لا علاجاً لجذورها، بينما تتطلب المواجهة الحقيقية التأثير المباشر في المنظومة التي تحول القرار الحوثي إلى فعل ميداني وتحول الموارد إلى قوة مادية، والقوة إلى نفوذ سياسي، والنفوذ إلى قدرة مطلقة على فرض الإرادة.

مركز الثقل الحوثي.. منظومة القيادة والسيطرة

ويتمثل مركز الثقل الحقيقي في هذه المنظومة المتشابكة في شبكة القيادة والسيطرة المركزية التي تديرها قيادة الجماعة، والتي تربط عناصر القوة بعضها ببعض بحيث تصدر القيادة القرار وتنفذه الأجهزة ويفرضه المشرفون محلياً وتحميه القوة العسكرية بينما تمنحه السردية الأيديولوجية الغطاء اللازم لتعبئة الأنصار. وطالما ظل هذا الترابط الهيكلي قائمًا، سيظل الحوثيون قادرين على امتصاص الخسائر العسكرية وإعادة بناء قدراتهم باستمرار، أما إذا بدأ هذا الترابط في التفكك، فإن خسارة أي موقع أو صاروخ لن تعود مجرد خسارة تكتيكية عابرة، بل ستتحول إلى أزمة وجودية تمس قدرة الجماعة برمتها على إعادة إنتاج القوة، الأمر الذي يؤكد عبثية ملاحقة كل عنصر من عناصر القوة بصورة منفصلة، ويوجب تركيز الجهد الاستراتيجي على الحلقة المركزية التي تمنح تلك العناصر قدرتها على العمل ضمن منظومة واحدة متماسكة.

ومن الأخطاء القاتلة في التخطيط الاستراتيجي الانجرار خلف تكتيكات الخصم والتعامل مع كل أداة يستخدمها باعتبارها أصل المشكلة، فإذا استخدم الصواريخ انصب التركيز كله على الدفاع الجوي، وإذا استخدم المسيّرات توجت الجهود لملاحقتها، وإذا هدد الملاحة انحصر الاهتمام في حراسة السفن، وإذا استهدف الرياض توجت التحصينات نحو الحدود، وهي إجراءات دفاعية ضرورية لكنها تقود إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة ما دامت منفصلة عن هجوم استراتيجي شامل يستهدف منبت القدرة لا مظهرها. ولهذا يتعين العمل على مستويين متزامنين؛ بناء دفاع صلب يحرم الحوثيين من تحقيق أي مكاسب سريعة ويحمي الشرعية والمملكة والملاحة، وهجوم استراتيجي ذكي يستهدف تجريدهم من القدرة على إنتاج التصعيد من الأساس، لكي تصبح كل عملية تصعيد أكثر كلفة على الجماعة وأقل قدرة على تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية والاقتصادية على حد سواء.

استعادة المبادرة.. من رد الفعل إلى إفشال استراتيجية التصعيد

وتدور المعركة الحقيقية في جوهرها حول انتزاع المبادرة وكسر الإيقاع الذي تحاول مليشيا الحوثيين الإرهابية فرضه عبر إجبار الأطراف الأخرى على التحرك دائماً وفق ردود أفعال يحددون هم توقيتها ومكانها، فالمكسب الحقيقي للهجوم الحوثي غالباً ما يكمن في دفع الشرعية والرياض والمجتمع الدولي إلى سلسلة من التحركات الانفعالية التي تخدم أجندتهم بغض النظر عن الأثر العسكري المباشر. ومن هنا تبدأ المواجهة الناجحة برفض الانقياد لتلك الشروط، بحيث لا يتحول أمن البحر الأحمر إلى مجرد حماية بحرية معزولة بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجذور الأزمة اليمنية الشاملة، ولا يصبح أمن المملكة رهينة لكل تهديد جديد بل يندرج ضمن معادلة إقليمية كبرى تفرض ضغوطاً متزايدة على مصدر التهديد، ولا تظل الحكومة الشرعية في موقع المتلقي بل تتحول إلى مركز سياسي وطني فاعل يقود المعركة بكل اقتدار من أجل استعادة الدولة والسيادة والمؤسسات.

ولا يمكن إنجاز هذا التحول الاستراتيجي المعقد في ظل استمرار ضعف الدولة الشرعية، لأن هشاشة المؤسسات توفر للحوثيين أكبر مزاياهم في الظهور كطرف محلي أكثر تنظيماً، مما يجعل دعم الشرعية وتقوية مؤسساتها وبنيتها العسكرية والسياسية والاقتصادية جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية إسقاط المشروع الحوثي وليست مجرد مساعدة سياسية عابرة، فكلما تماسك قرار الدولة وانتظمت مواردها وانضبط خطابها الوطني، تراجعت مبررات وجود الميليشيات وانهارت قدرتها على الهيمنة، لتصبح تقوية الدولة هي الأداة الأكيدة لحسم المعركة.

وبالتوازي مع ذلك، تواجه المملكة العربية السعودية تحدياً مصيرياً يتمثل في فرض معادلة ردع حاسمة تمنع الحوثيين من الاعتقاد بأن التصعيد قد يؤدي إلى مكاسب سياسية أو شروط تفاوضية أفضل، وهو ردع لا يقف عند حدود الرد العسكري المماثل بل يمتد ليقنع الخصم بأن استخدام القوة لن يوسع شرعيته ولن يحسن موقعه، مما يجعل إفشال التصعيد سياسياً أهم بكثير من إفشاله عسكرياً عبر تجريده من قيمته التفاوضية والسياسية المستدامة.

ولا تقل الساحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب خطورة عما سبق، إذ تمنح الجغرافيا جماعة انقلابية محلية فرصة مضاعفة تأثيرها وتحويل أزمة داخلية إلى كارثة اقتصادية وأمنية عالمية، غير أن قبول هذه المعادلة يمثل خطيئة استراتيجية تمنح الحوثيين حافزاً مستمراً للاستثمار في التصعيد البحري وتحصيل مكاسب دولية لا تستحقها، الأمر الذي يفرض حرماناً كاملاً للجماعة من العائد الاستراتيجي للتصعيد عبر ربط الأمن البحري بالمسار السياسي الشامل وعدم السماح للتهديدات بأن تتحول إلى أدوات ضغط تفاوضي تفرض أجندتهم الفئوية على الخريطة اليمنية. وتلتقي هذه الغايات في استراتيجية متكاملة تتأسس على خمس قواعد صلبة تتمثل في الدفاع الذكي دون استنزاف، واستهداف جذور القدرة لا مظاهرها العسكرية، وتفكيك شبكات القيادة والسيطرة عبر أدوات سياسية واقتصادية واستخباراتية، وبناء بديل وطني فاعل عبر تقوية مؤسسات الشرعية، وحرمان الحوثيين نهائياً من أي عائد سياسي يغذي نزوعهم نحو العنف والابتزاز.

وختاما، لا تقاس النجاحات الاستراتيجية بعدد الهجمات التي جرى صدها على الخطوط الأمامية، بل بقدرة الخصم على إعادة إنتاج العنف وتحويله إلى رصيد سياسي ومكاسب مستدامة، وحين يعجز الحوثيون عن تحويل صواريخهم وتهديداتهم إلى تغيير حقيقي في موازين القوة أو تحسين في مواقعهم التفاوضية أو إضعاف لمؤسسات الدولة، فإن التصعيد سيتحول بالضرورة من أداة ضغط فاعلة إلى عبء استراتيجي باهظ الكلفة على أصحابه. وهنا يكمن الدرس الخالد لمقاربتا كلاوزفيتز وسن تزو في تفكيك منظومة الخصم وإلغاء فاعليته من خلال ضرب مركز الثقل الذي يغذي استمراره، فإذا اختلت حلقة القيادة والسيطرة وفقدت الميليشيات ترابطها البنيوي، تهاوت بقية عناصر قوتها العسكرية والسياسية، وانتقلت الدولة والأمن الإقليمي من مرحلة إدارة الأزمة المنهكة إلى لحظة الحسم النهائي وإفشال المشروع الحوثي من جذوره.

 

Tags:
Share:
The stated views express the views of the author and do not necessarily reflect the views of the Center or the work team.